۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المدثر، آية ٤

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ ١ قُمۡ فَأَنذِرۡ ٢ وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ ٣ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ ٤ وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ ٥ وَلَا تَمۡنُن تَسۡتَكۡثِرُ ٦ وَلِرَبِّكَ فَٱصۡبِرۡ ٧ فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ ٨ فَذَٰلِكَ يَوۡمَئِذٖ يَوۡمٌ عَسِيرٌ ٩ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ غَيۡرُ يَسِيرٖ ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ يَأَيهَا الْمُدّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَ رَبّك فَكَبرْ (3) وَ ثِيَابَك فَطهِّرْ (4) وَ الرّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَ لا تَمْنُن تَستَكْثرُ (6) وَ لِرَبِّك فَاصبرْ (7) فَإِذَا نُقِرَ فى النّاقُورِ (8) فَذَلِك يَوْمَئذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلى الْكَفِرِينَ غَيرُ يَسِيرٍ (10)

القراءة

قرأ أبو جعفر و حفص و يعقوب و سهل و الرجز بالضم و الباقون بكسر الراء و قرأ الحسن تستكثر بالجزم و قرأ الأعمش تستكثر بالنصب و القراءة بالرفع.

الحجة

«الرجز» بالضم قراءة الحسن و هو اسم صنم فيما زعموا و قال قتادة هما صنمان إساف و نائلة و من كسر فهو العذاب و المعنى ذات العذاب فاهجر لأن عبادتها تؤدي إلى العذاب و يجوز أن يكون الرجز و الرجز لغتين كالذكر و الذكر و قال ابن جني الجزم في تستكثر يحتمل أمرين ( أحدهما ) أن يكون بدلا من تمنن فكأنه قال لا تستكثر فإن قيل فعبرة البدل أن يصلح إقامة الثاني مقام الأول و أنت لو قلت لا تستكثر لا يدلك النهي على المن للاستكثار و إنما المعنى لا تمنن من مستكثر قيل قد يكون البدل على حذف الأول و قد يكون على نية ثباته و ذلك كقولك زيد مررت به أبي محمد فتبدل أبا محمد من الهاء و لو قلت زيد مررت مررت بأبي محمد كان قبيحا فقوله «و لا تمنن تستكثر» من هذا القبيل و أنكر أبو حاتم الجزم على البدل ( و الآخر ) أن يكون أراد تستكثر فأسكن الراء لثقل الضمة مع كثرة الحركات كما حكى أبو زيد من قولهم بلى و رسلنا بإسكان اللام و أما تستكثر بالنصب فبأن مضمرة و ذلك أن يكون بدلا من قوله «و لا تمنن» في المعنى أ لا ترى أن معناه لا يكن منك من فاستكثار فكأنه قال لا يكن منك من أن تستكثر فتضمر أن لتكون مع الفعل المنصوب بها بدلا عن المن في المعنى الذي دل عليه الفعل و مما وقع فيه الفعل موقع المصدر قوله:

{فقالوا ما تشاء فقلت ألهو --- إلى الأصباح آثر ذي أثير}

أراد فقلت للهو فوضع ألهو موضع اللهو.

اللغة

المدثر المتفعل من الدثار إلا أن الثاء أدغمت في الدال و هو المتغطي بالثياب عند النوم و التكبير وصف الأكبر على اعتقاد معناه كتكبير المكبر في الصلاة بقوله الله أكبر و التكبير نقيض التصغير و الكبير الشأن هو المختص باتساع للمقدور و المعلوم و الطهارة النظافة بانتفاء النجاسة لأن النظافة قد تكون بانتفاء الوسخ من غير نجاسة و قد تكون بانتفاء النجاسة فالطهارة في الآية هو القسم الأخير و المن ذكر النعمة بما يكدرها و يقطع حق الشكر بها يقال من بعطائه يمن منا إذا فعل ذلك فأما المن على الأسير فهو إطلاقه بقطع أسباب

الاعتقال عنه و الاستكثار طلب الكثرة و هو هنا طلب ذكر الاستكثار للعطية و الناقور فاعول من النقر كهاضوم من الهضم و حاطوم من الحطم و هو الذي من شأنه أن ينقر فيه للتصويت به و اليسير و القليل الكلفة و منه اليسار و هو كثرة المال لقلة الكلفة به في الإنفاق و منه تيسير الأمور لسهولته.

