۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الواقعة، آية ٣٨

التفسير يعرض الآيات ٢٧ إلى ٤٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ ٢٧ فِي سِدۡرٖ مَّخۡضُودٖ ٢٨ وَطَلۡحٖ مَّنضُودٖ ٢٩ وَظِلّٖ مَّمۡدُودٖ ٣٠ وَمَآءٖ مَّسۡكُوبٖ ٣١ وَفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ ٣٢ لَّا مَقۡطُوعَةٖ وَلَا مَمۡنُوعَةٖ ٣٣ وَفُرُشٖ مَّرۡفُوعَةٍ ٣٤ إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ ٣٥ فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا ٣٦ عُرُبًا أَتۡرَابٗا ٣٧ لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ ٣٨ ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٩ وَثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ ٤٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ أَصحَب الْيَمِينِ مَا أَصحَب الْيَمِينِ (27) فى سِدْرٍ مخْضودٍ (28) وَ طلْحٍ مّنضودٍ (29) وَ ظِلٍّ ممْدُودٍ (30) وَ مَاءٍ مّسكُوبٍ (31) وَ فَكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لا مَقْطوعَةٍ وَ لا ممْنُوعَةٍ (33) وَ فُرُشٍ مّرْفُوعَةٍ (34) إِنّا أَنشأْنَهُنّ إِنشاءً (35) فجَعَلْنَهُنّ أَبْكاراً (36) عُرُباً أَتْرَاباً (37) لأَصحَبِ الْيَمِينِ (38) ثُلّةٌ مِّنَ الأَوّلِينَ (39) وَ ثُلّةٌ مِّنَ الاَخِرِينَ (40)

القراءة

قرأ إسماعيل و حمزة و حماد و يحيى عن أبي بكر و خلف عربا ساكنة الراء و الباقون «عربا» بضمتين.

الحجة

العروب الحسنة التبعل قال لبيد:

{وفي الحدوج عروب غير فاحشة --- ريا الروادف يعشى دونها البصر}

و الفعول يجمع على فعل و فعل فمن التثقيل قوله:

فاصبري إنك من قوم صبر و التخفيف في ذلك شائع مطرد.

اللغة

السدر شجر النبق و أصل الخضد عطف العود اللين فمن هاهنا المخضود الذي لا شوك له لأن الغالب أن الرطب اللين لا شوك له و الطلح قال أبو عبيدة هو كل شجر عظيم كثير الشوك قال بعض الحداة:

{بشرها دليلها و قالا --- غدا ترين الطلح والجبالا}

و قال الزجاج الطلح شجر أم غيلان فقد يكون على أحسن حال و المنضود من نضدت المتاع إذا جعلت بعضه على بعض و البكر التي لم يفترعها الرجل فهي على خلقتها الأولى من حال الإنشاء و منه البكرة لأول النهار و الباكورة لأول الفاكهة و البكر الفتي من الإبل و جمعه بكار و بكارة و جاء القوم على بكرتهم و بكرة أبيهم عن الأزهري و الأتراب جمع ترب و هو اللدة الذي ينشأ مع مثله في حال الصبا و هو مأخوذ من لعب الصبي بالتراب أي هم كالصبيان الذين هم على سن واحد قال ابن أبي ربيعة:

{أبرزوها مثل المهاة تهادى --- بين عشر كواعب أتراب}

المعنى

ثم ذكر سبحانه أصحاب اليمين و عجب من شأنهم فقال «و أصحاب اليمين ما أصحاب اليمين» هو مثل قوله ما أصحاب الميمنة و قد مر معناه «في سدر مخضود» أي في نبق مخضود أي منزوع الشوكة قد خضد شوكة أي قطع عن ابن عباس و عكرمة و قتادة و قيل هو الذي خضد بكثرة حمله و ذهاب شوكة و قيل هو الموقر حملا عن الضحاك و مجاهد و مقاتل بن حيان و قال الضحاك نظر المسلمون إلى وج و هو واد مخصب بالطائف فأعجبهم سدرة و قالوا يا ليت لنا مثل هذا فنزلت هذه الآية «و طلح منضود» قال ابن عباس و غيره هو شجر الموز و قيل ليس بالموز و لكنه شجر له ظل بارد رطب عن الحسن و قيل هو شجر يكون باليمن و بالحجاز من أحسن الشجر منظرا و إنما ذكر هاتين الشجرتين لأن

العرب كانوا يعرفون ذلك فإن عامة أشجارهم أم غيلان ذات أنوار و رائحة طيبة و روت العامة عن علي (عليه السلام) أنه قرأ عنده رجل «و طلح منضود» فقال ما شأن الطلح إنما هو و طلع كقوله و نخل طلعها هضيم فقيل له أ لا تغيره فقال إن القرآن لا يهاج اليوم و لا يحرك رواه عنه ابنه الحسن و قيس بن سعد و رواه أصحابنا عن يعقوب بن شعيب قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) «و طلح منضود» قال لا و طلع منضود و المنضود الذي نضد بعضه على بعض نضد بالحمل من أوله إلى آخره فليست له سوق بارزة فمن عروقه إلى أفنانه ثمر كله «و ظل ممدود» أي دائم لا تنسخه الشمس فهو باق لا يزول و العرب تقول لكل شيء طويل لا ينقطع ممدود قال لبيد:

