۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الرحمن، آية ٧٥

التفسير يعرض الآيات ٦٢ إلى ٧٨

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ٦٢ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٣ مُدۡهَآمَّتَانِ ٦٤ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٥ فِيهِمَا عَيۡنَانِ نَضَّاخَتَانِ ٦٦ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٧ فِيهِمَا فَٰكِهَةٞ وَنَخۡلٞ وَرُمَّانٞ ٦٨ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٩ فِيهِنَّ خَيۡرَٰتٌ حِسَانٞ ٧٠ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧١ حُورٞ مَّقۡصُورَٰتٞ فِي ٱلۡخِيَامِ ٧٢ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٣ لَمۡ يَطۡمِثۡهُنَّ إِنسٞ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جَآنّٞ ٧٤ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٥ مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفۡرَفٍ خُضۡرٖ وَعَبۡقَرِيٍّ حِسَانٖ ٧٦ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٧ تَبَٰرَكَ ٱسۡمُ رَبِّكَ ذِي ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ ٧٨

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ مِن دُونهِمَا جَنّتَانِ (62) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامّتَانِ (64) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضاخَتَانِ (66) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) فِيهِمَا فَكِهَةٌ وَ نخْلٌ وَ رُمّانٌ (68) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنّ خَيرَتٌ حِسانٌ (70) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مّقْصورَتٌ فى الخِْيَامِ (72) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطمِثهُنّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَ لا جَانّ (74) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضرٍ وَ عَبْقَرِىٍ حِسانٍ (76) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77) تَبَرَك اسمُ رَبِّك ذِى الجَْلَلِ وَ الاكْرَامِ (78)

القراءة

قرأ ابن عامر ذو الجلال بالرفع و الباقون بالجر و في الشواذ قراءة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و الجحدري و مالك بن دينار و ابن محيصن و الحسن و زهير القرقبي على رفارف خضر و عباقري حسان و قراءة الأعرج خضر بضمتين.

الحجة

قال أبو علي من قرأ «ذي الجلال» فجر جعله صفة لربك و زعموا أن ابن مسعود قرأ و يبقى وجه ربك ذي الجلال و الإكرام بالياء في كلتيهما و قال الأصمعي لا يقال الجلال إلا

في الله تعالى فهذا يقوي الجر إلا أن الجلال قد جاء في غير الله قال:

{فلا ذا جلال هبنه لجلاله --- و لا ذا ضياع هن يتركن للفقر}

ومن رفع أجراه على الاسم قال ابن جني روى قطرب عباقري بكسر القاف غير مصروف و رويناه عن أبي حاتم عباقري بفتح القاف غير مصروف أيضا قال أبو حاتم و لا يشبه إلا أن يكون عباقر بفتح القاف على ما تتكلم به العرب قال و لو قالوا عباقري بكسر القاف و صرفوا لكان أشبه بكلام العرب كالنسب إلى مداين مدايني و الرفارف رياض الجنة عن سعيد بن جبير و عبقر موضع قال امرؤ القيس:

{كان صليل المروحين تشده --- صليل زيوف ينتقدن بعبقرا}

و قال زهير:

{بخبل عليها جنة عبقرية --- جديرون يوما أن ينالوا أو يستعلوا}

و أما ترك صرف عباقري فشاذ في القياس و لا يستنكر شذوذه في القياس مع استمراره في الاستعمال كما جاء عن الجماعة استحوذ عليهم الشيطان فهو شاذ في القياس مطرد في الاستعمال و ليس لنا أن نتلقى قراءة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا بقبولها و أما خضر بضم الضاد فقليل و هو من مواضع الشعر كما قال طرفة:

{ورادا وشقر}

اللغة

الدهمة السواد و إدهام الزرع إذا علاه السواد ريا و منه الدهماء و تصغيره الدهيماء للداهية سميت بذلك لظلامها و الدهماء القدر و النضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضح بالحاء غير المعجمة لأن النضح الرش و بالخاء كالبزل و النضاخة الفوارة التي ترمي بالماء صعدا و الرمان مشتق من رم يرم رما لأن من شأنه أن يرم الفؤاد بجلائه له و الخيرات جمع خيرة و الرجل خير و الرجال خيار و أخيار قال:

{ولقد طعنت مجامع الربلات --- ربلات هند خيرة الملكات}

و قال الزجاج أصل خيرات خيرات فخفف و الخيام جمع خيمة و هي بيت من الثياب على الأعمدة و الأوتاد مما يتخذ للأصحار و الرفوف رياض الجنة من قولهم رف النبات يرف أي صار غضا نضرا و قيل الرفوف المجالس و قيل الوسائد و قيل إن كل ثوب عريض عند العرب فهو رفرف قال ابن مقبل:

{و إنا لنزالون تغشى نعالنا --- سواقط من أصناف ريط و رفرف}

والعبقري عتاق الزرابي و الطنافس المخملة الموشمة و هو اسم الجنس واحدته عبقرية قال أبو عبيدة كل شيء من البسط عبقري و كل ما بولغ في وصفه بالجودة نسب إلى عبقر و هو بلد كان يوشى فيه البسط و غيرها.

