۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الواقعة، آية ٦٤

التفسير يعرض الآيات ٥٧ إلى ٧٤

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

نَحۡنُ خَلَقۡنَٰكُمۡ فَلَوۡلَا تُصَدِّقُونَ ٥٧ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تُمۡنُونَ ٥٨ ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٥٩ نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ ٦٠ عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦١ وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ ٦٢ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَحۡرُثُونَ ٦٣ ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّٰرِعُونَ ٦٤ لَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَٰهُ حُطَٰمٗا فَظَلۡتُمۡ تَفَكَّهُونَ ٦٥ إِنَّا لَمُغۡرَمُونَ ٦٦ بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ ٦٧ أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلۡمَآءَ ٱلَّذِي تَشۡرَبُونَ ٦٨ ءَأَنتُمۡ أَنزَلۡتُمُوهُ مِنَ ٱلۡمُزۡنِ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنزِلُونَ ٦٩ لَوۡ نَشَآءُ جَعَلۡنَٰهُ أُجَاجٗا فَلَوۡلَا تَشۡكُرُونَ ٧٠ أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ ٧١ ءَأَنتُمۡ أَنشَأۡتُمۡ شَجَرَتَهَآ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنشِـُٔونَ ٧٢ نَحۡنُ جَعَلۡنَٰهَا تَذۡكِرَةٗ وَمَتَٰعٗا لِّلۡمُقۡوِينَ ٧٣ فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ ٧٤

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

نحْنُ خَلَقْنَكُمْ فَلَوْ لا تُصدِّقُونَ (57) أَ فَرَءَيْتُم مّا تُمْنُونَ (58) ءَ أَنتُمْ تخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الخَْلِقُونَ (59) نحْنُ قَدّرْنَا بَيْنَكمُ الْمَوْت وَ مَا نحْنُ بِمَسبُوقِينَ (60) عَلى أَن نّبَدِّلَ أَمْثَلَكُمْ وَ نُنشِئَكُمْ فى مَا لا تَعْلَمُونَ (61) وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النّشأَةَ الأُولى فَلَوْ لا تَذَكّرُونَ (62) أَ فَرَءَيْتُم مّا تحْرُثُونَ (63) ءَ أَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نحْنُ الزّرِعُونَ (64) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنَهُ حُطماً فَظلْتُمْ تَفَكّهُونَ (65) إِنّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نحْنُ محْرُومُونَ (67) أَ فَرَءَيْتُمُ الْمَاءَ الّذِى تَشرَبُونَ (68) ءَ أَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نحْنُ الْمُنزِلُونَ (69) لَوْ نَشاءُ جَعَلْنَهُ أُجَاجاً فَلَوْ لا تَشكُرُونَ (70) أَ فَرَءَيْتُمُ النّارَ الّتى تُورُونَ (71) ءَ أَنتُمْ أَنشأْتُمْ شجَرَتهَا أَمْ نحْنُ الْمُنشِئُونَ (72) نحْنُ جَعَلْنَهَا تَذْكِرَةً وَ مَتَعاً لِّلْمُقْوِينَ (73) فَسبِّحْ بِاسمِ رَبِّك الْعَظِيمِ (74)

القراءة

قرأ ابن كثير نحن قدرنا بالتخفيف و الباقون «قدرنا» بالتشديد و قرأ أبو بكر أ إنا لمغرمون بهمزتين و الباقون بهمزة واحدة.

الحجة

قال أبو علي قدرنا في معنى قدرنا و يدل عليه قوله:

{ومفرهة عنس قدرت لساقها --- فخرت كما تتايع الريح بالقفل}

و المعنى قدرت ضربي لساقها فضربتها فخرت و مثله في المعنى:

{فإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها --- على الضيف نجرح في عراقيبها نصلي}

اللغة

يقال أمنى يمني و منى يمني بمعنى و منه قراءة أبي السماك تمنون بفتح التاء و الأصل من المني و هو التقدير قال الشاعر:

{لا تأمنن و إن أمسيت في حرم --- حتى تلاقي ما يمني لك الماني}

و منه المنية لأنها مقدرة تأتي على مقدار و الحطام الهشيم الذي لا ينتفع به في مطعم

و لا غذاء و أصل الحطم الكسر و الحطم السواق بعنف يحطم بعضها على بعض قال:

قد لفها الليل بسواق حطم و التفكه أصله تناول ضروب الفواكه للأكل و الفكاهة المزاح و منه حديث زيد كان من أفكه الناس مع أهله و رجل فكه طيب النفس و المغرم الذي ذهب ماله بغير عوض و أصل الباب اللزوم و الغرام العذاب اللازم قال الأعشى:

{إن يعاقب يكن غراما و إذن يعط --- جزيلا فإنه لا يبالي}

و النار مأخوذة من النور قال الحارث:

{فتنورت نارها من بعيد --- بخزازي هيهات منك الصلاء}

و الإيراء إظهار النار بالقدح يقال أورى يوري و وريت بك زنادي أي أضاء بك أمري و يقال قدح فأورى إذا أظهر النار فإذا لم يور قيل قدح فأكبى و المقوي النازل بالقواء من الأرض ليس بها أحد و أقوت الدار خلت من أهلها قال النابغة:

{أقوى و أقفر من نعم و غيرها --- هوج الرياح بها الترب موار}

و قال عنترة:

{حييت من طلل تقادم عهده --- أقوى و أقفر بعد أم الهيثم}

المعنى

ثم احتج سبحانه عليهم في البعث بقوله «نحن خلقناكم» أي نحن خلقناكم و لم تكونوا شيئا و أنتم تعلمون ذلك عن مقاتل «فلو لا تصدقون» أي فهلا تصدقون و لم لا تصدقون بالبعث لأن من قدر على الإنشاء و الابتداء قدر على الإعادة ثم نبههم سبحانه على وجه الاستدلال على صحة ما ذكره فقال «أ فرأيتم ما تمنون» أي ما تقذفون و تصبون في أرحام النساء من النطف فيصير ولدا «أ أنتم تخلقونه» أي أ أنتم تخلقون ما تمنون بشرا «أم نحن الخالقون» فإذا لم تقدروا أنتم و أمثالكم على ذلك فاعلموا أن الله سبحانه الخالق لذلك و إذا ثبت أنه قادر على خلق الولد من النطفة وجب أن

يكون قادرا على إعادته بعد موته لأنه ليس بأبعد منه ثم بين سبحانه أنه كما بدأ الخلق فإنه يميتهم فقال «نحن قدرنا بينكم الموت» التقدير ترتيب الأمر على مقدار أي نحن أجرينا الموت بين العباد على مقدار كما تقتضيه الحكمة فمنهم من يموت صبيا و منهم من يموت شابا و منهم من يموت كهلا و شيخا و هرما عن مقاتل و قيل معناه قدرناه بأن سوينا فيه بين المطيع و العاصي و بين أهل السماء و الأرض عن الضحاك «و ما نحن بمسبوقين» قيل أنه من تمام ما قبله أي لا يسبقنا أحد منكم على ما قدرناه من الموت حتى يزيد في مقدار حياته و قيل أنه ابتداء كلام يتصل به ما بعده و المعنى و ما نحن بمغلوبين «على أن نبدل أمثالكم» أي نأتي بخلق مثلكم بدلا منكم و تقديره نبدلكم بأمثالكم فحذف المفعول الأول و الجار من المفعول الثاني قال الزجاج معناه إن أردنا أن نخلق خلقا غيركم لم يسبقنا سابق و لا يفوتنا «و ننشئكم فيما لا تعلمون» من الصور أي إن أردنا أن نجعل منكم القردة و الخنازير لم نسبق و لا فاتنا ذلك و تقديره كما لم نعجز عن تغيير أحوالكم بعد خلقكم لا نعجز عن أحوالكم بعد موتكم و قيل أراد النشأة الثانية أي ننشئكم فيما لا تعلمون من الهيئات المختلفة فإن المؤمن يخلق على أحسن هيئة و أجمل صورة و الكافر على أقبح صورة و قيل إنما قال ذلك لأنهم علموا حال النشأة الأولى كيف كانت في بطون الأمهات و ليست الثانية كذلك لأنها تكون في وقت لا يعلمه العباد «و لقد علمتم النشأة الأولى» أي المرة الأولى من الإنشاء و هو ابتداء الخلق حين خلقتم من نطفة و علقة و مضغة «فلو لا تذكرون» أي فهلا تعتبرون و تستدلون بالقدرة عليها على الثانية «أ فرأيتم ما تحرثون» أي ما تعملون في الأرض و تلقون فيها من البذر «أ أنتم تزرعونه أم نحن الزارعون» أي أ أنتم تنبتونه و تجعلونه زرعا أم نحن المنبتون فإن من قدر على إنبات الزرع من الحبة الصغيرة و أن يجعلها حبوبا كثيرة قدر على إعادة الخلق إلى ما كانوا عليه و روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال لا يقولن أحدكم زرعت و ليقل حرثت «لو نشاء لجعلناه» أي جعلنا ذلك الزرع «حطاما» أي هشيما لا ينتفع به في مطعم و لا غذاء و قيل تبنا لا قمح فيه عن عطاء «فظلتم تفكهون» أي تتعجبون مما نزل بكم في زرعكم عن عطاء و الكلبي و مقاتل و قيل معناه تندمون و تتأسفون على ما أنفقتم فيه عن عكرمة و قتادة و الحسن و أصله من التفكه بالحديث و هو التلهي به فكأنه قال فظلتم تتروحون إلى التندم كما يتروح الفكه إلى الحديث بما يزيل الهم و قيل معناه يتلاومون عن عكرمة أي يلوم بعضكم بعضا على التفريط في طاعة الله «إنا لمغرمون» أي

