۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الصف، آية ١١

التفسير يعرض الآيات ١٠ إلى ١٤

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَٰرَةٖ تُنجِيكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ١٠ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١١ يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَيُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢ وَأُخۡرَىٰ تُحِبُّونَهَاۖ نَصۡرٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتۡحٞ قَرِيبٞۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٣ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوٓاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ لِلۡحَوَارِيِّـۧنَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِۖ فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٞۖ فَأَيَّدۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمۡ فَأَصۡبَحُواْ ظَٰهِرِينَ ١٤

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا هَلْ أَدُلّكمْ عَلى تجَرَةٍ تُنجِيكم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَ رَسولِهِ وَ تجَهِدُونَ فى سبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَلِكمْ وَ أَنفُسِكُمْ ذَلِكمْ خَيرٌ لّكمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكمْ ذُنُوبَكمْ وَ يُدْخِلْكمْ جَنّتٍ تجْرِى مِن تحْتهَا الأَنهَرُ وَ مَسكِنَ طيِّبَةً فى جَنّتِ عَدْنٍ ذَلِك الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَ أُخْرَى تحِبّونهَا نَصرٌ مِّنَ اللّهِ وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ وَ بَشرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا أَنصارَ اللّهِ كَمَا قَالَ عِيسى ابْنُ مَرْيمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصارِى إِلى اللّهِ قَالَ الحَْوَارِيّونَ نحْنُ أَنصارُ اللّهِ فَئَامَنَت طائفَةٌ مِّن بَنى إِسرءِيلَ وَ كَفَرَت طائفَةٌ فَأَيّدْنَا الّذِينَ ءَامَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصبَحُوا ظهِرِينَ (14)

القراءة

قرأ ابن عامر تنجيكم بالتشديد و الباقون «تنجيكم» بالتخفيف و قرأ أهل الحجاز و أبو عمرو أنصارا بالتنوين لله بغير ألف و الباقون «أنصار الله» بالإضافة إلى الله.

الحجة

قال أبو علي حجة من قرأ تنجيكم بالتشديد قوله و نجينا هودا و الذين آمنوا و حجة التخفيف فأنجاه الله من النار.

اللغة

التجارة طلب الربح في شراء المتاع و استعير هنا لطلب الربح في أعمال الطاعة و الجهاد مقاتلة العدو.

الإعراب

إنما جاز تؤمنون بالله مع أنه محمول على تجارة و خبر عنها و لا يصح أن يقال للتجارة تؤمنون و إنما يقال و أن تؤمنوا بالله لأنه جاء على طريق ما يدل على خبر التجارة لا على نفس الخبر إذ الفعل يدل على مصدره و إنما انعقاده بالتجارة في المعنى لا في اللفظ و في ذلك توطئة لما يبنى على المعنى في الإيجاز و العرب تقول هل لك في خير تقوم إلى فلان فتعوده و أن تقوم إليه و قوله «يغفر لكم ذنوبكم» في كونه مجزوما وجهان

( أحدهما ) أنه جواب هل أدلكم و هو قول الفراء و أنكره أصحابنا البصريون و قالوا إن الدلالة على التجارة لا توجب المغفرة ( و الآخر ) أنه محمول على المعنى لأن قوله «تؤمنون بالله» معناه آمنوا بالله و رسوله و جاهدوا في سبيله و هو أمر جاء على لفظ الخبر و يدل على ذلك قراءة عبد الله بن مسعود آمنوا بالله و جاهدوا و لا يمتنع أن يأتي الأمر بلفظ الخبر كما أتى الخبر بلفظ الأمر في قوله فليمدد له الرحمن مدا المعنى فمد له الرحمن مدا لأن القديم تعالى لا يأمر نفسه و مثل ذلك أسمع بهم و أبصر لفظه أمر و معناه خبر و يجوز أن يكون قوله «تؤمنون» مرفوعا بسقوط أن و الموصول و الصلة في موضع جر على البدل من تجارة و تقديره هل أدلكم على تجارة إيمان بالله و قوله «و أخرى» في موضع جر بأنها صفة لموصوف محذوف مجرور بالعطف على تجارة تقديره و على تجارة أخرى محبوبة و قال الزجاج تقديره و لكم تجارة أخرى فعلى هذا يكون أخرى صفة موصوف محذوف مرفوع بالابتداء و تحبونها صفة بعد صفة و نصر خبر مبتدإ محذوف تقديره هي نصر من الله.

«من أنصاري إلى الله» إلى هاهنا بمعنى مع أي مع الله.

