۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الممتحنة، آية ٤

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١ إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ ٢ لَن تَنفَعَكُمۡ أَرۡحَامُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡۚ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَفۡصِلُ بَيۡنَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٣ قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۖ رَّبَّنَا عَلَيۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٤ رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتّخِذُوا عَدُوِّى وَ عَدُوّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِم بِالْمَوَدّةِ وَ قَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يخْرِجُونَ الرّسولَ وَ إِيّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَداً فى سبِيلى وَ ابْتِغَاءَ مَرْضاتى تُسِرّونَ إِلَيهِم بِالْمَوَدّةِ وَ أَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَ مَا أَعْلَنتُمْ وَ مَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضلّ سوَاءَ السبِيلِ (1) إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَ يَبْسطوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيهُمْ وَ أَلْسِنَتهُم بِالسوءِ وَ وَدّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكمْ وَ لا أَوْلَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3) قَدْ كانَت لَكُمْ أُسوَةٌ حَسنَةٌ فى إِبْرَهِيمَ وَ الّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمهِمْ إِنّا بُرَءؤُا مِنكُمْ وَ مِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ كَفَرْنَا بِكمْ وَ بَدَا بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَ الْبَغْضاءُ أَبَداً حَتى تُؤْمِنُوا بِاللّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَهِيمَ لأَبِيهِ لأَستَغْفِرَنّ لَك وَ مَا أَمْلِك لَك مِنَ اللّهِ مِن شىْءٍ رّبّنَا عَلَيْك تَوَكلْنَا وَ إِلَيْك أَنَبْنَا وَ إِلَيْك الْمَصِيرُ (4) رَبّنَا لا تجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلّذِينَ كَفَرُوا وَ اغْفِرْ لَنَا رَبّنَا إِنّك أَنت الْعَزِيزُ الحَْكِيمُ (5)

القراءة

قرأ أهل الحجاز و أبو عمرو يفصل بينكم بضم الياء و فتح الصاد على التخفيف و قرأ أهل الكوفة غير عاصم يفصل بضم الياء و كسر الصاد مشددا و قرأ عاصم و يعقوب و سهل «يفصل» بفتح الياء و كسر الصاد مخففا و قرأ ابن عامر يفصل بضم الياء و فتح الصاد مشددا و في الشواذ قراءة عيسى بن عمرو إنا براء منكم على مثال فعال.

الحجة

قال أبو علي ذهب أبو الحسن في هذا النحو " إلى " أن الظرف أقيم مقام الفاعل و ترك على الفتح الذي كان يجري عليه في الكلام لجريه في أكثر الكلام منصوبا و كذلك تقول في قوله «و أنا منا الصالحون و منا دون ذلك» و كذلك يجيء قياس قوله لقد تقطع بينكم فاللفظ على قوله مفتوح و الموضع رفع كما كان اللفظ في قوله و كفى بالله و ما جاءني من رجل مجرورا و الموضع رفع و القول في قراءة ابن عامر يفصل مثل القول في يفصل و قول عاصم «يفصل» حسن و الضمير يرجع إلى اسم الله تعالى و دل عليه قوله «و أنا أعلم بما أخفيتم و ما أعلنتم» و كذلك قول من قرأ يفصل و بريء في تكسيره أربعة أوجه برآء كالشريف و الشرفاء و هو قراءة الجماعة و براء نحو ظريف و ظراف و أبرياء كصديق و أصدقاء و براء كتؤام و رباب

و عليه بيت الحارث بن حلزة:

فإنا من قتلهم لبراء قال الفراء أراد به برءاء فحذف الهمزة التي هي لام تخفيفا و أخذ هذا الموضع من أبي الحسن في قوله إن أشياء أصله أشيئاء و هذا المذهب يوجب ترك صرف براء لأنها همزة التأنيث.

الإعراب

ذهب الزجاج إلى أن التقدير إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي فلا تتخذوا عدوي و عدوكم أولياء و قيل إن الكلام قد تم عند قوله «أولياء» ثم قال «تلقون إليهم» على تقدير أ تلقون فحذف الهمزة كقوله و تلك نعمة تمنها علي و تقديره أ و تلك نعمة و قيل إن قوله «تلقون إليهم بالمودة» في موضع النصب على الحال من الضمير في لا تتخذوا و الباء مزيدة و التقدير تلقون إليهم المودة كما قال الشاعر:

{فلما رجت بالشرب هز لها العصا --- شحيح له عند الإزاء نهيم}

أي رجت الشرب و يجوز أن يكون مفعول تلقون محذوفا و الباء تتعلق به أي تلقون إليهم ما تريدون بالمودة التي بينكم و بينهم و قد كفروا جملة في موضع نصب على الحال من العدو أو من الهاء و الميم في قوله «تلقون إليهم» و إياكم منصوب بالعطف على الرسول «إن كنتم خرجتم» جواب الشرط محذوف لدلالة ما تقدمه من الكلام عليه أي إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي فلا تتخذوا عدوي و عدوكم أولياء و جهادا مفعول له أي للجهاد و يجوز أن يكون مصدرا وضع موضع الحال و ابتغاء مرضاتي معطوف عليه على الوجهين و التقدير للحال خرجتم مجاهدين في سبيلي مبتغين مرضاتي.

