۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المعارج، آية ٤٣

التفسير يعرض الآيات ٣٦ إلى ٤٤

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

فَمَالِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهۡطِعِينَ ٣٦ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ ٣٧ أَيَطۡمَعُ كُلُّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ أَن يُدۡخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٖ ٣٨ كـَلَّآۖ إِنَّا خَلَقۡنَٰهُم مِّمَّا يَعۡلَمُونَ ٣٩ فَلَآ أُقۡسِمُ بِرَبِّ ٱلۡمَشَٰرِقِ وَٱلۡمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ ٤٠ عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ ٤١ فَذَرۡهُمۡ يَخُوضُواْ وَيَلۡعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٤٢ يَوۡمَ يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ سِرَاعٗا كَأَنَّهُمۡ إِلَىٰ نُصُبٖ يُوفِضُونَ ٤٣ خَٰشِعَةً أَبۡصَٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۚ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمُ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ٤٤

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

فَمَا لِ الّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَك مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشمَالِ عِزِينَ (37) أَ يَطمَعُ كلّ امْرِىٍ مِّنهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنّةَ نَعِيمٍ (38) َكلا إِنّا خَلَقْنَهُم مِّمّا يَعْلَمُونَ (39) فَلا أُقْسِمُ بِرَب المَْشرِقِ وَ المَْغَرِبِ إِنّا لَقَدِرُونَ (40) عَلى أَن نّبَدِّلَ خَيراً مِّنْهُمْ وَ مَا نحْنُ بِمَسبُوقِينَ (41) فَذَرْهُمْ يخُوضوا وَ يَلْعَبُوا حَتى يُلَقُوا يَوْمَهُمُ الّذِى يُوعَدُونَ (42) يَوْمَ يخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنهُمْ إِلى نُصبٍ يُوفِضونَ (43) خَشِعَةً أَبْصرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلّةٌ ذَلِك الْيَوْمُ الّذِى كانُوا يُوعَدُونَ (44)

القراءة

قرأ ابن عامر و حفص و سهل «إلى نصب» بضمتين و الباقون إلى نصب بفتح النون و سكون الصاد.

الحجة

قال أبو علي يجوز أن يكون نصب جمع نصب مثل سقف و سقف و ورد و من ثقل فقال نصب كان بمنزلة أسد و يمكن أن يكون النصب و النصب لغتين كالضعف و الضعف و ما أشبه ذلك و يكون الثقيل كشغل و شغل و طنب و طنب.

اللغة

قال الزجاج المهطع المقبل ببصره على الشيء لا يزايله و ذلك من نظر العدو و قال أبو عبيدة الإهطاع الإسراع و عزين جماعات في تفرقة واحدتهم عزة و إنما جمع بالواو و النون لأنه عوض مثل سنة و سنون و أصل عزة عزوة من عزاه يعزوه إذا أضافه إلى غيره فكل جماعة من هذه الجماعات مضافة إلى الأخرى.

قال الراعي:

{أخليفة الرحمن إن عشيرتي --- أمسى سوامهم عزين فلولا}

و قال عنترة:

{و قرن قد تركت لدي مكر --- عليه الطير كالعصب العزينا}

و قيل إن المحذوف من عزة هاء و الأصل عزهة و هو من العزهاة و هو المنقبض عن النساء و عن اللهو معهن قال الأحوص:

{إذا كنت عزهاة عن اللهو و الصبي --- فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا}

و عن أبي هريرة قال خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أصحابه و هم حلق حلق متفرقون فقال ما لي أراكم عزين و الأجداث القبور واحدها جدث و جدف بمعناه و الإيفاض الإسراع و النصب الصنم الذي كانوا يعبدونه قال الأعشى:

{و ذا النصب المنصوب لا تنسكنه --- لعاقبة و الله ربك فاعبدا}

الإعراب

«فما للذين كفروا» ما رفع بالابتداء و اللام خبره و فيه ضميره و قبلك في موضع الحال من كفروا أو من المجرور على تقدير فما لهم ثابتين قبلك و مهطعين حال من الضمير في قبلك و يجوز في قبلك أن يكون ظرفا للأم و أن يكون ظرفا لمهطعين و يجوز أن يكون مهطعين حالا بعد حال و عن اليمين يتعلق به و عزين حال بعد حال و يجوز أن يتعلق عن اليمين بعزين و معناه مجتمعين عن اليمين و عن الشمال.