المعنى

ثم قال سبحانه «و من دونهما جنتان» أي و من دون الجنتين اللتين ذكرناهما لمن خاف مقام ربه جنتان أخريان دون الجنتين الأوليين فإنهما أقرب إلى قصره و مجالسة في قصره ليتضاعف له السرور بالتنقل من جنة إلى جنة على ما هو معروف من طبع البشر من شهوة مثل ذلك و معنى دون هنا مكان قريب من الشيء بالإضافة إلى غيره مما ليس له مثل قربه و هو ظرف مكان و إنما كان التنقل من جنة إلى جنة أخرى أنفع لأنه أبعد من الملل الذي طبع عليه البشر و قيل إن المعنى إنهما دون الجنتين الأوليين في الفضل فقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال جنتان من فضة آنيتهما و ما فيهما و جنتان من ذهب آنيتهما و ما فيهما و روى العياشي بالإسناد عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له جعلت فداك أخبرني عن الرجل المؤمن تكون له امرأة مؤمنة يدخلان الجنة يتزوج أحدهما الآخر فقال يا أبا محمد إن الله حكم عدل إذا كان هو أفضل منها خيره فإن اختارها كانت من أزواجه و إن كانت هي خيرا منه خيرها فإن اختارته كان زوجا لها قال و قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا تقولن الجنة واحدة أن الله يقول «و من دونهما جنتان» و لا تقولن درجة واحدة أن الله يقول درجات بعضها فوق بعض إنما تفاضل القوم بالأعمال قال و قلت له إن المؤمنين يدخلان الجنة فيكون أحدهما أرفع مكانا من الآخر فيشتهي أن يلقى صاحبه قال من كان فوقه فله أن يهبط و من كان تحته لم يكن له أن يصعد لأنه لا يبلغ ذلك المكان و لكنهم إذا أحبوا ذلك و اشتهوه التقوا على الأسرة و عن العلاء بن سيابة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قلت له إن الناس يتعجبون منا إذا قلنا يخرج قوم من جهنم فيدخلون الجنة فيقولون لنا فيكونون مع أولياء الله في الجنة فقال يا علاء إن الله

يقول «و من دونهما جنتان» لا و الله لا يكونون مع أولياء الله قلت كانوا كافرين قال (عليه السلام) لا و الله لو كانوا ما دخلوا الجنة قلت كانوا مؤمنين قال لا و الله لو كانوا مؤمنين ما دخلوا النار و لكن بين ذلك و تأويل هذا لو صح الخبر أنهم لم يكونوا من أفاضل المؤمنين و أخيارهم ثم وصف الجنتين فقال «مدهامتان» أي من خضرتهما قد اسودتا من الري و كل نبت أخضر فتمام خضرته أن يضرب إلى السواد و هو على أتم ما يكون من الحسن و هذا على قول من قال إن الجنات الأربع لمن خاف مقام ربه و هو قول ابن عباس و قيل الأوليان للسابقين و الأخريان للتابعين عن الحسن «فيهما عينان نضاختان» أي فوارتان بالماء ينبع من أصلهما ثم يجريان عن الحسن قال ابن عباس تنضخ على أولياء الله بالمسك و العنبر و الكافور و قيل تنضخان بأنواع الخبرات «فيهما فاكهة» يعني ألوان الفاكهة «و نخل و رمان» و حكى الزجاج عن يونس النحوي و هو من قدماء النحويين أن النخل و الرمان من أفضل الفواكه و إنما فصلا بالواو لفضلهما قال الأزهري ما علمت أن أحدا من العرب قال في النخل و الكرم و ثمارها إنها ليست من الفاكهة و إنما قال ذلك من قال لقلة علمه بكلام العرب و تأويل القرآن العربي المبين و العرب تذكر الأشياء جملة ثم تختص شيئا منها بالتسمية تنبيها على فضل فيه كما قال سبحانه من كان عدوا لله و ملائكته و رسله و جبريل و ميكال «فيهن» يعني في الجنات الأربع «خيرات حسان» أي نساء خيرات الأخلاق حسان الوجوه روته أم سلمة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قيل خيرات فاضلات في الصلاح و الجمال عن الحسن حسان في المناظر و الألوان و قيل إنهن نساء الدنيا ترد عليهم في الجنة و هن أجل من الحور العين و قيل خيرات مختارات عن جرير بن عبد الله و قيل لسن بذربات و لا زفرات و لا بخرات و لا متطلعات و لا متسوفات و لا متسلطات و لا طماخات و لا طوافات في الطرق و لا يغرن و لا يؤذين و قال عقبة بن عبد الغفار و نساء أهل الجنة يأخذ بعضهن بأيدي بعض و يتغنين بأصوات لم يسمع الخلائق مثلها:

