۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الحديد، آية ١٠

التفسير يعرض الآيات ٧ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ ٧ وَمَا لَكُمۡ لَا تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ لِتُؤۡمِنُواْ بِرَبِّكُمۡ وَقَدۡ أَخَذَ مِيثَٰقَكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨ هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦٓ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٩ وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

ءَامِنُوا بِاللّهِ وَ رَسولِهِ وَ أَنفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مّستَخْلَفِينَ فِيهِ فَالّذِينَ ءَامَنُوا مِنكمْ وَ أَنفَقُوا لهَُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) وَ مَا لَكمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَ الرّسولُ يَدْعُوكمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكمْ وَ قَدْ أَخَذَ مِيثَقَكمْ إِن كُنتُم مّؤْمِنِينَ (8) هُوَ الّذِى يُنزِّلُ عَلى عَبْدِهِ ءَايَتِ بَيِّنَتٍ لِّيُخْرِجَكم مِّنَ الظلُمَتِ إِلى النّورِ وَ إِنّ اللّهَ بِكمْ لَرَءُوفٌ رّحِيمٌ (9) وَ مَا لَكمْ أَلا تُنفِقُوا فى سبِيلِ اللّهِ وَ للّهِ مِيرَث السمَوَتِ وَ الأَرْضِ لا يَستَوِى مِنكم مّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْح وَ قَتَلَ أُولَئك أَعْظمُ دَرَجَةً مِّنَ الّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَ قَتَلُوا وَ ُكلاً وَعَدَ اللّهُ الحُْسنى وَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)

القراءة

قرأ أبو عمرو وحده و قد أخذ بضم الهمزة ميثاقكم بالرفع و الباقون «أخذ» بفتح الهمزة «ميثاقكم» بالنصب و قرأ ابن عامر و كل وعد الله الحسنى بالرفع و الباقون «كلا» بالنصب.

الحجة

قال أبو علي حجة من قرأ «و قد أخذ» أنه قد تقدم «و ما لكم لا تؤمنون بالله»

و الضمير يعود إلى اسم الله تعالى و حجة من قرأ و قد أخذ أنه على هذا المعنى و أنه قد عرف أخذ الميثاق و أن الله قد أخذه و حجة النصب في «كلا وعد الله الحسنى» بين لأنه بمنزلة زيدا وعدت خيرا و حجة ابن عامر أن الفعل إذا تقدم عليه مفعوله لم يقو عمله في قوته إذا تأخر أ لا ترى أنهم قالوا في الشعر زيد ضربت و لو تأخر المفعول فوقع بعد الفاعل لم يجز ذلك فيه و مما جاء من ذلك في الشعر قوله:

{قد أصبحت أم الخيار تدعي --- علي ذنبا كله لم أصنع فرووه}

بالرفع لتقدمه على الفعل و إن لم يكن شيء يمنع من تسلط الفعل عليه فكذلك قوله و كل وعد الله الحسنى يكون على إرادة الهاء و حذفها كما يحذف من الصفات و الصلات.

المعنى

ثم خاطب سبحانه المكلفين فقال «آمنوا بالله» معاشر العقلاء أي صدقوا الله و أقروا بوحدانيته و إخلاص العبادة له «و رسوله» أي و صدقوا رسوله و اعترفوا بنبوته «و أنفقوا» في طاعة الله و الوجوه التي أمركم بالإنفاق فيها «مما جعلكم مستخلفين فيه» أي من المال الذي استخلفكم الله فيه بوراثتكم إياه عمن قبلكم عن الحسن و نبه سبحانه بهذا على أن ما في أيدينا يصير لغيرنا كما صار إلينا ممن قبلنا و حثنا على استيفاء الحظ منه قبل أن يصير لغيرنا ثم بين سبحانه ما يكافيهم على ذلك إذا فعلوه فقال «فالذين آمنوا منكم» بالله و رسوله «و أنفقوا» في سبيله «لهم أجر كبير» أي جزاء و ثواب عظيم دائم لا يشوبه كدر و لا تنغيص ثم وبخهم سبحانه فقال «و ما لكم لا تؤمنون بالله» أي و أي شيء يمنعكم من الإيمان بالله مع وضوح الدلائل على وحدانيته «و الرسول يدعوكم» إلى ما ركب الله في عقولكم من معرفة الصانع و صفاته «لتؤمنوا بربكم و قد أخذ ميثاقكم» بما أودع الله في قلوبكم من دلالات العقل الموصلة إلى الإيمان به فإن الميثاق هو الأمر المؤكد الذي يجب العمل به «إن كنتم مؤمنين» أي إن كنتم مصدقين بحق فالآن فقد ظهرت أعلامه و وضحت براهينه و المعنى أي عذر لكم في ترك الإيمان و قد أزاحت العلل و ارتفعت الشبه و لزمتكم الحجج العقلية و السمعية فالعقلية ما في فطرة العقول و السمعية دعوة الرسول المؤيدة بالأدلة المؤدية إلى المدلول و الذي يبين هذا قوله «هو الذي ينزل على عبده» يعني محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم)

«آيات بينات» أي حججا منيرة و براهين واضحة «ليخرجكم» الله بالقرآن و الأدلة و قيل ليخرجكم الرسول بالدعوة و قيل ليخرجكم المنزل و الأول أوجه «من الظلمات إلى النور» أي من الكفر إلى الإيمان بالتوفيق و الهداية و الألطاف و الأدلة «و إن الله بكم لرءوف رحيم» حين بعث الرسول و نصب الأدلة و الرأفة و الرحمة واحد و إنما جمع بينهما للتأكيد و قيل الرأفة النعمة على المضرور و الرحمة النعمة على المحتاج و في هذا دلالة على بطلان مذهب أهل الجبر فإنه بين أن الغرض في إنزال القرآن الإيمان به ثم حثهم سبحانه على الإنفاق فقال «و ما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله» أي أي شيء لكم في ترك الإنفاق فيما يقرب إلى الله تعالى «و لله ميراث السماوات و الأرض» يعني يفني الخلق و يبقى هو و المعنى فيه أن الدنيا و أموالها ترجع إلى الله فلا يبقى لأحد فيها ملك و لا أمر كما يرجع الميراث إلى مستحقيه فاستوفوا حظكم من أموالكم قبل أن تخرج من أيديكم ثم بين سبحانه فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله فقال «لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح و قاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد و قاتلوا» بين سبحانه أن الإنفاق قبل فتح مكة إذا انضم إليه الجهاد أكثر ثوابا عند الله من النفقة و الجهاد بعد ذلك و ذلك أن القتال قبل الفتح كان أشد و الحاجة إلى النفقة و إلى الجهاد كان أكثر و أمس و في الكلام حذف تقديره لا يستوي هؤلاء مع الذين أنفقوا بعد الفتح فحذف لدلالة الكلام عليه و قال الشعبي أراد فتح الحديبية ثم سوى سبحانه بين الجميع في الوعد بالخير و الثواب في الجنة فقال «و كلا وعد الله الحسنى» أي الجنة و الثواب فيها و أن تفاضلوا في مقادير ذلك «و الله بما تعملون خبير» أي لا يخفى عليه شيء من إنفاقكم و جهادكم فيجازيكم بحسب نياتكم و بصائركم و إخلاصكم في سرائركم.