۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الحاقة، آية ٧

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ٱلۡحَآقَّةُ ١ مَا ٱلۡحَآقَّةُ ٢ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡحَآقَّةُ ٣ كَذَّبَتۡ ثَمُودُ وَعَادُۢ بِٱلۡقَارِعَةِ ٤ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهۡلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ ٥ وَأَمَّا عَادٞ فَأُهۡلِكُواْ بِرِيحٖ صَرۡصَرٍ عَاتِيَةٖ ٦ سَخَّرَهَا عَلَيۡهِمۡ سَبۡعَ لَيَالٖ وَثَمَٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومٗاۖ فَتَرَى ٱلۡقَوۡمَ فِيهَا صَرۡعَىٰ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٍ خَاوِيَةٖ ٧ فَهَلۡ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٖ ٨ وَجَآءَ فِرۡعَوۡنُ وَمَن قَبۡلَهُۥ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتُ بِٱلۡخَاطِئَةِ ٩ فَعَصَوۡاْ رَسُولَ رَبِّهِمۡ فَأَخَذَهُمۡ أَخۡذَةٗ رَّابِيَةً ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ الحَْاقّةُ (1) مَا الحَْاقّةُ (2) وَ مَا أَدْرَاك مَا الحَْاقّةُ (3) كَذّبَت ثَمُودُ وَ عَادُ بِالْقَارِعَةِ (4) فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكوا بِالطاغِيَةِ (5) وَ أَمّا عَادٌ فَأُهْلِكوا بِرِيحٍ صرْصرٍ عَاتِيَةٍ (6) سخّرَهَا عَلَيهِمْ سبْعَ لَيَالٍ وَ ثَمَنِيَةَ أَيّامٍ حُسوماً فَترَى الْقَوْمَ فِيهَا صرْعَى كَأَنهُمْ أَعْجَازُ نخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ (8) وَ جَاءَ فِرْعَوْنُ وَ مَن قَبْلَهُ وَ الْمُؤْتَفِكَت بِالخَْاطِئَةِ (9) فَعَصوْا رَسولَ رَبهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رّابِيَةً (10)

القراءة

قرأ أهل البصرة و الكسائي و من قبله بكسر القاف و فتح الباء و الباقون «و من قبله» بفتح القاف و سكون الباء.

الحجة

قال سيبويه قبل لما ولي الشيء تقول ذهبت قبل السوق و لي قبلك حق أي فيما يليك و اتسع فيه حتى صار بمنزلة لي عليك حق و حجة من قرأ أنهم زعموا أن في قراءة أبي و جاء فرعون و من معه و هذا يقوي و من قبله لأن قبل لما ولي الشيء مما لم يتخلف عنه و هو يتبعه و يحف به و حجة من قال «و من قبله» أن معناه و من قبله من الأمم التي كفرت كما كفر هو.

اللغة

قال ابن الأنباري الحاقة الواجبة حق أي وجب يحق حقا و حقوقا فهو حاق و قال الفراء تقول العرب لما عرفت الحق مني هربت و الحقة و الحاقة بمعنى و قيل سميت القيامة الحاقة لأنها تحق الكفار من قولهم حاقته فحققته مثل خاصمته فخصمته و سميت القارعة لأنها تقرع قلوب العباد بالمخافة إلى أن يصير المؤمنون إلى الأمن و دريت الشيء دراية و درية علمته و أدريته أعلمته و الطاغية الطغيان مصدر مثل العافية و الصرصر الريح الشديدة الصوت و الحسوم المتوالية مأخوذ من حسم الداء بمتابعة الكي عليه فكأنه تتابع الشر عليهم حتى استأصلهم و قيل هو من القطع فكأنها حسمتهم حسوما أي أذهبتهم و أفنتهم و قطعت دابرهم و الخاوية الخالية التي لا شيء في أجوافها.

الإعراب

العامل في «الحاقة» أحد شيئين إما الابتداء و الخبر «ما الحاقة» كما تقول زيد ما زيد و إما أن يكون خبر مبتدإ محذوف أي هذه الحاقة ثم قيل أي شيء الحاقة تفخيما لشأنها و حسوما نصب على المصدر الموضوع موضع الصفة لثمانية أي تحسمهم حسوما و يجوز أن يكون جمع حاسم فيكون مثل راقد و رقود و ساجد و سجود و على هذا فيكون منصوبا على أنه صفة لثمانية أيضا و صرعى نصب على الحال و قوله «كأنهم أعجاز نخل خاوية» جملة في موضع الحال من صرعى أي صرعوا أمثال نخل خاوية و من مزيدة في قوله «من باقية».