«كأنهم إلى نصب يوفضون» جملة منصوبة الموضع على الحال من قوله «سراعا» «خاشعة أبصارهم» حال من الضمير في يوفضون.

المعنى

ثم قال سبحانه على وجه الإنكار على الكفار «فما للذين كفروا» يعني أي شيء للذين كفروا بتوحيد الله أي ما بالهم و ما حملهم على ما فعلوا «قبلك» أي عندك يا محمد «مهطعين» مسرعين إليك عن أبي عبيدة و قيل متطلعين عن الحسن و قيل مقبلين عنك بوجوههم لا يلتفتون عنك أي ناظرين إليك بالعداوة و المراد بالذين كفروا هنا المنافقون «عن اليمين و عن الشمال» أي عن يمينك و عن شمالك «عزين» أي جماعات متفرقين عصبة عصبة و جماعة جماعة «أ يطمع كل امرىء منهم» أي من هؤلاء المنافقين ب «أن يدخل جنة نعيم» كما يدخل أولئك الموصوفون قبل هذا و إنما قال هذا لأنهم كانوا يقولون إن كان الأمر على ما قال محمد فإن لنا في الآخرة عند الله أفضل مما للمؤمنين كما أعطانا في الدنيا أفضل مما أعطاهم «كلا» أي لا يكون و لا يدخلونها «إنا خلقناهم مما يعلمون» أي من النطفة عن الحسن أي من كان أصله من هذا الماء المهين فكيف استوجب الجنة بأصله و بنفسه إنما يستوجبها بالأعمال الصالحة نبه سبحانه بهذا على أن الناس كلهم من أصل واحد و إنما يتفاضلون بالإيمان و الطاعة و تحقيقه إنما خلقناهم من المقاذر و الأنجاس فمتى يدخلون الجنة و لم يؤمنوا بي و لم يصدقوا رسولي و قيل معناه خلقناهم من الجنس الذين يعلمون أو من الخلق الذين يعلمون و يفقهون و يلزمهم الحجة و لم نخلقهم من الجنس الذي لا يفقه كالبهائم و الطير و قيل معناه خلقناهم من أجل ما يعلمون من الثواب و العقاب و التكليف للطاعات تعريضا للثواب كما يقول القائل غضبت عليك مما تعلم أي من أجل ما تعلم قال الأعشى:

{أأزمعت من آل ليلى ابتكارا --- و شطت على ذي هوى أن تزارا}

أي من أجل آل ليلى و دل قوله و شطت على ذي هوى أنه لم يزمع من عندهم و إنما أزمع من أجلهم للمصير إليهم «فلا أقسم» هو مفسر في سورة الحاقة «برب المشارق و المغارب» يعني مشارق الشمس و مغاربها فإن لها ثلاثمائة و ستين مطلعا لكل يوم مطلع لا تعود إليه إلى قابل عن ابن عباس «إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم» هذا جواب القسم يعني أنا نقدر على أن نهلكهم و نأتي بدلهم بقوم آخرين خيرا منهم «و ما نحن بمسبوقين» هذا عطف على جواب القسم أي و إن هؤلاء الكفار لا يفوتون بأن يتقدموا على وجه يمنع لحاق العذاب بهم فإنهم لم يكونوا سابقين و لا العقاب مسبوقا منهم و التقدير و ما نحن بمسبوقين يفوت عقابنا إياهم فإنهم لو سبقوا عقابنا لسبقونا و قيل معناه و ما نحن بمغلوبين عن أبي مسلم «فذرهم يخوضوا» في باطلهم «و يلعبوا» فإن وبال ذلك عائد عليهم «حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون» يعني يوم القيامة «يوم يخرجون من الأجداث» أي القبور «سراعا» مسرعين لشدة السوق «كأنهم إلى نصب يوفضون» أي كأنهم يسعون و يسرعون إلى علم نصب لهم عن الجبائي و أبي مسلم و قيل كأنهم إلى أوثانهم يسعون للتقرب إليها عن ابن عباس و قتادة «خاشعة أبصارهم» أي ذليلة خاضعة لا يستطيعون النظر من هول ذلك اليوم «ترهقهم ذلة» أي تغشاهم مذلة «ذلك اليوم الذي» وصفه اليوم الذي «كانوا يوعدون» به دار التكليف فلا يصدقون به و يجحدونه قد شاهدوه في تلك الحال.