{نحن الراضيات فلا نسخط} {ونحن المقيمات فلا نظعن} {ونحن خيرات حسان} {حبيبات الأزواج كرام}

و قالت عائشة أن الحور العين إذا قلن هذه المقالة أجابتهن المؤمنات من نساء الدنيا نحن المصليات و ما صليتن و نحن الصائمات و ما صمتن و نحن المتوضئات و ما توضأتن و نحن المتصدقات و ما تصدقتن فغلبتهن و الله «حور» أي بيض حسان البياض عن ابن عباس و مجاهد و منه الدقيق الحواري لشدة بياضه و العين الحوراء إذا كانت شديدة بياض البياض شديدة سواد السواد و بذلك يتم حسن العين «مقصورات في الخيام» أي محبوسات

###

في الحجال مستورات في القباب عن ابن عباس و أبي العالية و الحسن و المعنى إنهن مصونات مخدرات لا يبتذلن و قيل مقصورات أي قصرن على أزواجهن فلا يردن بدلا منهم عن مجاهد و الربيع و قيل إن لكل زوجة خيمة طولها ستون ميلا عن ابن مسعود و روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال الخيمة درة واحدة طولها في السماء ستون ميلا في كل زاوية منها أهلا (؟ ) للمؤمن لا يراه الآخرون و عن ابن عباس قال الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ فيها أربعة آلاف مصراع عن وهب و عن أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال مررت ليلة أسري بي بنهر حافتاه قباب المرجان فنوديت منه السلام عليك يا رسول الله فقلت يا جبرائيل من هؤلاء قال هؤلاء جوار من الحور العين استأذن ربهن عز و جل أن يسلمن عليك فأذن لهن فقلن نحن الخالدات فلا نموت و نحن الناعمات فلا نياس أزواج رجال كرام ثم قرأ (صلى الله عليه وآله وسلم) «حور مقصورات في الخيام» «لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان» مر معناه و الوجه في التكرير الإبانة عن أن صفة الحور المقصورات في الخيام كصفة القاصرات الطرف «متكئين على رفرف خضر» أي على فرش مرتفعة عن الجبائي و قيل الرفرف رياض الجنة و الواحدة رفرفة عن سعيد بن جبير و قيل هي المجالس عن ابن عباس و قتادة و الضحاك و قيل هي المرافق يعني الوسائد عن الحسن «و عبقري حسان» أي و زرابي حسان عن ابن عباس و سعيد بن جبير و قتادة و هي الطنافس و قيل العبقري الديباج عن مجاهد و قيل هي البسط عن الحسن قال القتيبي كل ثوب موشى فهو عبقري و هو جمع و لذلك قال حسان ثم ختم السورة بما ينبغي أن يبجل به و يعظم فقال «تبارك اسم ربك» أي تعاظم و تعالى اسم ربك لأنه استحق أن يوصف بما لا يوصف به غيره من كونه قديما و إلها و قادرا لنفسه و عالما لنفسه و حيا لنفسه و غير ذلك «ذي الجلال» أي ذي العظمة و الكبرياء «و الإكرام» يكرم أهل دينه و ولايته عن الحسن و قيل معناه عظمة البركة في اسم ربك فاطلبوا البركة في كل شيء بذكر اسمه و قيل إن اسم صلة لمعنى تبارك ربك قال لبيد:

{إلى الحول ثم اسم السلام عليكما --- ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر}

و قيل إن المعنى أن اسمه منزه عن كل سوء له الأسماء الحسنى و قد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال انطقوا بيا ذا الجلال و الإكرام أي داوموا عليه.