۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة نوح، آية ٢٧

التفسير يعرض الآيات ١٥ إلى ٢٨

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

أَلَمۡ تَرَوۡاْ كَيۡفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗا ١٥ وَجَعَلَ ٱلۡقَمَرَ فِيهِنَّ نُورٗا وَجَعَلَ ٱلشَّمۡسَ سِرَاجٗا ١٦ وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ نَبَاتٗا ١٧ ثُمَّ يُعِيدُكُمۡ فِيهَا وَيُخۡرِجُكُمۡ إِخۡرَاجٗا ١٨ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ بِسَاطٗا ١٩ لِّتَسۡلُكُواْ مِنۡهَا سُبُلٗا فِجَاجٗا ٢٠ قَالَ نُوحٞ رَّبِّ إِنَّهُمۡ عَصَوۡنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمۡ يَزِدۡهُ مَالُهُۥ وَوَلَدُهُۥٓ إِلَّا خَسَارٗا ٢١ وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا كُبَّارٗا ٢٢ وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّٗا وَلَا سُوَاعٗا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسۡرٗا ٢٣ وَقَدۡ أَضَلُّواْ كَثِيرٗاۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا ضَلَٰلٗا ٢٤ مِّمَّا خَطِيٓـَٰٔتِهِمۡ أُغۡرِقُواْ فَأُدۡخِلُواْ نَارٗا فَلَمۡ يَجِدُواْ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَارٗا ٢٥ وَقَالَ نُوحٞ رَّبِّ لَا تَذَرۡ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ دَيَّارًا ٢٦ إِنَّكَ إِن تَذَرۡهُمۡ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓاْ إِلَّا فَاجِرٗا كَفَّارٗا ٢٧ رَّبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيۡتِيَ مُؤۡمِنٗا وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارَۢا ٢٨

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

أَ لَمْ تَرَوْا كَيْف خَلَقَ اللّهُ سبْعَ سمَوَتٍ طِبَاقاً (15) وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنّ نُوراً وَ جَعَلَ الشمْس سِرَاجاً (16) وَ اللّهُ أَنبَتَكم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً (17) ثمّ يُعِيدُكمْ فِيهَا وَ يخْرِجُكمْ إِخْرَاجاً (18) وَ اللّهُ جَعَلَ لَكمُ الأَرْض بِساطاً (19) لِّتَسلُكُوا مِنهَا سبُلاً فِجَاجاً (20) قَالَ نُوحٌ رّب إِنهُمْ عَصوْنى وَ اتّبَعُوا مَن لّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَ وَلَدُهُ إِلا خَساراً (21) وَ مَكَرُوا مَكْراً كبّاراً (22) وَ قَالُوا لا تَذَرُنّ ءَالِهَتَكمْ وَ لا تَذَرُنّ وَدّا وَ لا سوَاعاً وَ لا يَغُوث وَ يَعُوقَ وَ نَسراً (23) وَ قَدْ أَضلّوا كَثِيراً وَ لا تَزِدِ الظلِمِينَ إِلا ضلَلاً (24) مِّمّا خَطِيئَتهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يجِدُوا لهَُم مِّن دُونِ اللّهِ أَنصاراً (25) وَ قَالَ نُوحٌ رّب لا تَذَرْ عَلى الأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيّاراً (26) إِنّك إِن تَذَرْهُمْ يُضِلّوا عِبَادَك وَ لا يَلِدُوا إِلا فَاجِراً كفّاراً (27) رّب اغْفِرْ لى وَ لِوَلِدَى وَ لِمَن دَخَلَ بَيْتىَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَتِ وَ لا تَزِدِ الظلِمِينَ إِلا تَبَارَا (28)

القراءة

قرأ أهل المدينة ودا بالضم و الباقون بالفتح و قرأ أبو عمرو مما خطاياهم و الباقون «مما خطيئاتهم» بالتاء و المد و الهمزة و قد ذكرنا الاختلاف في ولده في سورة مريم (عليها السلام).