وحده يجوز أن يكون مصدرا محذوف الزوائد و التقدير توحدونه توحيدا أو توحدونه إيحادا فيكون مصدرا وضع موضع الحال و يجوز أن يكون مصدر فعل ثلاثي تقديره يحد وحدة و التقدير حتى تؤمنوا بالله واحدا.

«إلا قول إبراهيم» منصوب على الاستثناء و المستثنى منه الضمير المستكن فيما يتعلق به اللام في قوله «قد كانت لكم أسوة حسنة» و التقدير ثبتت لكم في إبراهيم إلا في قوله «لأستغفرن لك».

###

النزول

نزلت في حاطب بن أبي بلتعة و ذلك أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هشام أتت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من مكة إلى المدينة بعد بدر بسنتين فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أ مسلمة جئت قالت لا قال أ مهاجرة جئت قالت لا قال فما جاء بك قالت كنتم الأصل و العشيرة و الموالي و قد ذهب موالي و احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني و تكسوني

و تحملوني قال فأين أنت من شبان مكة و كانت مغنية نائحة قالت ما طلب مني بعد وقعة بدر فحث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليها بني عبد المطلب فكسوها و حملوها و أعطوها نفقة و كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتجهز لفتح مكة فأتاها حاطب بن أبي بلتعة و كتب معها كتابا إلى أهل مكة و أعطاها عشرة دنانير عن ابن عباس و عشرة دراهم عن مقاتل بن حيان و كساها بردا على أن توصل الكتاب إلى أهل مكة و كتب في الكتاب: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يريدكم فخذوا حذركم فخرجت سارة و نزل جبرائيل فأخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما فعل فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا و عمارا و عمر و الزبير و طلحة و المقداد بن الأسود و أبا مرثد و كانوا كلهم فرسانا و قال لهم انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى المشركين فخذوه منها فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان الذي ذكره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا لها أين الكتاب فحلفت بالله ما معها من كتاب فنحوها و فتشوا متاعها فلم يجدوا معها كتابا فهموا بالرجوع فقال علي (عليه السلام) و الله ما كذبنا و لا كذبنا و سل سيفه و قال لها أخرجي الكتاب و إلا و الله لأضربن عنقك فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها قد أخبأته في شعرها فرجعوا بالكتاب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأرسل إلى حاطب فأتاه فقال له هل تعرف الكتاب قال نعم قال فما حملك على ما صنعت قال يا رسول الله و الله ما كفرت منذ أسلمت و لا غششتك منذ نصحتك و لا أحببتهم منذ فارقتهم و لكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا و له بمكة من يمنع عشيرته و كنت عريرا فيهم أي غريبا و كان أهلي بين ظهرانيهم فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يدا و قد علمت أن الله ينزل بهم بأسه و أن كتابي لا يغني عنهم شيئا فصدقه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و عذره فقام عمر بن الخطاب و قال دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و ما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فغفر لهم فقال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم و روى البخاري و مسلم في صحيحيهما عن عبد الله بن أبي رافع قال سمعت عليا (عليه السلام) يقول بعثنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنا و المقداد و الزبير و قال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخرجنا و ذكر نحوه.

المعنى

«يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي و عدوكم أولياء» خاطب سبحانه المؤمنين و نهاهم أن يتخذوا الكافرين أولياء يوالونهم و يستنصرون بهم و ينصرونهم «تلقون إليهم بالمودة» أي تلقون إليهم المودة و تبذلون لهم النصيحة يقال ألقيت إليك بسري و قيل معناه تلقون إليهم أخبار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمودة التي بينكم و بينهم عن الزجاج «و قد كفروا بما جاءكم من الحق» و هو القرآن و الإسلام «يخرجون الرسول و إياكم» من مكة «أن تؤمنوا بالله ربكم» أي لأن تؤمنوا أو كراهة أن تؤمنوا فكأنه قال يفعلون ذلك لإيمانكم بالله

