۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة المجادلة، آية ٢٠

التفسير يعرض الآيات ١٦ إلى ٢٢

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٦ لَّن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١٧ يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيَحۡلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍۚ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٨ ٱسۡتَحۡوَذَ عَلَيۡهِمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمۡ ذِكۡرَ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱلشَّيۡطَٰنِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٩ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡأَذَلِّينَ ٢٠ كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢١ لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ وَيُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱللَّهِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٢٢

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

اتخَذُوا أَيْمَنهُمْ جُنّةً فَصدّوا عَن سبِيلِ اللّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مّهِينٌ (16) لّن تُغْنىَ عَنهُمْ أَمْوَلهُُمْ وَ لا أَوْلَدُهُم مِّنَ اللّهِ شيْئاً أُولَئك أَصحَب النّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (17) يَوْمَ يَبْعَثهُمُ اللّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يحْلِفُونَ لَكمْ وَ يحْسبُونَ أَنهُمْ عَلى شىْءٍ أَلا إِنهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ (18) استَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشيْطنُ فَأَنساهُمْ ذِكْرَ اللّهِ أُولَئك حِزْب الشيْطنِ أَلا إِنّ حِزْب الشيْطنِ هُمُ الخَْسِرُونَ (19) إِنّ الّذِينَ يحَادّونَ اللّهَ وَ رَسولَهُ أُولَئك فى الأَذَلِّينَ (20) كتَب اللّهُ لأَغْلِبنّ أَنَا وَ رُسلى إِنّ اللّهَ قَوِىّ عَزِيزٌ (21) لا تجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَ الْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَادّونَ مَنْ حَادّ اللّهَ وَ رَسولَهُ وَ لَوْ كانُوا ءَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتهُمْ أُولَئك كتَب فى قُلُوبهِمُ الايمَنَ وَ أَيّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَ يُدْخِلُهُمْ جَنّتٍ تجْرِى مِن تحْتهَا الأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا رَضىَ اللّهُ عَنهُمْ وَ رَضوا عَنْهُ أُولَئك حِزْب اللّهِ أَلا إِنّ حِزْب اللّهِ هُمُ المُْفْلِحُونَ (22)

القراءة

قرأ محمد بن حبيب الشموني عن الأعشى عن أبي بكر أو عشيراتهم على الجمع و الباقون «أو عشيرتهم» على التوحيد و في الشواذ قراءة الحسن اتخذوا إيمانهم بكسر الهمزة و رواية بعضهم عن عاصم كتب بضم الكاف في قلوبهم الإيمان بالرفع.

الحجة

من قرأ إيمانهم حذف المضاف أي اتخذوا إظهار إيمانهم جنة و من قرأ كتب في قلوبهم الإيمان فهو على حذف المضاف أيضا أي كتب في قلوبهم علامة الإيمان

و من أسند الفعل إلى الفاعل فلتقدم ذكر الاسم على ذلك و يدل عليه قوله «و أيدهم بروح منه».

اللغة

الجنة السترة التي تقي البلية و أصله الستر و منه المجن الترس و الاستحواذ الاستيلاء على الشيء بالاقتطاع له و أصله من حاذه يحوذه حوذا مثل حازه يحوزه حوزا.