{غلب البقاء و كان غير مغلب --- دهر طويل دائم ممدود}

و قد ورد في الخبر أن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها اقرءوا إن شئتم «و ظل ممدود» و روي أيضا أن أوقاف الجنة كغدوات الصيف لا يكون فيه حر و لا برد «و ماء مسكوب» أي مصبوب يجري الليل و النهار و لا ينقطع عنهم فهو مسكوب بسكب الله إياه في مجاريه و قيل مسكوب مصبوب على الخمر ليشرب بالمزاج و قيل مسكوب يجري دائما في غير أخدود عن سفيان و جماعة و قيل مسكوب ليشرب على ما يرى من حسنه و صفائه لا يحتاجون إلى تعب في استقائه «و فاكهة كثيرة» أي و ثمار مختلفة كثيرة غير قليلة و الوجه في تكرير ذكر الفاكهة البيان عن اختلاف صفاتها فذكرت أولا بأنها متخيرة و ذكرت هنا بأنها كثيرة ثم وصفت بقوله «لا مقطوعة و لا ممنوعة» أي لا تنقطع كما تنقطع فواكه الدنيا في الشتاء و في أوقاف مخصوصة و لا تمتنع ببعد متناول أو شوك يؤذي اليد كما يكون ذلك في الدنيا و قيل إنها غير مقطوعة بالأزمان و لا ممنوعة بالأثمان لا يتوصل إليها إلا بالثمن «و فرش مرفوعة» أي بسط عالية كما يقال بناء مرفوع و قيل مرفوع بعضها فوق بعض عن الحسن و الفراء و قيل معناه و نساء مرتفعات القدر في عقولهن و حسنهن و كمالهن عن الجبائي قال و لذلك عقبه بقوله «إنا أنشأناهن إنشاء» و يقال لامرأة الرجل هي فراشه و منه قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الولد للفراش و للعاهر الحجر «إنا أنشأناهن إنشاء» أي خلقناهن خلقا جديدا قال ابن عباس يعني النساء الآدميات و العجز الشمط يقول خلقتهن بعد الكبر و الهرم في الدنيا خلقا آخر و قيل معناه أنشأنا الحور العين كما هن عليه على هيئاتهن لم ينتقلن من حال إلى حال كما يكون في الدنيا «فجعلناهن أبكارا» أي عذارى عن الضحاك و قيل لا يأتيهن أزواجهن إلا وجدوهن أبكارا «عربا» أي متحننات على أزواجهن متحببات إليهم و قيل عاشقات

لأزواجهن عن ابن عباس و قيل العروب اللعوب مع زوجها أنسا به كأنس العرب بكلام العربي «أترابا» أي متشابهات مستويات في السن عن ابن عباس و قتادة و مجاهد و قيل أمثال أزواجهن في السن «لأصحاب اليمين» أي هذا الذي ذكرناه لأصحاب اليمين جزاءا و ثوابا على طاعاتهم «ثلة من الأولين و ثلة من الآخرين» أي جماعة من الأمم الماضية التي كانت قبل هذه الأمة و جماعة من مؤمني هذه الأمة قال الحسن سابقوا الأمم الماضية أكثر من سابقي هذه الأمة و تابعو الأمم الماضية مثل تابعي هذه الأمة إن أصحاب اليمين منهم مثل أصحاب اليمين منا و إنما نكر سبحانه الثلة ليدل على أنه ليس لجميع الأولين و الآخرين و إنما هو لجماعة منهم كما يقال رجل من جملة الرجال و هذا الذي ذكرناه قول مقاتل و عطاء و جماعة من المفسرين و ذهب جماعة منهم أن الثلتين جميعا من هذه الأمة و هو قول مجاهد و الضحاك و اختيار الزجاج و روي ذلك مرفوعا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال جميع الثلتين من أمتي و مما يؤيد القول الأول و يعضده من طريق الرواية ما رواه نقلة الأخبار بالإسناد عن ابن مسعود قال تحدثنا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة حتى أكثرنا الحديث ثم رجعنا إلى أهلنا فلما أصبحنا غدونا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال عرضت علي الأنبياء الليلة باتباعها من أممها فكان النبي تجيء معه الثلة من أمته و النبي معه العصابة من أمته و النبي معه النفر من أمته و النبي معه الرجل من أمته و النبي ما معه من أمته أحد حتى إذا أتى أخي موسى في كبكبة من بني إسرائيل فلما رأيتهم أعجبوني فقلت أي رب من هؤلاء فقال هذا أخوك موسى بن عمران و من معه من بني إسرائيل فقلت رب فأين أمتي قال أنظر عن يمينك فإذا ظراب مكة قد سدت بوجوه الرجال فقلت من هؤلاء فقيل هؤلاء أمتك أ رضيت قلت رب رضيت و قال أنظر عن يسارك فإذا الأفق قد انسد بوجوهه الرجال فقلت رب من هؤلاء قيل هؤلاء أمتك أ رضيت قلت رب رضيت فقيل إن مع هؤلاء سبعين ألفا من أمتك يدخلون الجنة لا حساب عليهم قال فأنشأ عكاشة بن محصن من بني أسد من خزيمة فقال يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم فقال اللهم اجعله منهم ثم أنشأ رجل آخر فقال يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم فقال سبقك بها عكاشة فقال نبي الله فداكم أبي و أمي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا و إن عجزتم و قصرتم فكونوا من أهل الظراب فإن عجزتم و قصرتم فكونوا من أهل الأفق و إني قد رأيت ثم ناسا كثيرا يتهاوشون كثيرا فقلت هؤلاء السبعون ألفا فاتفق

رأينا على أنهم ناس ولدوا في الإسلام فلم يزالوا يعملون به حتى ماتوا عليه فانتهى حديثهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال ليس كذلك و لكنهم الذين لا يسرقون و لا يتكبرون و لا يتطيرون و على ربهم يتوكلون ثم قال إني لأرجو أن يكون من تبعني ربع أهل الجنة قال فكبرنا ثم قال إني لأرجو أن يكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا ثم قال إني لأرجو أن يكونوا شطر أهل الجنة ثم تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «ثلة من الأولين و ثلة من الآخرين».