۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة التغابن، آية ١٧

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ١٨

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١١ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٢ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٣ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوّٗا لَّكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ وَإِن تَعۡفُواْ وَتَصۡفَحُواْ وَتَغۡفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤ إِنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٥ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيۡرٗا لِّأَنفُسِكُمۡۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٦ إِن تُقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعِفۡهُ لَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ١٧ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

مَا أَصاب مِن مّصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللّهِ وَ مَن يُؤْمِن بِاللّهِ يهْدِ قَلْبَهُ وَ اللّهُ بِكلِّ شىْءٍ عَلِيمٌ (11) وَ أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرّسولَ فَإِن تَوَلّيْتُمْ فَإِنّمَا عَلى رَسولِنَا الْبَلَغُ الْمُبِينُ (12) اللّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَ عَلى اللّهِ فَلْيَتَوَكلِ الْمُؤْمِنُونَ (13) يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا إِنّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَ أَوْلَدِكمْ عَدُوّا لّكمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَ إِن تَعْفُوا وَ تَصفَحُوا وَ تَغْفِرُوا فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ (14) إِنّمَا أَمْوَلُكُمْ وَ أَوْلَدُكمْ فِتْنَةٌ وَ اللّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فَاتّقُوا اللّهَ مَا استَطعْتُمْ وَ اسمَعُوا وَ أَطِيعُوا وَ أَنفِقُوا خَيراً لأَنفُسِكمْ وَ مَن يُوقَ شحّ نَفْسِهِ فَأُولَئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) إِن تُقْرِضوا اللّهَ قَرْضاً حَسناً يُضعِفْهُ لَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللّهُ شكُورٌ حَلِيمٌ (17) عَلِمُ الْغَيْبِ وَ الشهَدَةِ الْعَزِيزُ الحَْكِيمُ (18)

القراءة

في الشواذ قراءة طلحة بن مصرف نهد قلبه بالنون و قراءة السلمي يهد قلبه بضم الياء و الباء على ما لم يسم فاعله و قراءة عكرمة و عمرو بن دينار يهدأ قلبه مهموزا و قراءة مالك بن دينار يهدا بالألف.

الحجة

من قرأ يهدأ مهموزا فمعناه يطمئن قلبه كما قال سبحانه و قلبه مطمئن بالإيمان و من قرأ بالألف فإنه لين الهمز تخفيفا.

النزول

نزل قوله «من أزواجكم و أولادكم عدوا لكم» في قوم أرادوا الهجرة فثبطهم نساؤهم و أولادهم عنها عن ابن عباس و مجاهد.

المعنى

ثم قال سبحانه «ما أصاب من مصيبة» أي ليس تصيبكم مصيبة «إلا بإذن الله» و المصيبة المضرة التي تلحق صاحبها كالرمية التي تصيبها و إنما عم ذلك سبحانه و إن كان في المصائب ما هو ظلم و هو سبحانه لا يأذن بالظلم لأنه ليس منها إلا ما أذن الله في وقوعه أو التمكن منه و ذلك إذن للملك الموكل به كأنه قيل لا يمنع من وقوع هذه المصيبة و قد يكون ذلك بفعل التمكين من الله فكأنه يأذن له بأن يكون و قيل معناه إلا بتخلية الله بينكم و بين من يريد فعلها عن البلخي و قيل أنه خاص فيما يفعله الله تعالى أو يأمر به و قيل معناه بعلم الله أي لا يصيبكم مصيبة إلا و الله عالم بها «و من يؤمن بالله» أي يصدق به و يرخي بقضائه «يهد قلبه» أي يهد الله قلبه حتى يعلم أن ما أصابه فبعلم الله فيصبر عليه و لا يجزع لينال الثواب و الأجر و قيل معناه و من يؤمن بتوحيد الله و يصبر لأمر الله يعني عند نزول المصيبة يهد قلبه للاسترجاع حتى يقول إنا لله و إنا إليه راجعون عن ابن عباس.