المعنى

لما تقدم ذكر الرسول عقبه سبحانه بذكر الدعاء إلى قبول قوله و نصرته و العمل بشريعته فقال «يا أيها الذين آمنوا» و هو خطاب للمؤمنين على العموم و قيل هو خطاب لمن تقدم ذكرهم في أول السورة «هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم» صورته صورة العرض و المراد به الأمر على سبيل التلطف في الاستدعاء إلى الإخلاص في الطاعة و المعنى هل ترغبون في تجارة منجية من العذاب الأليم و هو الإيمان بالله و رسوله و الجهاد في سبيل الله بالمال و النفس و ذلك قوله «تؤمنون بالله و رسوله و تجاهدون في سبيل الله بأموالكم و أنفسكم» و إنما أنزل هذا لما قالوا لو نعلم أي الأعمال أفضل و أحب إلى الله لعملناه فجعل الله سبحانه ذلك العمل بمنزلة التجارة لأنهم يربحون فيها رضى الله و الفوز بالثواب و النجاة من العقاب «ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون» أي ما وصفته و ذكرته لكم أنفع لكم و خير عاقبة لو علمتم ذلك و اعترفتم بصحته و قيل إن معناه إن التجارة التي دللتكم عليها خير لكم من التجارة التي أنتم مشتغلون بها لأنها تؤدي إلى ربح لا يزول و لا يبيد و هذه تؤدي إلى ربح يزول و يبيد إن كنتم تعلمون مضار الأشياء و منافعها يغفر لكم ذنوبكم فإنكم إن علمتم بذلك «يغفر لكم ذنوبكم و يدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار و مساكن طيبة» أي مواضع تسكنونها مستلذة مستطابة «في جنات عدن» أي إقامة لا تبغون عنها حولا «ذلك الفوز العظيم» لا ما يعده الناس فوزا من طول البقاء و ولاية الدنيا و سأل الحسن عمران بن الحصين و أبا هريرة عن تفسير قوله «و مساكن طيبة في جنات عدن» فقالا على الخبير سقطت

سألنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك فقال قصر من لؤلؤ في الجنة في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء في كل بيت سبعون سريرا على كل سرير سبعون فراشا من كل لون على كل فراش امرأة من الحور العين في كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لونا من الطعام في كل بيت سبعون وصيفا و وصيفة قال و يعطي الله المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك كله ثم قال سبحانه «و أخرى تحبونها» أي و تجارة أخرى أو خصلة أخرى تحبونها عاجلا مع ثواب الآجل و هذا من الله تعالى زيادة ترغيب إذ علم سبحانه أن فيهم من يحاول عاجل النصر إما رغبة في الدنيا و إما تأييدا للدين فوعدهم ذلك بأن قال «نصر من الله و فتح قريب» أي تلك الخصلة أو تلك التجارة نصر من الله لكم على أعدائكم و فتح قريب لبلادهم يعني النصر على قريش و فتح مكة عن الكلبي و قيل يريد فتح فارس و الروم و سائر فتوح الإسلام على العموم عن عطاء و قريب معناه قريب كونه و قيل قريب منكم يقرب الرجوع منه إلى أوطانكم «و بشر المؤمنين» أي بشرهم بهذين الثوابين عاجلا و آجلا على الجهاد و هو النصر في الدنيا و الجنة في العقبي ثم حض سبحانه المؤمنين على نصرة دينه فقال «يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله» أي أنصار دينه و أعوان نبيه و إنما أضاف إلى نفسه كما يقال للكعبة بيت الله و قيل حمزة بن عبد المطلب أسد الله و المعنى دوموا على ما أنتم عليه من النصرة «كما قال عيسى بن مريم» أي مثل قول عيسى بن مريم «للحواريين» و هم خاصة الأنبياء و سموا بذلك لأنهم أخلصوا من كل عيب عن الزجاج و قيل سموا بذلك لبياض ثيابهم و قيل لأنهم كانوا قصارين «من أنصاري إلى الله» و المعنى قل يا محمد إني أدعوكم إلى هذا الأمر كما دعا عيسى قومه فقال من أنصاري مع الله ينصرني مع نصرة الله إياي و قيل إلى الله أي فيما يقرب إلى الله كما يقال اللهم منك و إليك «قال الحواريون نحن أنصار الله» أي أنصار دين الله و أولياء الله و قيل إنهم إنما سموا نصارى لقولهم نحن أنصار الله «فآمنت طائفة من بني إسرائيل» أي صدقت بعيسى «و كفرت طائفة» أخرى به قال ابن عباس يعني في زمن عيسى (عليه السلام) و ذلك أنه لما رفع تفرق قومه ثلاث فرق فرقة قالت كان الله فارتفع و فرقة قالت كان ابن الله فرفعه إليه و فرقة قالوا كان عبد الله و رسوله فرفعه إليه و هم المؤمنون و اتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس فاقتتلوا و ظهرت الفرقتان الكافرتان على المؤمنين حتى بعث محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرين و ذلك قوله «فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين» أي عالين غالبين و قيل معناه أصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن عيسى كلمة الله و روحه عن إبراهيم و قيل بل أيدوا في زمانهم على من كفر بعيسى عن مجاهد و قيل

معناه فآمنت طائفة من بني إسرائيل بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و كفرت طائفة به فأصبحوا قاهرين لعدوهم بالحجة و القهر و الغلبة و بالله التوفيق.