الإعراب

«و ربك فكبر» تقديره قم فكبر ربك و كذلك ما بعده و فائدة تقديم المفعول عنها التخصيص لأنك إذا قلت و كبر ربك لم يدل ذلك على أنه لا يجوز تكبير غير الرب إذا قلت ربك فكبر دل على أنه لا يجوز تكبير غيره و تستكثر في موضع نصب على الحال فذلك مبتدأ و يوم عسير خبره و يومئذ يجوز أن يكون رفعا و يجوز أن يكون نصبا فإذا كان رفعا فإنما يبنى على الفتح لإضافته إلى إذ لأن إذ غير متمكنة و إذا كان نصبا فعلى الظرف و تقديره فذلك يوم عسير في يوم ينفخ في الصور قاله الزجاج و قال أبو علي في بعض كتبه لا يجوز أن ينتصب يومئذ بقوله «عسير» لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف و إنما انتصب يومئذ على أنه صلة قوله «فذلك» لأن ذلك كناية عن المصدر فكأنه قال فذلك النقر يومئذ و على هذا فيكون التقدير فذلك النقر في ذلك الوقت نقر يوم عسير و قوله «على الكافرين غير يسير» على يتعلق بعسير و لا يتعلق بيسير لأن ما يعمل فيه المضاف إليه لا يتقدم على المضاف على أنهم قالوا إن غيرا في حكم حرف النفي فيجوز أن يعمل ما بعده فيما قبله نحو أن تقول أنت زيدا غير ضارب و لا يجوز أن تقول أنت زيدا مثل ضارب فتعمل ضاربا في زيد و إنما أجازوا أنت زيدا غير ضارب حملا على أنت زيدا لا ضارب.

المعنى

خاطب سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «يا أيها المدثر» أي المتدثر بثيابه قال الأوزاعي سمعت يحيى بن أبي كثير يقول سألت أبا سلمة أي القرآن أنزل من قبل قال «يا أيها المدثر» فقلت أو اقرأ باسم ربك فقال سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل قبل قال «يا أيها المدثر» فقلت أو اقرأ فقال جابر أحدثكم ما حدثنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الواد فنوديت فنظرت أمامي و خلفي و عن يميني و شمالي فلم أر أحدا ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء يعني جبرائيل فقلت دثروني دثروني فصبوا علي ماء فأنزل الله عز و جل «يا أيها المدثر» و في رواية فحييت منه فرقا حتى هويت إلى الأرض فجئت إلى أهلي فقلت زملوني فنزل «يا أيها المدثر» «قم فأنذر» أي ليس بك ما تخافه من الشيطان إنما أنت نبي فأنذر الناس و ادعهم إلى التوحيد و في هذا ما فيه لأن الله تعالى لا يوحي إلى رسوله إلا بالبراهين النيرة و الآيات البينة الدالة على أن ما يوحى إليه

إنما هو من الله تعالى فلا يحتاج إلى شيء سواها و لا يفزع و لا يفرق و قيل معناه يا أيها الطالب صرف الأذى بالدثار اطلبه بالإنذار و خوف قومك بالنار و إن لم يؤمنوا و قيل إنه كان قد تدثر بشملة صغيرة لينام فقال يا أيها النائم قم من نومك فأنذر قومك و قيل إن المراد به الجد في الأمر و القيام بما أرسل به و ترك الهوينا فيه فكأنه قيل له لا تنم عما أمرتك به و هذا كما تقول العرب فلان لا ينام في أمره إذا وصف بالجلد و الانكماش و صدق العزيمة و كأنهم يخطرون النوم على ذي الحاجة حتى يبلغ حاجته و بذلك نطقت أشعارهم كما قيل:

{ألا أيها الناهي فزارة بعد ما --- أجدت لأمر إنما أنت حالم} {أرى كل ذي وتر يقوم بوتره --- و يمنع عنه النوم إذ أنت نائم}

و يقال لمن أدرك ثاره هذا هو الثأر المنيم و قال الشاعر يصف من أورد إبلا له:

{أوردها سعد و سعد مشتمل --- ما هكذا تورد يا سعد الإبل}

و الاشتمال مثل التدثر «و ربك فكبر» أي عظمه و نزهه عما لا يليق به و قيل كبره في الصلاة فقل الله أكبر «و ثيابك فطهر» أي و ثيابك الملبوسة فطهرها من النجاسة للصلاة و قيل معناه و نفسك فطهر من الذنوب و الثياب عبارة عن النفس عن قتادة و مجاهد و على هذا فيكون التقدير و ذا ثيابك فطهر فحذف المضاف و مما يؤيد هذا القول قول عنترة:

{فشككت بالرمح الأصم ثيابه --- ليس الكريم على القنا بمحرم}

و قيل معناه طهر ثيابك من لبسها على معصية أو غدرة كما قال سلامة بن غيلان الثقفي أنشده ابن عباس:

{و إني بحمد الله لا ثوب فاجر --- لبست و لا من غدرة أتقنع}

قال الزجاج معناه و يقال للغادر دنس الثياب و في معناه قول من قال و عملك فأصلح.

