۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المعارج، آية ٢

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

سَأَلَ سَآئِلُۢ بِعَذَابٖ وَاقِعٖ ١ لِّلۡكَٰفِرِينَ لَيۡسَ لَهُۥ دَافِعٞ ٢ مِّنَ ٱللَّهِ ذِي ٱلۡمَعَارِجِ ٣ تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِينَ أَلۡفَ سَنَةٖ ٤ فَٱصۡبِرۡ صَبۡرٗا جَمِيلًا ٥ إِنَّهُمۡ يَرَوۡنَهُۥ بَعِيدٗا ٦ وَنَرَىٰهُ قَرِيبٗا ٧ يَوۡمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلۡمُهۡلِ ٨ وَتَكُونُ ٱلۡجِبَالُ كَٱلۡعِهۡنِ ٩ وَلَا يَسۡـَٔلُ حَمِيمٌ حَمِيمٗا ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ سأَلَ سائلُ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِّلْكَفِرِينَ لَيْس لَهُ دَافِعٌ (2) مِّنَ اللّهِ ذِى الْمَعَارِج (3) تَعْرُجُ الْمَلَئكةُ وَ الرّوحُ إِلَيْهِ فى يَوْمٍ كانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْف سنَةٍ (4) فَاصبرْ صبراً جَمِيلاً (5) إِنهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (6) وَ نَرَاهُ قَرِيباً (7) يَوْمَ تَكُونُ السمَاءُ كالمُْهْلِ (8) وَ تَكُونُ الجِْبَالُ كالْعِهْنِ (9) وَ لا يَسئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (10)

القراءة

قرأ أهل المدينة و ابن عامر سأل بغير همز و الباقون بالهمز و قرأ الكسائي يعرج بالياء و قرأ الباقون بالتاء و قرأ ابن كثير في رواية البزي و عاصم في رواية البرجمي عن أبي بكر و لا يسأل بضم الياء و الباقون «لا يسأل» بفتح الياء.

الحجة

قال أبو علي من قرأ سأل جعل الألف منقلبة عن الواو التي هي عين مثل قال و خاف و حكى أبو عثمان عن أبي زيد أنه سمع من يقول هما يتساولان فمن قال سأل كان على هذه اللغة و من قرأ «سأل» فجعل الهمزة عين الفعل فإن حقق قال سأل و إن خفف جعلها بين الألف و الهمزة و أما قول الشاعر:

{سألت هذيل رسول الله فاحشة --- ضلت هذيل بما قالت و لم تصب}

و يمكن فيه الوجهان و كل القراء على همز سائل لأنه لا يخلو إما أن يكون من يتساولان أو من اللغة الأخرى فإن كان من الأول لم يكن فيه إلا الهمز كما يكون في قائل و خائف لأن العين إذا اعتلت بالفعل اعتلت في اسم الفاعل و اعتلالها لا يكون بالحذف للالتباس فقلب إلى الهمزة و إن كانت في لغة من همز فليس فيه إلا الهمز كما يكون في ثائر إلا أنك إن شئت خففت الهمزة فجعلتها بين بين و كذلك في الوجه الآخر و أما يعرج و «تعرج» فالياء و التاء فيه حسنتان و من ضم قوله و لا يسئل حميم حميما فالمعنى و الله أعلم لا يسئل حميم عن حميمه ليعرف شأنه من جهته كما يتعرف الخبر الصديق من جهة صديقه و القريب عن قريبه فإذا كان كذلك فالكلام إذا بنيت الفعل للفاعل قلت سألت زيدا عن حميمه و إذا بنيت الفعل للمفعول به قلت سئل زيد عن حميمه و قد يحذف الجار فيصل الفعل إلى الاسم الذي كان مجرورا قبل حذف الجار فينتصب بأنه مفعول الاسم الذي أسند إليه الفعل المبني للمفعول به فعلى هذا انتصب قوله «حميما» و يدل على هذا المعنى قوله يبصرونهم أي يبصر الحميم الحميم تقول بصرت به فإذا ضعفت عين الفعل صار الفاعل مفعولا فتقول بصرني زيد بكذا فإذا حذفت الجار قلت بصرني زيد كذا فإذا بنيت الفعل للمفعول به و قد حذفت الجار قلب بصرت زيدا فعلى هذا قوله يبصرونهم فإذا بصروهم لم يحتج إلى تعرف شأن الحميم من حميمه و إنما جمع فقيل يبصروهم لأن الحميم و إن كان مفردا في اللفظ فالمراد به الكثرة

و الجمع يدلك على ذلك قوله فما لنا من شافعين و لا صديق حميم و من قرأ «و لا يسأل حميم حميما» فالمعنى لا يسأل الحميم عن حميمه في ذلك اليوم لأنه يذهل عن ذلك و يشغل عنه بشأنه كما قال يوم يفر المرء من أخيه إلى قوله لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه.

