۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الحديد، آية ٢٨

التفسير يعرض الآيات ٢٦ إلى ٢٩

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحٗا وَإِبۡرَٰهِيمَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَۖ فَمِنۡهُم مُّهۡتَدٖۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٢٦ ثُمَّ قَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيۡنَا بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَۖ وَجَعَلۡنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاۖ فَـَٔاتَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۡهُمۡ أَجۡرَهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٢٧ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِۦ يُؤۡتِكُمۡ كِفۡلَيۡنِ مِن رَّحۡمَتِهِۦ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ نُورٗا تَمۡشُونَ بِهِۦ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٨ لِّئَلَّا يَعۡلَمَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَلَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢٩

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ لَقَدْ أَرْسلْنَا نُوحاً وَ إِبْرَهِيمَ وَ جَعَلْنَا فى ذُرِّيّتِهِمَا النّبُوّةَ وَ الْكتَب فَمِنهُم مّهْتَدٍ وَ كثِيرٌ مِّنهُمْ فَسِقُونَ (26) ثمّ قَفّيْنَا عَلى ءَاثَرِهِم بِرُسلِنَا وَ قَفّيْنَا بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وَ ءَاتَيْنَهُ الانجِيلَ وَ جَعَلْنَا فى قُلُوبِ الّذِينَ اتّبَعُوهُ رَأْفَةً وَ رَحْمَةً وَ رَهْبَانِيّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضوَنِ اللّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقّ رِعَايَتِهَا فَئَاتَيْنَا الّذِينَ ءَامَنُوا مِنهُمْ أَجْرَهُمْ وَ كَثِيرٌ مِّنهُمْ فَسِقُونَ (27) يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَ ءَامِنُوا بِرَسولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِن رّحْمَتِهِ وَ يجْعَل لّكمْ نُوراً تَمْشونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ (28) لِّئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكتَبِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلى شىْءٍ مِّن فَضلِ اللّهِ وَ أَنّ الْفَضلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ وَ اللّهُ ذُو الْفَضلِ الْعَظِيمِ (29)

اللغة

التقفية جعل الشيء في إثر شيء على الاستمرار فيه و لهذا قيل لمقاطع الشعر

قواف إذ كانت تتبع البيت على إثره مستمرة في غيره على منهاجه و الرهبانية أصلها من الرهبة و هي الخوف إلا أنها عبادة مختصة بالنصارى لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا رهبانية في الإسلام و الابتداع ابتداء أمر لم يحتذ فيه على مثال و منه البدعة إذ هي إحداث أمر على خلاف السنة و الكفل الحظ و منه الكفل الذي يتكفل به الراكب و هو كساء أو نحوه يحويها على الإبل إذا أراد أن يرقد فيه فيحفظه من السقوط ففيه حظ من التحرز من الوقوع.

الإعراب

و رهبانية منصوب بفعل مضمر يفسره قوله «ابتدعوها» التقدير و ابتدعوا رهبانية ابتدعوها و قوله «ما كتبناها عليهم» في محل النصب لأنه صفة لرهبانية.

«ابتغاء رضوان الله» نصب لأنه بدل من ها في كتبناها و التقدير كتبناها عليهم ابتغاء رضوان الله أي اتباع أوامره و لم نكتب عليهم الرهبانية و لا في «لئلا يعلم» زائدة و أن في «ألا يقدرون» مخففة من الثقيلة و اسمه محذوف و تقديره أنهم لا يقدرون و لا هنا يدل على الإضمار في أن مع تخفيف أن.