###

قال السدي يقال للرجل إذا كان صالحا أنه لطاهر الثياب و إذا كان فاجرا إنه لخبيث الثياب و قيل معناه و ثيابك فقصر عن طاووس و روي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال الزجاج لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسة فإنه إذا انجر على الأرض لم يؤمن أن يصيبه ما ينجسه و قيل معناه و ثيابك فاغسلها عن النجاسة بالماء لأن المشركين كانوا لا يتطهرون عن ابن زيد و ابن سيرين و قيل لا يكن ثيابك من حرام عن ابن عباس و قيل معناه و أزواجك فطهرهن عن الكفر و المعاصي حتى يصرن مؤمنات صالحات و العرب تكني بالثياب عن النساء عن أبي مسلم و روى أبو بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام) غسل الثياب يذهب الهم و الحزن و هو طهور المصلاة و تشمير الثياب طهور لها و قد قال الله سبحانه «و ثيابك فطهر» أي فشمر «و الرجز فاهجر» أي اهجر الأصنام و الأوثان عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الزهري و قيل معناه اجتنب المعاصي عن الحسن قال الكسائي الرجز بالكسر العذاب و بالضم الصنم و قال المعنى أهجر ما يؤدي إلى العذاب و لم يفرق غيره بينهما و قيل معناه جانب الفعل القبيح و الخلق الذميم عن الجبائي و قيل معناه أخرج حب الدنيا من قلبك لأنه رأس كل خطيئة «و لا تمنن تستكثر» أي لا تعط عطية لتعطى أكثر منها و هذا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة أدبه الله سبحانه بأكرم الآداب و أشرفها عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و النخعي و الضحاك و قيل معناه و لا تمنن حسناتك على الله تعالى مستكثرا لها فينقصك ذلك عند الله عن الحسن و ربيع بن أنس و قيل معناه لا تمنن ما أعطاك الله من النبوة و القرآن مستكثرا به الأجر من الناس عن ابن زيد و قيل هو نهي عن الربا المحرم أي لا تعط شيئا طالبا أن تعطي أكثر مما أعطيت عن أبي مسلم و قيل لا تضعف في عملك مستكثرا لطاعاتك عن مجاهد و قيل و لا تمنن بعطائك على الناس مستكثرا ما أعطيته فإن متاع الدنيا قليل و لأن المن يكدر الصنيعة و قيل معناه إذا أعطيت عطية فأعطها لربك و اصبر حتى يكون هو الذي يثيبك عليها عن زيد بن أسلم و قيل معناه لا تمنن بإبلاغ الرسالة على أمتك عن الجبائي «و لربك» أي لوجه ربك «فاصبر» على أذى المشركين عن مجاهد و قيل فاصبر على ما أمرك الله به من أداء الرسالة و تعظيم الشريعة و على ما ينالك من التكذيب و الأذى لتنال الفوز و الذخر و قيل فاصبر عن المعاصي و على الطاعات و المصائب و قيل فاصبر لله على ما حملت من الأمور الشاقة في محاربة العرب و العجم عن ابن زيد «فإذا نقر في الناقور» معناه إذا نفخ في الصور و هي كهيئة البوق عن مجاهد و قيل إن ذلك في النفخة الأولى و هو أول الشدة الهائلة العامة و قيل إنه النفخة الثانية و عندها يحيي الله الخلق و تقوم القيامة و هي صيحة الساعة عن الجبائي «فذلك يومئذ» قد مر معناه في الأعراف «يوم عسير» أي شديد «على الكافرين» لنعم الله الجاحدين لآياته «غير يسير»

غير هين و لا سهل و هو بمعنى قوله «عسير» إلا أنه أعاده بلفظ آخر للتأكيد كما تقول إني واد لفلان غير مبغض و قيل معناه عسير في نفسه و غير عسير على المؤمنين لما يرون من حسن العاقبة.