الحجة

قال أبو عبيدة زعموا أن ودا كان صنم لهذا الحي من كلب و حكاه بالفتح قال و سمعت قول الشاعر:

{فحياك ود ما هداك لفتية --- و خوص بأعلى ذي طوالة هجد}

و قال أبو الحسن ضم أهل المدينة الواو و عسى أن يكون لغة في اسم الصنم و سمعت هذا البيت:

{حياك ودا فإنا لا يحل لنا --- لهو النساء و أن الدين قد عزما}

الواو مضمومة و خطاياهم جمع التكسير و خطيئات جمع التصحيح و ما زائدة كالتي في قوله فبما رحمة من الله و قوله فبما نقضهم ميثاقهم.

اللغة

الفجاج الطرق المتسعة المتفرقة واحدها فج و قيل الفج المسلك بين جبلين و السواع هنا صنم و في غيره الساعة من الليل و مثله السعواء و الكبار الكبير جدا يقال كبير ثم كبار ثم كبار و مثله عجيب و عجاب و عجاب و حسن و حسان و حسان و روي أن أعرابيا سمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ «و مكروا مكرا كبارا» فقال ما أفصح ربك يا محمد و هذا من جفاء الأعراب لأن الله تعالى سبحانه لا يوصف بالفصاحة و ديارا فيعال من الدوران و نحوه القيام و الأصل قيوام و ديوار فقلبت الواو ياء و أدغمت إحداهما في الأخرى قال الزجاج يقال ما بالدار ديار أي ما بها أحد يدور في الأرض قال الشاعر:

{و ما نبالي إذا ما كنت جارتنا --- أن لا يجاورنا إلاك ديار}

فجعل المتصل موضع المنفصل ضرورة.

الإعراب

طباقا منصوبا على أحد وجهين أن يكون على تقدير خلقهن طباقا و أن يكون نعتا لسبع أي سبع سماوات ذات طباق نباتا مصدر فعل محذوف تقديره أنبتكم فنبتم نباتا و قال الزجاج هو محمول على المعنى لأن معنى أنبتكم جعلكم تنبتون نباتا و ما من قوله «مما خطيئاتهم» مزيدة لتأكيد الكلام.

المعنى

ثم خاطب سبحانه المكلفين منبها لهم على توحيده فقال «أ لم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا» أي واحدة فوق الأخرى كالقباب «و جعل القمر فيهن نورا» قيل فيه وجوه ( أحدها ) أن المعنى و جعل القمر نورا في السماوات و الأرض عن ابن عباس قال يضيء ظهره لما يليه من السماوات و يضيء وجهه لأهل الأرض و كذلك الشمس ( و ثانيها ) أن معنى فيهن معهن يعني و جعل القمر معهن أي مع خلق السماوات نورا لأهل الأرض ( و ثالثها ) أن معنى فيهن في حيزهن و إن كان في واحدة منها كما تقول أتيت بني تميم و إنما أتيت بعضهم «و جعل الشمس سراجا» أي مصباحا يضيء لأهل الأرض كما كانت الشمس جعل فيها النور للاستضاءة به كانت سراجا فهي سراج العالم كما أن المصباح سراج الإنسان «و الله أنبتكم من الأرض نباتا» يعني مبتدأ خلق آدم و آدم خلق من الأرض و الناس ولده و هذا كقوله «و بث منهما رجالا كثيرا و نساء» و قيل معناه أنه أنشأ جميع الخلق باغتذاء ما تنبته الأرض و نما فيها و قيل معناه أنبتكم من الأرض بالكبر بعد الصغر و بالطول بعد القصر «ثم يعيدكم فيها» أي في الأرض أمواتا «و يخرجكم» منها عند البعث أحياء «إخراجا» و إنما ذكر المصدر تأكيدا «و الله جعل لكم الأرض بساطا» أي مبسوطة ليمكنكم المشي عليها و الاستقرار فيها ثم بين أنه إنما جعلها كذلك «لتسلكوا منها سبلا فجاجا» أي طرقا واسعة و قيل طرقا مختلفة عن ابن عباس و قيل سبلا في الصحاري و فجاجا في الجبال و إنما عدد سبحانه هذه الضروب من النعم امتنانا على خلقه و تنبيها لهم على استحقاقه للعبادة خالصة من كل شرك و دلالة لهم على أنه عالم بمصالحهم و مدبر لهم على ما تقتضيه الحكمة فيجب أن لا يقابلوا هذه النعم الجليلة بالكفر و الجحود ثم عاد سبحانه إلى ذكر نوح (عليه السلام) بقوله «قال نوح» على سبيل الدعاء «رب إنهم عصوني» فيما أمرتهم به و نهيتهم عنه يعني قومه «و اتبعوا من لم يزده ماله و ولده إلا خسارا» أي و اتبعوا أغنياء