اللغة

المعارج مواضع العروج و هو الصعود مرتبة بعد مرتبة و منه الأعرج لارتفاع إحدى رجليه عن الأخرى قال الزجاج المهل دردي الزيت و قيل هو الجاري بغلظة و عكزه على رفق من أمهله إمهالا و العهن الصوف المنقوش و الحميم القريب النسب إلى صاحبه و أصله من القرب قال:

{أحم الله ذلك من لقاء --- أحاد أحاد في الشهر الحلال}

الإعراب

بعذاب الباء تتعلق بسال لأن معناه دعا داع بعذاب و قيل إن الباء بمعنى عن و تقديره عن عذاب قال:

{دع المعمر لا تسأل بمصرعه --- و أسأل بمصقلة البكري ما فعلا}

يريد عن مصرعه و عن مصقله و اللام في قوله «للكافرين» بمعنى على و يتعلق بواقع أي واقع على الكافرين و قيل إنه يتعلق بمحذوف فيكون صفة لسائل تقديره سأل سائل كائن للكافرين أي منهم.

المعنى

«سأل سائل بعذاب واقع» قيل إن هذا السائل هو الذي قال اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية و هو النضر بن الحارث بن كلدة فيكون المعنى دعا داع على نفسه بعذاب واقع مستعجلا له و هو واقع بهم لا محالة عن مجاهد و قيل سأل المشركون فقالوا لمن هذا العذاب الذي تذكر يا محمد فجاء جوابه بأنه «للكافرين ليس له دافع» عن الحسن و قيل معناه دعا داع بعذاب على الكافرين و ذلك الداعي هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الجبائي و تكون الباء في بعذاب مزيدة على التوكيد كما في قوله و هزي إليك بجذع النخلة و التقدير سأل سائل عذابا واقعا و قيل هي بمعنى عن و عليه تأويل قول الحسن لأنهم سألوا عن العذاب لمن هو و قيل الباء للتعدي أي بإنزال عذاب و عليه تأويل قول مجاهد و قيل إن معنى سأل سائل على قراءة من قرأ بالألف من سال يسيل سيلا و التقدير سال سيل سائل بعذاب واقع و قيل سائل اسم واد في جهنم سمي به لأنه يسيل بالعذاب عن ابن زيد و أخبرنا السيد أبو الحمد

قال حدثنا الحاكم أبو القاسم الحسكاني قال حدثنا أبو عبد الله الشيرازي قال حدثنا أبو بكر الجرجاني قال حدثنا أبو أحمد البصري قال حدثنا محمد بن سهل قال حدثنا زيد بن إسماعيل مولى الأنصار قال حدثنا محمد بن أيوب الواسطي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد الصادق عن آبائه (عليهم السلام) قال لما نصب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه السلام) يوم غدير خم و قال من كنت مولاه فعلي مولاه طار ذلك في البلاد فقدم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) النعمان بن الحرث الفهري فقال أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله و أنك رسول الله و أمرتنا بالجهاد و الحج و الصوم و الصلاة و الزكاة فقبلناها ثم لم ترض حتى نصبت هذا الغلام فقلت من كنت مولاه فعلي مولاه فهذا شيء منك أو أمر من عند الله فقال و الله الذي لا إله إلا هو أن هذا من الله فولى النعمان بن الحرث و هو يقول اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء فرماه الله بحجر على رأسه فقتله و أنزل الله تعالى «سأل سائل بعذاب واقع» و قوله «ليس له دافع من الله ذي المعارج» أي ليس لعذاب الله دافع من الله و قيل معناه بعذاب للكافرين واقع من الله أي وقوعه من الله و ذي المعارج صفة الله سبحانه و قيل فيه وجوه ( أحدها ) أن معناه ذي الفواضل العالية و الدرجات التي يعطيها للأنبياء و الأولياء في الجنة لأنه يعطيهم المنازل الرفيعة و الدرجات العلية و هو معنى قول قتادة و الجبائي ( و ثانيها ) أنها معارج السماء أي مواضع عروج الملائكة عن ابن عباس و مجاهد و قال الكلبي معناه ذي السماوات لأن الملائكة تعرج فيها ( و ثالثها ) أنه بمعنى ذي الملائكة أي مالك الملائكة التي تعرج إلى السماء و منه ليلة المعراج لأنه عرج بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى السماء فيها «تعرج الملائكة و الروح» أي تصعد الملائكة و يصعد الروح أيضا معهم و هو جبرائيل خصه بالذكر من بين الملائكة تشريفا له «إليه» أي إلى الموضع الذي لا يجري لأحد سواه فيه حكم جعل سبحانه عروجهم إلى ذلك الموضع عروجا إليه كقول إبراهيم (عليه السلام) إني ذاهب إلى ربي إلى الموضع الذي وعدني ربي «في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة» اختلف في معناه فقيل تعرج الملائكة إلى الموضع الذي يأمرهم الله به في يوم كان مقداره من عروج غيرهم خمسين ألف سنة و ذلك من أسفل الأرضين إلى فوق السماوات السبع و قوله في سورة السجدة في يوم كان مقداره ألف سنة هو لما بين السماء الدنيا و الأرض في الصعود و النزول خمسمائة سنة في الصعود و خمسمائة سنة في النزول عن مجاهد و المراد أن الآدميين لو احتاجوا إلى قطع هذا المقدار الذي قطعته الملائكة في يوم واحد لقطعوه في هذه المدة و قيل أنه يعني يوم القيامة و أنه يفعل فيه من الأمور و يقضي فيه من الأحكام بين العباد ما لو فعل في الدنيا لكان مقداره خمسين ألف سنة عن الجبائي و هو معنى قول قتادة و عكرمة و روى أبو