المعنى

ثم عطف سبحانه على ما تقدم من ذكر الأنبياء بقصة إبراهيم (عليه السلام) و نوح (عليه السلام) فقال سبحانه «و لقد أرسلنا نوحا و إبراهيم» و إنما خصهما بالذكر لفضلهما و لأنهما أبوا الأنبياء «و جعلنا في ذريتهما النبوة و الكتاب» يعني أن الأنبياء كلهم من نسلهما و ذريتهما و عليهم أنزل الكتاب ثم أخبر عن حال ذريتهما فقال «فمنهم مهتد» إلى طريق الحق «و كثير منهم فاسقون» أي خارجون عن طاعة الله إلى معصيته «ثم قفينا على آثارهم برسلنا» أي ثم اتبعنا بالإرسال على آثار من ذكرناهم من الأنبياء برسل آخرين إلى قوم آخرين و أنفذناهم رسولا بعد رسول «و قفينا بعيسى بن مريم» بعدهم فأرسلناه رسولا «و آتيناه الإنجيل» أي و أعطينا عيسى بن مريم الإنجيل «و جعلنا في قلوب الذين اتبعوه» في دينه يعني الحواريين و أتباعهم اتبعوا عيسى «رأفة» و هي أشد الرقة «و رحمة» و إنما أضاف الرأفة و الرحمة إلى نفسه لأنه سبحانه جعل في قلوبهم الرأفة و الرحمة بالأمر به و الترغيب فيه و وعد الثواب عليه و قيل لأنه خلق في قلوبهم الرأفة و الرحمة و إنما مدحهم على ذلك و إن كان من فعله لأنهم تعرضوا لهما «و رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم» و هي الخصلة من العبادة يظهر فيها معنى الرهبة إما في كنيسة أو انفراد عن الجماعة أو غير ذلك من الأمور التي يظهر فيها نسك صاحبه و المعنى ابتدعوا رهبانية لم نكتبها عليهم و قيل إن الرهبانية التي ابتدعوها هي رفض النساء و اتخاذ الصوامع عن قتادة قال و تقديره

و رهبانية ما كتبناها عليهم «إلا» إنهم اتبعوها «ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها» و قيل إن الرهبانية التي ابتدعوها لحاقهم بالبراري و الجبال في خبر مرفوع عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فما رعاها الذين بعدهم حق رعايتها و ذلك لتكذيبهم بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ابن عباس و قيل إن الرهبانية هي الانقطاع عن الناس للانفراد بالعبادة «ما كتبناها» أي ما فرضناها عليهم و قال الزجاج إن تقديره ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله و ابتغاء رضوان الله اتباع ما أمر به فهذا وجه قال و فيها وجه آخر جاء في التفسير أنهم كانوا يرون من ملوكهم ما لا يصبرون عليه فاتخذوا أسرابا و صوامع و ابتدعوا ذلك فلما ألزموا أنفسهم ذلك التطوع و دخلوا عليه لزمهم تمامه كما أن الإنسان إذا جعل على نفسه صوما لم يفرض عليه لزمه أن يتمه قال و قوله «فما رعوها حق رعايتها» على ضربين ( أحدهما ) أن يكونوا قصروا فيما ألزموه أنفسهم ( و الآخر ) و هو الأجود أن يكونوا حين بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يؤمنوا به كانوا تاركين لطاعة الله فما رعوا تلك الرهبانية حق رعايتها و دليل ذلك قوله «فأتينا الذين آمنوا منهم أجرهم» يعني الذين آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «و كثير منهم فاسقون» أي كافرون انتهى كلام الزجاج و يعضد هذا ما جاءت به الرواية عن ابن مسعود قال كنت رديف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على حمار فقال يا ابن أم عبد هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل الرهبانية فقلت الله و رسوله أعلم فقال ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بمعاصي الله فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات فلم يبق منهم إلا القليل فقالوا إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا و لم يبق للدين أحد يدعو إليه فتعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى (عليه السلام) يعنون محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) فتفرقوا في غيران الجبال و أحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه و منهم من كفر ثم تلا هذه الآية «و رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم» إلى آخرها ثم قال يا ابن أم عبد أ تدري ما رهبانية أمتي قلت الله و رسوله أعلم قال الهجرة و الجهاد و الصلاة و الصوم و الحج و العمرة و عن ابن مسعود قال دخلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا ابن مسعود اختلف من كان قبلكم على اثنتين و سبعين فرقة نجا منها اثنتان و هلك سائرهن فرقة قاتلوا الملوك على دين عيسى (عليه السلام) فقتلوهم و فرقة لم تكن لهم طاقة لموازاة الملوك و لا أن يقيموا بين ظهرانيهم يدعونهم إلى دين الله تعالى و دين عيسى (عليه السلام) فساحوا في البلاد و ترهبوا و هم الذين قال الله لهم «و رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم» ثم قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من آمن بي و صدقني و اتبعني فقد رعاها حق رعايتها و من لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون ثم قال سبحانه «يا أيها الذين آمنوا» أي اعترفوا بتوحيد الله و صدقوا بموسى و عيسى (عليهما السلام) «اتقوا الله و آمنوا برسوله» محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ابن عباس و قيل معناه يا أيها الذين آمنوا ظاهرا آمنوا باطنا «يؤتكم كفلين» أي يؤتكم