###

قومهم اغترارا بما آتاهم الله من المال و الولد فقالوا لو كان هذا رسولا لله لكان له ثروة و غنى و قرىء «ولده» و ولده بالضم و الفتح فالولد الجماعة من الأولاد و الولد الواحد و قيل هما سواء و الخسار الهلاك بذهاب رأس المال و قيل إن معناه اتبع الفقراء و السفلة الرؤساء الذين لم يزدهم كثرة المال و الأولاد إلا هلاكا في الدنيا و عقوبة في الآخرة «و مكروا» في دين الله «مكرا كبارا» أي كبيرا عظيما عن الحسن و قيل معناه قالوا قولا عظيما عن ابن عباس و قيل اجترءوا على الله و كذبوا رسله عن الضحاك و قيل مكرهم تحريشهم سفلتهم على قتل نوح (عليه السلام) «و قالوا لا تذرن آلهتكم» أي لا تتركوا عبادة أصنامكم ثم خصوا أصناما لهم معروفة بعد دخولها في الجملة الأولى تعظيما لها فقالوا «لا تذرن ودا و لا سواعا و لا يغوث و يعوق و نسرا» و هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها ثم عبدتها العرب فيما بعد عن ابن عباس و قتادة و قيل إن هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم و نوح (عليهما السلام) فنشأ قوم بعدهم يأخذون أخذهم في العبادة فقال لهم إبليس لو صورتم صورهم كان أنشط لكم و أشوق إلى العبادة ففعلوا فنشأ بعدهم قوم فقال لهم إبليس إن الذين كانوا قبلكم كانوا يعبدونهم فعبدوهم فمبدأ عبادة الأوثان كان ذلك الوقت عن محمد بن كعب و قيل كان نوح يحرس جسد آدم على جبل بالهند و يحول بينه و بين الكفار لئلا يطوفوا بقبره فقال لهم إبليس إن هؤلاء يفخرون عليكم و يزعمون أنهم بنو آدم دونكم و إنما هو جسد و أنا أصور لكم مثله تطيفون به فنحت خمسة أصنام و حملهم على عبادتها و هي ود و سواع و يعوق و يغوث و نسر فلما كان أيام الغرق دفن الطوفان تلك الأصنام و طمها التراب فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب فاتخذت قضاعة ودا فعبدوها بدومة الجندل ثم توارثها بنوه الأكابر فالأكابر حتى صارت إلى كلب فجاء الإسلام و هو عندهم و أخذ بطنان من طي يغوث فذهبوا به إلى مراد فعبدوه زمانا ثم أن بني ناجية أرادوا أن ينزعوه منهم ففروا به إلى بني الحرث بن كعب و أما يعوق فكان لكهلان ثم توارثه بنوه الأكبر فالأكبر حتى صار إلى همدان و أما نسر فكان لخثعم يعبدونه و أما سواع فكان لآل ذي الكلاع يعبدونه عن ابن عباس و قيل إن أوثان قوم نوح صارت إلى العرب فكانت ود بدومة الجندل و سواع برهاط لهذيل و كان يغوث لبني غطيف من مراد و كان يعوق لهمدان و كان نسر لآل ذي الكلاع من حمير و كان اللات لثقيف و أما العزى فلسليم و غطفان و جشم و نضر و سعد بن بكر و أما مناة فكانت لفديد و أما إساف و نائلة و هبل فلأهل مكة و كان إساف حيال الحجر الأسود و كانت نائلة حيال الركن اليماني و كان هبل في جوف الكعبة