ربكم الذي خلقكم «إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي و ابتغاء مرضاتي» و المعنى أن كان غرضكم في خروجكم و هجرتكم الجهاد و طلب رضاي فأوفوا خروجكم حقه من معاداتهم و لا تلقوا إليهم بالمودة و لا تتخذوهم أولياء «تسرون إليهم بالمودة» أي تعلمونهم في السر أن بينكم و بينهم مودة و قيل الباء للتعليل أي تعلمونهم بأحوال الرسول في السر بالمودة التي بينكم و بينهم فعل من يظن أنه يخفى علي ما يفعله «و أنا أعلم بما أخفيتم و ما أعلنتم» لا يخفى علي شيء من ذلك فأطلع رسولي عليه «و من يفعله منكم» أي و من أسر إليهم بالمودة و ألقى إليهم أخبار رسولي منكم يا جماعة المؤمنين بعد هذا البيان «فقد ضل سواء السبيل» أي عدل عن طريق الحق و جار عن سبيل الرشد و في هذه الآية دلالة على أن الكبيرة لا تخرج عن الإيمان لأن أحد من المسلمين لا يقول إن حاطبا قد خرج من الإيمان بما فعله من الكبيرة الموبقة «إن يثقفوكم» يعني أن هؤلاء الكفار أن يصادفوكم مقهورين و يظفروا بكم «يكونوا لكم أعداء و يبسطوا إليكم أيديهم و ألسنتهم بالسوء» أي يمدوا إليكم أيديهم بالضرب و القتل و يبسطوا إليكم ألسنتهم بالشتم و المعنى أنهم يعادونكم و لا ينفعكم ما تلقون إليهم و لا يتركون غاية في إلحاق السوء بكم باليد و اللسان «و ودوا» مع ذلك «لو تكفرون» بالله كما كفروا و ترجعون عن دينكم «لن تنفعكم أرحامكم» أي ذوو أرحامكم و المعنى قراباتكم «و لا أولادكم» أي لا يحملنكم قراباتكم و لا أولادكم التي بمكة على خيانة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و المؤمنين فلن ينفعكم أولئك الذين عصيتم الله لأجلهم «يوم القيامة يفصل» الله «بينكم» فيدخل أهل الإيمان و الطاعة الجنة و أهل الكفر و المعصية النار و يميز بعضكم من بعض ذلك اليوم فلا يرى القريب المؤمن في الجنة قريبه الكافر في النار و قيل معناه يقضي بينكم من فصل القضاء «و الله بما تعملون بصير» أي عليم بأعمالكم علم الله سبحانه بما عمله حاطب من مكاتبة أهل مكة حتى أخبر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك ثم ضرب سبحانه لهم إبراهيم مثلا في ترك موالاة الكفار فقال «قد كانت لكم أسوة حسنة» أي اقتداء حسن «في إبراهيم» خليل الله «و الذين معه» ممن آمن به و اتبعه و قيل الذين معه من الأنبياء عن ابن زيد «إذ قالوا لقومهم» الكفار «إنا برءآؤا منكم» فلا نواليكم «و مما تعبدون من دون الله» أي و براء من الأصنام التي تعبدونها و يجوز أن يكون ما مصدرية فيكون المعنى و من عبادتكم الأصنام «كفرنا بكم» أي يقولون لهم جحدنا دينكم و أنكرنا معبودكم «و بدا بيننا و بينكم العداوة و البغضاء أبدا» فلا يكون بيننا موالاة في الدين «حتى تؤمنوا بالله وحده» أي تصدقوا بوحدانية الله و إخلاص التوحيد و العبادة له قال الفراء يقول الله تعالى أ فلا تأتسي يا حاطب بإبراهيم و قومه فتبرأ من أهلك كما تبرؤا منهم أي من قومهم الكفار «إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك» أي اقتدوا بإبراهيم في كل أموره

إلا في هذا القول فلا تقتدوا به فيه فإنه (عليه السلام) إنما استغفر لأبيه عن موعدة وعدها إياه بالإيمان فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه قال الحسن و إنما تبين له ذلك عند موت أبيه و لو لم يستثن ذلك لظن أنه يجوز الاستغفار للكفار مطلقا من غير موعدة بالإيمان منهم فنهوا أن يقتدوا به في هذا خاصة عن مجاهد و قتادة و ابن زيد و قيل كان آزر ينافق إبراهيم و يريه أنه مسلم و يعده إظهار الإسلام فيستغفر له عن الحسن و الجبائي ثم قال «و ما أملك لك من الله من شيء» إذا أراد عقابك و لا يمكنني دفع ذلك عنك «ربنا عليك توكلنا» أي و كانوا يقولون ذلك «و إليك أنبنا» أي إلى طاعتك رجعنا «و إليك المصير» أي إلى حكمك المرجع و هذه حكاية لقول إبراهيم و قومه و يحتمل أن يكون تعليما لعباده أن يقولوا ذلك فيفوضوا أمورهم إليه و يرجعون إليه بالتوبة «ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا» معناه لا تعذبنا بأيديهم و لا ببلاء من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء على حق لما أصابهم هذا البلاء عن مجاهد و قيل معناه و لا تسلطهم علينا فيفتنونا عن دينك و قيل معناه الطف بنا حتى نصبر على أذاهم و لا نتبعهم فنصير فتنة لهم و قيل معناه أعصمنا من موالاة الكفار فإنا إذا واليناهم ظنوا أنا صوبناهم و قيل معناه لا تخذلنا إذا حاربناهم فلو خذلتنا لقالوا لو كان هؤلاء على الحق لما خذلوا «و اغفر لنا ربنا» ذنوبنا «إنك أنت العزيز» الذي لا يغالب و «الحكيم» الذي لا يفعل إلا الحكمة و الصواب و في هذا تعليم للمسلمين أن يدعو بهذا الدعاء.