۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الواقعة، آية ١٧

التفسير يعرض الآيات ١٧ إلى ٢٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ ١٧ بِأَكۡوَابٖ وَأَبَارِيقَ وَكَأۡسٖ مِّن مَّعِينٖ ١٨ لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡهَا وَلَا يُنزِفُونَ ١٩ وَفَٰكِهَةٖ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ٢٠ وَلَحۡمِ طَيۡرٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ ٢١ وَحُورٌ عِينٞ ٢٢ كَأَمۡثَٰلِ ٱللُّؤۡلُوِٕ ٱلۡمَكۡنُونِ ٢٣ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٤ لَا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا تَأۡثِيمًا ٢٥ إِلَّا قِيلٗا سَلَٰمٗا سَلَٰمٗا ٢٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

يَطوف عَلَيهِمْ وِلْدَنٌ مخَلّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَ أَبَارِيقَ وَ كَأْسٍ مِّن مّعِينٍ (18) لا يُصدّعُونَ عَنهَا وَ لا يُنزِفُونَ (19) وَ فَكِهَةٍ مِّمّا يَتَخَيرُونَ (20) وَ لحَْمِ طيرٍ مِّمّا يَشتهُونَ (21) وَ حُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَلِ اللّؤْلُو الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءَ بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ (24) لا يَسمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَ لا تَأْثِيماً (25) إِلا قِيلاً سلَماً سلَماً (26)

القراءة

قرأ أبو جعفر و حمزة و الكسائي و حور عين بالجر و الباقون بالرفع و في الشواذ قراءة ابن أبي إسحاق و لا ينزفون بفتح الياء و كسر الزاي و قراءة أبي بن كعب و ابن مسعود و حورا عينا.

الحجة

قال أبو علي وجه الرفع في «و حور عين» أنه لما قال يطوف عليهم ولدان مخلدون دل هذا الكلام و ما ذكر بعد على أن لهم فيها كذا و كذا و لهم فيها حور عين و كذلك من نصب حمل على المعنى لأن الكلام دل على يمنحون و يملكون و هذا مذهب سيبويه و يجوز أن يحمل الرفع على قوله على سرر موضونة و التقدير و على سرر موضونة حور عين أو و حور عين على سرر موضونة لأن الوصف قد جرى عليهن فاختصصن فجاز أن يرفع بالابتداء و لم يكن كالنكرة إذا لم يوصف نحو فيها عين و قوله «على سرر موضونة» خبر لقوله تعالى ثلة من الأولين و قليل من الآخرين فكذلك يجوز أن يكون خبرا عنهن و يجوز في ارتفاع «و حور عين» أن يكون عطفا على الضمير في متكئين و لم يؤكد لكون طول الكلام بدلا من التأكيد و يجوز أيضا أن يعطفه على الضمير في متقابلين و لم يؤكد لطول الكلام أيضا و قد جاء ما أشركنا و لا آباؤنا فهذا أجدر و قال الزجاج الرفع أحسن الوجهين لأن معنى «يطوف عليهم ولدان مخلدون» بهذه الأشياء أنه قد ثبت لهم ذلك فكأنه قال و لهم حور عين و مثله مما حمل على هذا المعنى قول الشاعر:

{بادت و غير آيهن مع البلى --- إلا رواكد جمرهن هباء}

ثم قال بعده:

{و مشجج أما سواء قذاله --- فبدا و غير سارة المعزاء}

لأنه لما قال إلا رواكد كان المعنى بها رواكد فحمل و مشجج على المعنى و قال غيره تقديره و هناك حور عين قال أبو علي وجه الجر أن يكون يحمله على قوله أولئك المقربون في جنات النعيم التقدير أولئك المقربون في جنات النعيم و في حور عين أي و في مقاربة حور عين أو معاشرة حور عين فحذف المضاف فإن قلت فلم لا تحمله على الجار في قوله تعالى يطوف عليهم ولدان مخلدون بكذا و بحور عين فهذا يمكن أن يقال إلا أن أبا الحسن قال في ذا بعض الوحشة قال ابن جني نزف البئر ينزفها نزفا إذا استقي ماؤها و أنزفت الشيء إذا أفنيته قال الشاعر:

{لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم --- لبئس الندامى كنتم آل أبحرا}

المعنى

ثم أخبر سبحانه أن «يطوف عليهم ولدان» أي وصفاء و غلمان للخدمة «مخلدون» أي باقون لا يموتون و لا يهرمون و لا يتغيرون عن مجاهد و قيل مقرطون و الخلد القرط يقال خلد جاريته إذا حلاها بالقرطة عن سعيد بن جبير و الفراء و اختلف في هذه الولدان فقيل إنهم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها و لا سيئات فيعاقبوا فأنزلوا هذه المنزلة عن علي (عليه السلام) و الحسن و قد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه سأل عن أطفال المشركين فقال هم خدم أهل الجنة و قيل بل هم من خدم الجنة على صورة الولدان خلقوا لخدمة أهل الجنة «بأكواب» و هي القداح الواسعة الرؤوس لا خراطيم لها عن قتادة «و أباريق» و هي التي لها خراطيم و عرى و هو الذي يبرق من صفاء لونه «و كأس من معين» أي و يطوفون أيضا عليهم بكأس خمر معين أي ظاهر للعيون جار «لا يصدعون عنها» أي لا يأخذهم من شربها صداع و قيل لا يتفرقون عنها «و لا ينزفون» أي لا تنزف عقولهم بمعنى لا تذهب بالسكر عن مجاهد و قتادة و الضحاك و من قرأ ينزفون حمله على أنه لا تفنى خمرهم «و فاكهة مما يتخيرون» أي و يطوفون عليهم بفاكهة مما يختارونه و يشتهونه يقال تخيرت الشيء أخذت خيره «و لحم طير مما يشتهون» أي و بلحم طير مما يتمنون فإن أهل الجنة إذا اشتهوا لحم الطير خلق الله سبحانه لهم الطير نضيجا حتى لا يحتاج إلى ذبح الطير و إيلامه قال ابن عباس يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى «و حور عين» قد مر بيانه «كأمثال اللؤلؤ المكنون» أي الدر المصون المخزون في الصدف لم تمسه الأيدي قال عمر ابن أبي ربيعة:

وهي زهراء مثل لؤلؤة الغواص ميزت من جوهر مكنون «جزاء بما كانوا يعملون» أي نفعل ذلك الجزاء أعمالهم و طاعاتهم التي عملوها في دار التكليف الدنيا «لا يسمعون فيها» أي في الجنة «لغوا» أي ما لا فائدة فيه من الكلام لأن كل ما يتكلمون به فيه فائدة «و لا تأثيما» أي لا يقول بعضهم لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم عن ابن عباس و قيل معناه لا يتخالفون على شرب الخمر كما يتخالفون في الدنيا و لا يأثمون بشربها كما يأثمون في الدنيا «إلا قيلا سلاما سلاما» أي لا يسمعون إلا قول بعضهم لبعض على وجه التحية سلاما سلاما و المعنى أنهم يتداعون بالسلام على حسن الآداب و كريم الأخلاق اللذين يوجبان التواد و نصب سلاما على تقدير سلمك الله سلاما بدوام النعمة و كمال الغبطة و يجوز أن يعمل سلام في سلاما لأنه يدل على عامله كما يدل قوله تعالى و الله أنبتكم من الأرض نباتا على العامل في نبات فإن المعنى أنبتكم فنبتم نباتا و يجوز أن يكون سلاما نعتا لقوله قيلا و يجوز أن يكون مفعول قيل فالوجوه الثلاثة تحتملها الآية.