ثمانية عشر ذراعا عن عطا و قتادة و الثمالي و قال الواقدي كان ود على صورة رجل و سواع على صورة امرأة و يغوث على صورة أسد و يعوق على صورة فرس و نسر على صورة نسر من الطير «و قد أضلوا كثيرا» أي ضل بعبادتها و بسببها كثير من الناس نظيره رب إنهن أضللن كثيرا من الناس و قيل معناه و قد أضل كبراؤهم كثيرا من الناس عن مقاتل و أبي مسلم و على هذا فإن الضمير في أضلوا يعود إلى أكابر قوم نوح «و لا تزد الظالمين إلا ضلالا» أي هلاكا كما في قوله «إن المجرمين في ضلال و سعر» و قيل إلا فتنة بالمال و الولد و قيل إلا ذهابا عن الجنة و الثواب قال البلخي لا تزدهم إلا منعا من الطاعات عقوبة لهم على كفرهم فإنهم إذا ضلوا استحقوا منع الألطاف التي تفعل بالمؤمنين فيطيعون عندها و يمتثلون و لا يجوز أن يفعل بهم الضلال عن الحق و الإيمان لأن ذلك لا يجوز في صفة الحكيم تعالى الله عن ذلك «مما خطيئاتهم أغرقوا» أي من خطيئاتهم و ما مزيدة و التقدير من أجل ما ارتكبوه من الخطايا و الكبائر «أغرقوا» على وجه العقوبة «فادخلوا نارا» بعد ذلك ليعاقبوا فيها «فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا» أي لم يجدوا أحدا يمنعهم من عذاب الله و إنما أتى سبحانه بألفاظ المضي على معنى الاستقبال لصدق الوعد به و قال الضحاك أغرقوا فادخلوا نارا في الدنيا في حالة واحدة كانوا يغرقون من جانب و يحترقون في النار من جانب و أنشد ابن الأنباري:

{الخلق مجتمع طورا و مفترق --- و الحادثات فنون ذات أطوار} {لا تعجبن لأضداد إذا اجتمعت --- فالله يجمع بين الماء و النار}

«و قال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا» أي نازل دار يعني لا تدع منهم أحدا إلا أهلكته قال قتادة ما دعا بهذا عليهم إلا بعد أن أنزل عليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلذلك قال «إنك إن تذرهم يضلوا عبادك» أي إن تتركهم و لم تهلكهم يضلوا عبادك عن الدين بالإغواء و الدعاء إلى خلافه «و لا يلدوا إلا فاجرا كفارا» و إلا فلم يعلم نوح الغيب و إنما قال ذلك بعد أن أعلمه الله إياه و المعنى و لا يلدوا إلا من يكون عند بلوغه كافرا لأنه لا يذم على الكفر من لم يقع منه فعل الكفر و قال مقاتل و الربيع و عطاء إنما قال ذلك نوح (عليه السلام) لأن الله تعالى أخرج من أصلابهم كل من يكون مؤمنا و أعقم أرحام نسائهم و أيبس أصلاب رجالهم قبل العذاب بأربعين سنة و أخبر الله تعالى نوحا بأنهم لا يؤمنون و لا يلدون مؤمنا فحينئذ دعا عليهم فأجاب الله دعاءه فأهلكهم كلهم و لم يكن فيهم صبي وقت العذاب ثم دعا لنفسه و للمؤمنين و المؤمنات فقال «رب اغفر لي و لوالدي»

و اسم أبيه لمك بن متوشلخ و اسم أمه سمحاء بنت أنوش و كانا مؤمنين و قيل يريد آدم و حواء «و لمن دخل بيتي مؤمنا» أي دخل داري و قيل مسجدي عن الضحاك و قيل سفينتي و قيل يريد بيت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) «و للمؤمنين و المؤمنات» عامة و قيل من أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الكلبي «و لا تزد الظالمين إلا تبارا» أي هلاكا و دمارا قال أهل التحقيق دعا نوح (عليه السلام) دعوتين دعوة على الكافرين و دعوة للمؤمنين فاستجاب الله دعوته على الكافرين فأهلك من كان منهم على وجه الأرض و نرجو أن يستجيب أيضا دعوته للمؤمنين فيغفر لهم.