المعنى

«الحاقة» اسم من أسماء القيامة في قول جميع المفسرين و سميت بذلك لأنها ذات الحواق من الأمور و هي الصادقة الواجبة الصدق لأن جميع أحكام القيامة واجبة

الوقوع صادقة الوجود «ما الحاقة» استفهام معناه التفخيم لحالها و التعظيم و لشأنها ثم زاد سبحانه في التهويل فقال «و ما أدراك ما الحاقة» أي كأنك لست تعلمها إذ لم تعاينها و لم تر ما فيها من الأهوال قال الثوري يقال للمعلوم ما أدراك و لما ليس بمعلوم ما يدريك في جميع القرآن و إنما قال لمن يعلمها ما أدراك لأنه إنما يعلمها بالصفة ثم أخبر سبحانه عن المكذبين بها فقال «كذبت ثمود و عاد بالقارعة» أي بيوم القيامة و إنما حسن أن توضع القارعة موضع الكناية لتذكر بهذه الصفة الهائلة بعد ذكرها بأنها الحاقة إلا فقد كان يكفي أن يقول كذبت ثمود و عاد بها ثم أخبر سبحانه عن كيفية إهلاكهم فقال «فأما ثمود» و هم قوم صالح «فأهلكوا بالطاغية» أي أهلكوا بطغيانهم و كفرهم عن ابن عباس و مجاهد و قيل معناه أهلكوا بالصيحة الطاغية و هي التي جاوزت المقدار حتى أهلكتهم عن قتادة و الجبائي و أبي مسلم و قال الزجاج أهلكوا بالرجفة الطاغية و قيل بالخصلة المتجاوزة لحال غيرها في الشدة التي أهلك الله بها أهل الفساد «و أما عاد فأهلكوا بريح صرصر» أي باردة عن ابن عباس و قتادة كأنه تصطك الأسنان بما يسمع من صوتها لشدة بردها و قيل الصرصر الشديدة العصوف المتجاوزة لحدها المعروف «عاتية» عتت على خزانها في شدة الهبوب روى الزهري عن قبيصة بن ذؤيب أنه قال ما يخرج من الريح شيء إلا عليها خزان يعلمون قدرها و عددها و كيلها حتى كانت التي أرسلت على عاد فاندفق منها فهم لا يعلمون قدر غضب الله فلذلك سميت عاتية «سخرها عليهم» أي سلطها الله و أرسلها عليهم «سبع ليال و ثمانية أيام» قال وهب و هي التي تسميها العرب أيام العجوز ذات برد و رياح شديدة و إنما نسبت هذه الأيام إلى العجوز لأن عجوزا دخلت سربا فتبعتها الريح فقتلتها اليوم الثامن من نزول العذاب فانقطع العذاب في اليوم الثامن و قيل سميت أيام العجوز لأنها في عجز الشتاء و لها أسامي مشهورة قالوا لليوم الأول صن و للثاني صنبر و الثالث وبر و للرابع مطفىء الجمر و للخامس مكفي الظعن و قيل للسادس الآمر و للسابع المؤتمر و الثامن المعلل و قال في ذلك شاعرهم:

{كسع الشتاء بسبعة غبر --- أيام شهلتنا مع الشهر} {فبأمر و أخيه مؤتمر --- و معلل و بمطفيء الجمر} {فإذا انقضت أيام شهلتنا --- بالصن و الصنبر و الوبر} {ذهب الشتاء موليا هربا --- و أتتك وافدة من النجر}

«حسوما» أي ولاء متتابعة ليست لها فترة عن ابن عباس و ابن مسعود و الحسن و مجاهد و قتادة كأنه تتابع عليهم الشر حتى استأصلهم و قيل دائمة عن الكلبي و مقاتل و قيل قاطعة قطعتهم قطعا حتى أهلكتهم عن الخليل و قيل مشائيم نكداء قليلة الخير حسمت الخير عن أهلها عن عطية «فترى القوم فيها» أي في تلك الأيام و الليالي «صرعى» أي مصروعين «كأنهم أعجاز نخل خاوية» أي أصول نخل بالية نخرة عن قتادة و قيل خاوية فارغة خالية الأجواف عن السدي و قيل ساقطة مثل قوله أعجاز نخل منقعر «فهل ترى لهم من باقية» أي من نفس باقية و قيل من بقاء و الباقية بمعنى المصدر مثل العافية و الطاغية و المعنى هل ترى لهم من بقية أي لم يبق منهم أحد «و جاء فرعون و من قبله» مر معناه «و المؤتفكات» أي و جاء أهل القرى المؤتفكات أي المنقلبات بأهلها عن قتادة و هي قرى قوم لوط يريد الأمم و الجماعات الذين ائتفكوا «بالخاطئة» أي بخطيئتهم التي هي الشرك و الكفر فالخاطئة مصدر كالخطأ و الخطيئة و قيل معناه بالأفعال الخاطئة أي بالنفس الخاطئة «فعصوا رسول ربهم» فيما أمرهم به و قيل إن المراد بالرسول الرسالة كما في قول الشاعر:

{لقد كذب الواشون ما بحت عندهم --- بسر و لا أرسلتهم برسول}

أي برسالة عن أبي مسلم و الأول أظهر «فأخذهم» الله العقوبة «أخذة رابية» أي زائدة في الشدة عن ابن عباس و قيل نامية زائدة على عذاب الأمم و قيل عالية مذكورة خارجة عن العادة.