###

نصيبين «من رحمته» نصيبا لإيمانكم بمن تقدم من الأنبياء و نصيبا لإيمانكم بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ابن عباس «و يجعل لكم نورا تمشون به» أي هدى تهتدون به عن مجاهد و قيل النور القرآن و فيه الأدلة على كل حق و البيان لكل خير و به يستحق الضياء الذي يمشي به يوم القيامة عن ابن عباس «و يغفر لكم» أي و يستر عليكم ذنوبكم «و الله غفور رحيم» قال سعيد بن جبير بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جعفرا في سبعين راكبا إلى النجاشي يدعوه فقدم عليه و دعاه فاستجاب له و آمن به فلما كان عند انصرافه قال ناس ممن آمن به من أهل مملكته و هم أربعون رجلا ائذن لنا فنأتي هذا النبي فنسلم به فقدموا مع جعفر فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة استأذنوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و قالوا يا نبي الله إن لنا أموالا و نحن نرى ما بالمسلمين من الخصاصة فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين فأنزل الله فيهم «الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون» إلى قوله «و مما رزقناهم ينفقون» فكانت النفقة التي واسوا بها المسلمين فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن به قوله «أولئك يؤتون أجرهم مرتين» بما صبروا فخروا على المسلمين فقالوا يا معشر المسلمين أما من آمن بكتابكم و كتابنا فله أجران و من آمن منا بكتابنا فله أجر كأجوركم فما فضلكم علينا فنزل قوله «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و آمنوا برسوله» الآية فجعل لهم أجرين و زادهم النور و المغفرة ثم قال «لئلا يعلم أهل الكتاب» و قال الكلبي كان هؤلاء أربعة و عشرين رجلا قدموا من اليمن على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و هو بمكة لم يكونوا يهودا و لا نصارى و كانوا على دين الأنبياء فأسلموا فقال لهم أبو جهل بئس القوم أنتم و الوفد لقومكم فردوا عليه و ما لنا لا نؤمن بالله الآية فجعل الله لهم و لمؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام و أصحابه أجرين اثنين فجعلوا يفخرون على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و يقولون نحن أفضل منكم لنا أجران و لكم أجر واحد فنزل «لئلا يعلم أهل الكتاب» إلى آخر السورة و روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال من كانت له أمة فعلمها فأحسن تعليمها و أدبها فأحسن تأديبها و أعتقها و تزوجها فله أجران و أيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) و آمن بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فله أجران و أيما مملوك أدى حق الله و حق مواليه فله أجران أورده البخاري و مسلم في الصحيح «لئلا يعلم» أي لأن يعلم و لا مزيدة «أهل الكتاب» يعني الذين لم يؤمنوا بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و حسدوا المؤمنين منهم «ألا يقدرون على شيء من فضل الله» و أن هذه

هي المخففة من الثقيلة و التقدير أنهم لا يقدرون و معناه جعلنا الأجرين لمن آمن بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ليعلم الذين لم يؤمنوا أنهم لا أجر لهم و لا نصيب لهم في فضل الله «و أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء» فأتى المؤمنين منهم أجرين «و الله ذو الفضل العظيم» يتفضل على من يشاء من عباده المؤمنين و قيل إن المراد بفضل الله هنا النبوة أي لا يقدرون على نبوة الأنبياء و لا على صرفها عمن شاء الله أن يخصه بها فيصرفونها عن محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى من يحبونه بل هي بيد الله يعطيها من يشاء ممن هو أهلها و يعلم أنه يصلح لها و قيل إنما تدخل لا صلة في كل كلام دخل في أواخره أو أوائله جحد و إن لم يكن مصرحا به نحو قوله «ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك» «و ما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون» «و حرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون» عن الفراء و قيل أن لا هنا في حكم الثبات و المعنى لأن لا يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون أن يؤمنوا لأن من لا يعلم أنه لا يقدر يعلم أنه يقدر فعلى هذا يكون المراد لكي يعلموا أنهم يقدرون على أن يؤمنوا فيحوزوا الفضل و الثواب و قيل إن معناه لئلا يعلم اليهود و النصارى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و المؤمنين لا يقدرون على ذلك فقد علموا أنهم لا يقدرون عليه أي إن آمنتم كما أمركم الله آتاكم الله من فضله فعلم أهل الكتاب خلافه و على هذا فالضمير في يقدرون ليس لأهل و قال أبو سعيد السيرافي معناه أن الله يفعل بكم هذه الأشياء لئلا يعلم أي ليتبين جهل أهل الكتاب و أنهم لا يعلمون أن ما يؤتيكم الله من فضله لا يقدرون على تغييره و إزالته عنكم ففي هذه الوجوه لا يحتاج إلى زيادة لا.