و قيل إن المعنى يهد

قلبه فإن ابتلي صبر و إن أعطي شكر و إن ظلم غفر عن مجاهد و قال بعضهم في معناه من يؤمن بالله عند النعمة فيعلم أنها فضل من الله يهد قلبه للشكر و من يؤمن بالله عند البلاء فيعلم أنه عدل من الله يهد قلبه للصبر و من يؤمن بالله عند نزول القضاء يهد قلبه للاستسلام و الرضاء «و الله بكل شيء عليم» فيجازي كل امرىء بما عمله «و أطيعوا الله» في جميع ما أمركم به «و أطيعوا الرسول» في جميع ما أتاكم به و دعاكم إليه و فيما أمركم به و نهاكم عنه «فإن توليتم» أي فإن أعرضتم عن القبول منه «فإنما على رسولنا البلاغ المبين» أي ليس عليه إلا تبليغ الرسالة و قد فعل و المراد ليس عليه قهركم على الرد إلى الحق و إنما عليه البلاغ الظاهر البين فحذف للإيجاز و الاختصار «الله لا إله إلا هو» و لا تحق العبادة إلا له «و على الله فليتوكل المؤمنون» و التوكل تفويض الأمور إليه و الرضاء بتقديره و الثقة بتدبيره و قد أمر الله عباده بذلك فينبغي لهم أن يستشعروا ذلك في سائر أحوالهم «يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم و أولادكم عدوا لكم فاحذروهم» يعني أن بعضهم بهذه الصفة و لذلك أتى بلفظة من و هي للتبعيض يقول أن من هؤلاء من هو عدو لكم في الدين فاحذروهم أن تطيعوهم و قيل إنه سبحانه إنما قال ذلك لأن من الأزواج من يتمنى موت الزوج و من الأولاد من يتمنى موت الوالد ليرث ماله و ما من عدو أعدى ممن يتمنى موت غيره ليأخذ ماله و كذلك يكون من يحملك على معصية الله لمنفعة نفسه و لا عدو أشد عداوة ممن يختار ضررك لمنفعته قال عطاء يعني قوما أرادوا الغزو فمنعهم هؤلاء و قال مجاهد يريد قوما أرادوا طاعة الله فمنعوهم «و إن تعفوا» أي تتركوا عقابهم «و تصفحوا و تغفروا» أي تتجاوزوا عنهم و تستروا ما سبق منهم إن عادوا إلى الحالة الجميلة و ذلك أن الرجل من هؤلاء إذا هاجر و رأى الناس قد سبقوه بالهجرة و فقهوا في الدين هم أن يعاقب زوجته و ولده الذين ثبطوه عن الهجرة و أن يلحقوا به في دار الهجرة لم ينفق عليهم فأمر سبحانه بالعفو و الصفح «فإن الله غفور رحيم» يغفر لكم ذنوبكم و يرحمكم و قيل هو عام أي إن تعفوا و تصفحوا عمن ظلمكم فإن الله يغفر بذلك كثيرا من ذنوبكم عن الجبائي «إنما أموالكم و أولادكم فتنة» أي محنة و ابتلاء و شدة للتكليف عليكم و شغل عن أمر الآخرة فإن الإنسان بسبب المال و الولد يقع في الجرائم عن ابن مسعود قال لا يقولن أحدكم اللهم إني أعوذ بك من الفتنة فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى مال و أهل و ولد إلا و هو مشتمل على فتنة و لكن ليقل اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن.

و روى عبد الله بن بريدة عن أبيه قال كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب فجاء الحسن و الحسين (عليهما السلام) و عليهما قميصان أحمران يمشيان و يعثران فنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهما فأخذهما فوضعهما في حجره على المنبر و قال صدق الله عز و جل «إنما أموالكم و أولادكم فتنة»

نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان و يعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي و رفعتهما ثم أخذ في خطبته «و الله عنده أجر عظيم» أي ثواب جزيل و هو الجنة يعني فلا تعصوه بسبب الأموال و الأولاد و لا تؤثروهم على ما عند الله من الأجر و الذخر «فاتقوا الله ما استطعتم» أي ما أطقتم و الاتقاء الامتناع من الردى باجتناب ما يدعو إليه الهوى و لا تنافي بين هذا و بين قوله «اتقوا الله حق تقاته» لأن كل واحد منهما إلزام لترك جميع المعاصي فمن فعل ذلك فقد اتقى عقاب الله لأن من لم يفعل قبيحا و لا أخل بواجب فلا عقاب عليه إلا أن في أحد الكلامين تبيينا أن التكليف لا يلزم العبد إلا فيما يطيق و كل أمر أمر الله به فلا بد أن يكون مشروطا بالاستطاعة و قال قتادة قوله «فاتقوا الله ما استطعتم» ناسخ لقوله «اتقوا الله حق تقاته» و كأنه يذهب إلى أن فيه رخصة لحال التقية و ما جرى مجراها مما يعظم فيه المشقة و إن كانت القدرة حاصلة معه و قال غيره ليس هذا بناسخ و إنما هو مبين لإمكان العمل بهما جميعا و هو الصحيح «و اسمعوا» من الرسول ما يتلو عليكم و ما يعظكم به و يأمركم و ينهاكم «و أطيعوا» الله و الرسول «و أنفقوا» من أموالكم في حق الله «خيرا لأنفسكم» مثله فآمنوا خيرا لكم و انتهوا خيرا لكم و قد مضى ذكر ذلك و قال الزجاج معناه قدموا خيرا لأنفسكم من أموالكم «و من يوق شح نفسه» حتى يعطي حق الله من ماله «فأولئك هم المفلحون» أي المنجحون الفائزون بثواب الله و قال الصادق (عليه السلام) من أدى الزكاة فقد وقى شح نفسه «إن تقرضوا الله قرضا حسنا» قد مضى معناه و إطلاق اسم القرض هنا تلطف في الاستدعاء إلى الإنفاق «يضاعفه لكم» أي يعطي بدله أضعاف ذلك من واحد إلى سبعمائة إلى ما لا يتناهى فإن ثواب الصدقة يدوم «و يغفر لكم» ذنوبكم «و الله شكور» أي مثيب مجاز على الشكر «حليم» لا يعاجل العباد بالعقوبة و هذا غاية الكرم «عالم الغيب و الشهادة» أي السر و العلانية و قيل المعدوم و الموجود و قيل غير المحسوس و المحسوس «العزيز» القادر «الحكيم» العالم و قيل المحكم لأفعاله.