۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المزمل، آية ١٥

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ١٩

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَذَرۡنِي وَٱلۡمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعۡمَةِ وَمَهِّلۡهُمۡ قَلِيلًا ١١ إِنَّ لَدَيۡنَآ أَنكَالٗا وَجَحِيمٗا ١٢ وَطَعَامٗا ذَا غُصَّةٖ وَعَذَابًا أَلِيمٗا ١٣ يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلۡجِبَالُ كَثِيبٗا مَّهِيلًا ١٤ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ رَسُولٗا شَٰهِدًا عَلَيۡكُمۡ كَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ رَسُولٗا ١٥ فَعَصَىٰ فِرۡعَوۡنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذۡنَٰهُ أَخۡذٗا وَبِيلٗا ١٦ فَكَيۡفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرۡتُمۡ يَوۡمٗا يَجۡعَلُ ٱلۡوِلۡدَٰنَ شِيبًا ١٧ ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرُۢ بِهِۦۚ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَفۡعُولًا ١٨ إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا ١٩

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ ذَرْنى وَ المُْكَذِّبِينَ أُولى النّعْمَةِ وَ مَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (11) إِنّ لَدَيْنَا أَنكالاً وَ جَحِيماً (12) وَ طعَاماً ذَا غُصةٍ وَ عَذَاباً أَلِيماً (13) يَوْمَ تَرْجُف الأَرْض وَ الجِْبَالُ وَ كانَتِ الجِْبَالُ كَثِيباً مّهِيلاً (14) إِنّا أَرْسلْنَا إِلَيْكمْ رَسولاً شهِداً عَلَيْكمْ كَمَا أَرْسلْنَا إِلى فِرْعَوْنَ رَسولاً (15) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرّسولَ فَأَخَذْنَهُ أَخْذاً وَبِيلاً (16) فَكَيْف تَتّقُونَ إِن كَفَرْتمْ يَوْماً يجْعَلُ الْوِلْدَنَ شِيباً (17) السمَاءُ مُنفَطِرُ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (18) إِنّ هَذِهِ تَذْكرَةٌ فَمَن شاءَ اتخَذَ إِلى رَبِّهِ سبِيلاً (19)

اللغة

يذر و يدع بمعنى يترك و لا يقال وذر و لا ودع و استغني بترك عن ذلك لأن الابتداء بالواو عندهم مكروه و لذلك أبدلوا منها الهمزة في أقتت و التاء في تخمة و تراث و النعمة بفتح النون لين اللمس و ضدها الخشونة و النعمة الثروة و المنة أيضا و النعمة بضم النون المسرة يقال نعم و نعمة عين و نعمى عين و الأنكال القيود واحدها نكل و الغصة تردد اللقمة في الحلق و لا يسيغها آكلها يقال غص بريقه يغص غصصا و في قلبه غصة من كذا و هي كاللدغة التي لا يسوغ معها الطعام و الشراب قال عدي بن زيد:

{لو بغير الماء حلقي شرق --- كنت كالغصان بالماء اعتصاري}

و الكثيب الرمل المجتمع الكثير و هلت الرمل أهيله هيلا فهو مهيل إذا حرك أسفله فسال أعلاه و منه الحديث كيلوا و لا تهيلوا و كل ثقيل وبيل و منه كلأ مستوبل أي مستوخم لا يستمرء لثقله و منه الوبل و الوابل و هو المطر العظيم القطر و منه الوبال و هو ما يغلظ على النفس و الوبيل أيضا الغليظ من العصي قال طرفة:

{فمرت كهاة ذات خيف جلالة --- عقيلة شيخ كالوبيل يلندد}

المعنى

ثم قال سبحانه مهددا للكفار «و ذرني» يا محمد «و المكذبين» الذين يكذبونك فيما تدعوهم إليه من التوحيد و إخلاص العبادة و في البعث و الجزاء و هذا كما يقول القائل دعني و إياه إذا أراد أن يهدده و هو نصب على أنه مفعول معه «أولي النعمة» يعني المتنعمين ذوي الثروة في الدنيا أي كل جزاءهم إلي و لا تشغل قلبك بمجازاتهم «و مهلهم قليلا» و هذا أيضا وعيد لهم و لم يكن إلا يسيرا حتى كانت وقعة بدر و المعنى و أخرهم في المدة قليلا قال مقاتل نزلت في المطعمين ببدر و هم عشرة ذكرناهم في الأنفال و قيل نزلت في صناديد قريش و المستهزءين «إن لدينا أنكالا» أي عندنا قيودا في الآخرة عظاما لا تفك أبدا عن مجاهد و قتادة و قيل أغلالا «و جحيما» و هو اسم من أسماء جهنم و قيل يعني و نارا عظيمة و لا يسمى القليل به «و طعاما ذا غصة» أي ذا شوك يأخذ الحلق فلا يدخل و لا يخرج عن ابن عباس و قيل طعاما يأخذ بالحلقوم لخشونته و شدة تكرهه و قيل يعني الزقوم و الضريع و روي عن حمران بن أعين عن عبد الله بن عمر أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سمع قارئا يقرأ هذه فصعق «و عذابا أليما» أي عقابا موجعا مؤلما ثم بين سبحانه متى يكون ذلك فقال «يوم ترجف الأرض» أي تتحرك باضطراب شديد «و الجبال» أي و ترجف الجبال معها أيضا و تضطرب بمن عليها «و كانت الجبال كثيبا مهيلا» أي رملا سائلا متناثرا عن ابن عباس و قيل المهيل الذي إذا وطأته القدم زل من تحتها و إذا أخذت أسفله انهار أعلاه عن الضحاك و المعنى أن الجبال تنقلع من أصولها فتصير بعد صلابتها كالرمل السائل ثم أكد سبحانه الحجة على أهل مكة فقال «إنا أرسلنا إليكم رسولا» يعني محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) «شاهدا عليكم» أي يشهد عليكم في الآخرة بما يكون منكم لا في الدنيا «كما أرسلنا إلى فرعون» بمصر «رسولا» يعني موسى ابن عمران «فعصى فرعون الرسول» و لم يقبل منه ما دعاه إليه «فأخذناه» بالعذاب «أخذا وبيلا» أي شديدا ثقيلا مع كثرة جنوده و سعة ملكه يعني الغرق حذرهم سبحانه أن ينالهم مثل ما نال فرعون و قومه «فكيف تتقون إن كفرتم» و لم تؤمنوا برسولكم «يوما» أي عقاب يوم «يجعل الولدان شيبا» و هو جمع أشيب و هذا وصف لذلك اليوم و شدته كما يقال هذا أمر يشيب منه الوليد و تشيب منه النواصي إذا كان عظيما شديدا و المعنى بأي شيء تتحصنون من عذاب ذلك اليوم إن كفرتم و كيف تدفعون عنكم ذلك قال النابغة:

{سقط النصيف و لم ترد إسقاطه --- فتناولته و اتقتنا باليد}

أي دفعتنا ثم زاد سبحانه في وصف شدة ذلك اليوم فقال «السماء منفطر به» الهاء تعود إلى اليوم و هذا كما يقال فلان بالكوفة أي هو فيها و المعنى أن السماء تنفطر و تنشق في ذلك اليوم من هوله و قيل سبب ذلك اليوم و هوله و شدته و قيل بأمر الله و قدرته و لم يقل منفطرة لأن لفظة السماء مذكر فيجوز أن يذكر و يؤنث و من ذكر أراد السقف و قيل معناه ذات انفطار كما يقال امرأة مطفل أي ذات أطفال و مرضع ذات رضاع فيكون على طريق النسبة «كان وعده مفعولا» أي كائنا لا خلف فيه و لا تبديل «إن هذه» الصفة التي ذكرناها و بيناها «تذكرة» أي عظة لمن أنصف من نفسه و التذكرة الموعظة التي يذكر بها ما يعمل عليه «فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا» أي فمن شاء من المكلفين اتخذ إلى ثواب ربه سبيلا لأنه قادر على الطاعة التي لو فعلها وصل إلى الثواب و قد رغبه الله تعالى فيه و دعاه إلى فعل ما يوصله إليه و بعث رسولا يدعوه إليه فمن لم يصل إليه فبسوء اختياره انصرف عنه.