المعنى

ثم ذكر سبحانه تمام الخبر عن المنافقين فقال «اتخذوا أيمانهم» التي يحلفون بها «جنة» أي سترة و ترسا يدفعون بها عن نفوسهم التهمة و الظنة إذا ظهرت منهم الريبة «فصدوا» نفوسهم و غيرهم «عن سبيل الله» الذي هو الحق و الهدى «فلهم عذاب مهين» يهينهم و يذلهم و يخزيهم «لن تغني عنهم أموالهم» التي جمعوها «و لا أولادهم» الذين خلفوهم «من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون» ظاهر المعنى «يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له» أي يقسمون لله «كما يحلفون لكم» في دار الدنيا بأنهم كانوا مؤمنين في الدنيا في اعتقادهم و ظنهم لأنهم كانوا يعتقدون أن ما هم عليه هو الحق «و يحسبون أنهم على شيء» أي و يحسب المنافقون في الدنيا أنهم مهتدون لأن في الآخرة تزول الشكوك و قال الحسن في القيامة مواطن فموطن يعرفون فيه قبح الكذب ضرورة فيتركونه و موطن يكونون فيه كالمدهوش فيتكلمون بكلام الصبيان الكذب و غير الكذب و يحسبون أنهم على شيء في ذلك الموضع الذي يحلفون فيه بالكذب «ألا إنهم هم الكاذبون» في أيمانهم و أقوالهم في الدنيا و قيل معناه أولئك هم الخائبون كما يقال كذب ظنه أي خاب أمله «استحوذ عليهم الشيطان» أي استولى عليهم و غلب عليهم لشدة اتباعهم إياه «فأنساهم ذكر الله» حتى لا يخافون الله و لا يذكرونه «أولئك حزب الشيطان» أي جنوده «ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون» يخسرون الجنة و يحصل لهم بدلها النار «إن الذين يحادون الله و رسوله» أي يخالفونه في حدوده و يشاقونه و هم المنافقون «أولئك في الأذلين» فلا أحد أذل منهم في الدنيا و لا في الآخرة قال عطاء يريد الذل في الدنيا و الخزي في الآخرة «كتب الله لأغلبن أنا و رسلي» أي كتب الله في اللوح المحفوظ و ما كتبه فلا بد من أن يكون أجري قوله «كتب الله» مجرى القسم فأجابه بجواب القسم قال الحسن ما أمر الله نبيا قط بحرب إلا غلب إما في الحال أو فيما بعد و قال قتادة كتب الله كتابا فأمضاه لأغلبن أنا و رسلي و يجوز أن يكون المعنى قضى الله و وعد لأغلبن أنا و رسلي بالحجج و البراهين و إن جاز أن يغلب بعضهم في الحرب «إن الله قوي عزيز» أي غالب قاهر لمن نازع أولياءه و يروى أن المسلمين قالوا لما رأوا ما يفتح الله عليهم من القرى

###

ليفتحن الله علينا الروم و فارس فقال المنافقون أ تظنون أن فارسا و الروم كبعض القرى التي غلبتم عليها فأنزل الله هذه الآية ثم قال سبحانه «لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله» أي يوالون من خالف الله و رسوله و المعنى لا تجتمع موالاة الكفار مع الإيمان و المراد به الموالاة في الدين «و لو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم» أي و إن قربت قرابتهم منهم فإنهم لا يوالونهم إذا خالفوهم في الدين و قيل إن الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة ينذرهم بمجيء رسول الله إليهم و كان (صلى الله عليه وآله وسلم) أخفى ذلك فلما عوتب على ذلك قال أهلي بمكة أحببت أن يحوطوهم بيد تكون لي عندهم و قيل إنها نزلت في عبد الله بن أبي و ابنه عبيد الله بن عبد الله و كان هذا الابن عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فشرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال أبق فضلة من شرابك أسقها أبي لعل الله يطهر قلبه فأعطاه فأتى بها أباه فقال ما هذا فقال بقية شراب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جئتك بها لتشربها لعل الله يطهر قلبك فقال هلا جئتني ببول أمك فرجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال ائذن لي في قتله فقال بل ترفق به عن السدي ثم قال سبحانه «أولئك كتب في قلوبهم الإيمان» أي ثبت في قلوبهم الإيمان بما فعل بهم من الألطاف فصار كالمكتوب عن الحسن و قيل كتب في قلوبهم علامة الإيمان و معنى ذلك أنها سمة لمن يشاهدهم من الملائكة على أنهم مؤمنون كما أن قوله في الكفار و طبع الله على قلوبهم علامة يعلم من شاهدها من الملائكة أنه مطبوع على قلبه عن أبي علي الفارسي «و أيدهم بروح منه» أي قواهم بنور الإيمان و يدل عليه قوله و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان عن الزجاج و قيل معناه و قواهم بنور الحجج و البراهين حتى اهتدوا للحق و عملوا به و قيل قواهم بالقرآن الذي هو حياة القلوب من الجهل عن الربيع و قيل أيدهم بجبرائيل في كثير من المواطن ينصرهم و يدفع عنهم «و يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم» بإخلاص الطاعة و العبادة منهم «و رضوا عنه» بثواب الجنة و قيل رضوا عنه بقضائه عليهم في الدنيا فلم يكرهوه «أولئك حزب الله» أي جند الله و أنصار دينه و دعاة خلقه «ألا إن حزب الله هم المفلحون» ألا كلمة تنبيه أن جنود الله و أولياءه هم المفلحون الناجون الظافرون بالبغية.