###

سعيد الخدري قال قيل يا رسول الله ما أطول هذا اليوم فقال و الذي نفس محمد بيده إنه ليخف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال لو ولي الحساب غير الله لمكثوا فيه خمسين ألف سنة من قبل أن يفرغوا و الله سبحانه يفرغ من ذلك في ساعة و عنه أيضا قال لا ينتصف ذلك اليوم حتى يقبل أهل الجنة في الجنة و أهل النار في النار و قيل معناه أن أول نزول الملائكة في الدنيا و أمره و نهيه و قضائه بين الخلائق إلى آخر عروجهم إلى السماء و هو القيامة هذه المدة فيكون مقدار الدنيا خمسين ألف سنة لا يدري كم مضى و كم بقي و إنما يعلمه الله عز و جل و قال الزجاج يجوز أن يكون قوله «في يوم» من صلة واقع فيكون المعنى سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة و ذلك العذاب يقع يوم القيامة «فاصبر» يا محمد على تكذيبهم إياك «صبرا جميلا» لا جزع فيه و لا شكوى على ما تقاسيه «إنهم يرونه بعيدا و نراه قريبا» أخبر سبحانه أنه يعلم مجيء يوم القيامة و حلول العقاب بالكفار قريبا و يظنه الكفار بعيدا لأنهم لا يعتقدون صحته و كل ما هو آت فهو قريب دان فالرؤية الأولى بمعنى الظن و الثانية بمعنى العلم ثم أخبر سبحانه أنه متى يقع العذاب بهم فقال «يوم تكون السماء كالمهل» أي كدردي الزيت عن ابن عباس و قيل كعكر القطران عن عطاء و قيل مثل الفضة إذا أذيبت عن الحسن و قيل مثل الصفر المذاب عن أبي مسلم «و تكون الجبال كالعهن» أي كالصوف المصبوغ و قيل كالصوف المنفوش عن مقاتل و قيل كالصوف الأحمر عن الحسن يعني إنها تلين بعد الشدة و تتفرق بعد الاجتماع قال الحسن إنها أولا تصير كئيبا مهيلا ثم تصير عهنا منفوشا ثم هباء منثورا «و لا يسأل حميم حميما» لشغل كل إنسان بنفسه عن غيره عن مجاهد و قيل لا يسأل حميم حميما أن يتحمل عنه من أوزاره ليأسه منه ذلك في الآخرة عن الحسن و قال الأخفش الحميم من يخصه الرجل مودة و شفقة من قريب الرحم و بعيدة و الحامة الخاصة و قيل معناه أنه لا يحتاج إلى سؤاله لأنه يكون لكل علامة يعرف بها فعلامة الكافرين سواد الوجوه و زرقة العيون و علامة المؤمنين نضارة اللون و بياض الوجوه.