تقولون إنا لمغرمون و المعنى أنا قد ذهب مالنا كله و نفقتنا و ضاع وقتنا و لم نحصل على شيء و قيل معناه إنا لمعذبون مجدودون عن الحظ عن مجاهد و في رواية أخرى عنه أنا لمولع بنا و في رواية أخرى منه إنا لملقون في الشر و قيل محارفون عن قتادة و من قرأ أ إنا على الاستفهام حمله على أنهم يقومون فيقولون منكرين لذلك و من قرأ «إنا» على الخبر حمله على أنهم مخبرون بذلك عن أنفسهم ثم يستدركون فيقولون «بل نحن محرومون» أي مبخوسو الحظ محارفون ممنوعون من الرزق و الخير ثم قال سبحانه منبها على دلالة أخرى «أ فرأيتم الماء الذي تشربون أ أنتم أنزلتموه من المزن» أي من السحاب «أم نحن المنزلون» نعمة منا عليكم و رحمة بكم ثم قال «لو نشاء جعلناه أجاجا» أي مرا شديد المرارة و قيل هو الذي اشتدت ملوحته «فلو لا تشكرون» أي فهلا تشكرون على هذه النعمة السنية التي لا يقدر عليها أحد غير الله ثم نبه سبحانه على دلالة أخرى فقال «أ فرأيتم النار التي تورون» أي تستخرجونها و تقدحونها بزنادكم من الشجر «أ أنتم أنشأتم شجرتها» التي تنقدح النار منها أي أ أنتم أنبتموها و ابتدأتموها «أم نحن المنشئون» لها فلا يمكن أحدا أن يقول أنه أنشأ تلك الشجرة غير الله تعالى و العرب تقدح بالزند و الزندة و هو خشب يحك بعضه ببعض فتخرج منه النار و في المثل في كل شجر نار و استمجد المرخ و العفار «نحن جعلناها تذكرة» أي نحن جعلنا هذه النار تذكرة للنار الأخرى الكبرى فإذا رآها الرائي ذكر جهنم و استعاذ بالله منها عن عكرمة و مجاهد و قتادة و قيل معناه تذكرة يتذكر بها و يتفكر فيها فيعلم أن من قدر عليها و على إخراجها من الشجر الرطب قدر على النشأة الثانية «و متاعا للمقوين» أي و جعلناها بلغة و منفعة للمسافرين عن ابن عباس و الضحاك و قتادة يعني الذين نزلوا الأرض القي و هو القفر و قيل للمستمتعين بها من الناس أجمعين المسافرين و الحاضرين عن عكرمة و مجاهد و المعنى أن جميعهم يستضيئون بها من في الظلمة و يصطلون من البرد و ينتفعون بها في الطبخ و الخبز و على هذا فيكون المقوي من الأضداد فيكون المقوي الذي صار ذا قوة من المال و النعمة و المقوي أيضا الذاهب ماله النازل بالقواء من الأرض فالمعنى و متاعا للأغنياء و الفقراء و لما ذكر سبحانه ما يدل على توحيده و إنعامه على عبيده قال «فسبح باسم ربك العظيم» أي فبرىء الله تعالى مما يقولونه في وصفه و نزهه عما لا يليق بصفاته و قيل معناه قل

سبحان ربي العظيم فقد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه لما نزلت هذه الآية قال اجعلوها في ركوعكم.