۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الرحمن، آية ٥١

التفسير يعرض الآيات ٤٦ إلى ٦١

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلِمَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ ٤٦ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٧ ذَوَاتَآ أَفۡنَانٖ ٤٨ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٩ فِيهِمَا عَيۡنَانِ تَجۡرِيَانِ ٥٠ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥١ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَٰكِهَةٖ زَوۡجَانِ ٥٢ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٣ مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ فُرُشِۭ بَطَآئِنُهَا مِنۡ إِسۡتَبۡرَقٖۚ وَجَنَى ٱلۡجَنَّتَيۡنِ دَانٖ ٥٤ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٥ فِيهِنَّ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ لَمۡ يَطۡمِثۡهُنَّ إِنسٞ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جَآنّٞ ٥٦ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٧ كَأَنَّهُنَّ ٱلۡيَاقُوتُ وَٱلۡمَرۡجَانُ ٥٨ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٩ هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ ٦٠ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦١

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ لِمَنْ خَاف مَقَامَ رَبِّهِ جَنّتَانِ (46) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تجْرِيَانِ (50) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِن كلِّ فَكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) مُتّكِئِينَ عَلى فُرُشِ بَطائنهَا مِنْ إِستَبرَقٍ وَ جَنى الْجَنّتَينِ دَانٍ (54) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55) فِيهِنّ قَصِرَت الطرْفِ لَمْ يَطمِثهُنّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَ لا جَانّ (56) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنهُنّ الْيَاقُوت وَ الْمَرْجَانُ (58) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59) هَلْ جَزَاءُ الاحْسنِ إِلا الاحْسنُ (60) فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61)

القراءة

قرأ الكسائي وحده لم يطمثهن بكسر الميم في إحداهما و ضمها في الأخرى و الباقون بكسر الميم في الحرفين معا.

الحجة

قال أبو علي يطمث و يطمث لغتان و قال أبو عبيدة لم يطمثهن أي لم يمسهن يقال ما طمث هذا البعير حبل قط أي ما مسه قال رؤبة:

كالبيض لم يطمث بهن طامث.

اللغة

الأفنان جمع فنن و هو الغصن الغض الورق و منه قولهم هذا فن آخر أي نوع آخر و يجوز أن يكون جمع فن و الاتكاء الاستناد للتكرمة و الإمتاع و التكأة تطرح للإنسان في مجالس الملوك للإكرام و الإجلال و هو من وكات السقاء إذا شددته و منه قولهم العين وكا الستة و الفرش جمع فراش و هو الموطإ الممهد للنوم عليه و البطائن جمع بطانة و هو باطن الظهارة و الجنى الثمرة التي قد أدركت على الشجرة و هو صلح أن يجني و منه قول عمرو بن عدي:

{هذا جناي و خياره فيه --- إذ كل جان يده إلى فيه}

و تمثل به علي (عليه السلام) و أصل الطمث الدم يقال طمثت المرأة إذا حاضت و طمثت إذا دميت بالاقتضاض و بعير لم يطمث إذا لم يمسه حبل و لا رحل قال الفرزدق:

{دفعن إلي لم يطمثن قبلي --- و هن أصح من بيض النعام}

الإعراب

متكئين حال من المجرورة باللام أي لهم جنتان في هذه الحالة و ما بين قوله «جنتان» إلى قوله «متكئين» صفات لجنتين «بطائنها من استبرق» ابتداء و خبر في موضع الجر وصف لفرش و قوله «و جنى الجنتين دان» اعتراض و قوله «فيهن قاصرات الطرف» صفة أخرى لفرش و قوله «كأنهن الياقوت و المرجان» حال لقاصرات الطرف أي مشابهات للياقوت و المرجان و قوله «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان» اعتراض بين المعطوف و المعطوف عليه و التقدير و لهم من دونهما جنتان.

المعنى

ثم عقب سبحانه الوعيد بالوعد فقال «و لمن خاف مقام ربه» أي مقامه بين يدي ربه للحساب فترك المعصية و الشهوة قال مجاهد و هو الذي يهم بالمعصية فيذكر الله تعالى فيدعها و قيل هذا لمن راقب الله تعالى في السر و العلانية جملة فما عرض له من محرم تركه من خشية الله و ما عرض له من خير عمله و أفضى به إلى الله تعالى لا يطلع عليه أحد و قال الصادق (عليه السلام) من علم أن الله يراه و يسمع ما يقول من خير و شر فيحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال فله «جنتان» أي جنة عدن و جنة النعيم عن مقاتل و قيل بستانان من بساتين الجنة إحداهما داخل القصر و الأخرى خارج القصر كما يشتهي الإنسان في الدنيا و قيل إحدى الجنتين منزله و الأخرى منزل أزواجه و خدمه عن الجبائي و قيل جنة من ذهب و جنة من فضة ثم وصف الجنتين فقال «ذواتا أفنان» أي ذواتا ألوان من النعيم عن ابن عباس و قيل ذواتا ألوان من الفواكه عن الضحاك و قيل ذواتا أغصان عن الأخفش و الجبائي و مجاهد أي ذواتا أشجار لأن الأغصان لا تكون إلا من الشجر فدل بكثرة أغصانها على كثرة أشجارها و بكثرة أشجارها على تمام حالها و كثرة ثمارها لأن البستان إنما يكمل بكثرة الأشجار و الأشجار لا تحسن إلا بكثرة الأغصان «فيهما عينان تجريان» أي في الجنتين عينان من الماء تجريان بين أشجارهما و قيل عينان إحداهما السلسبيل و الأخرى التسنيم عن الحسن و قيل إحداهما من ماء غير آسن و الأخرى من خمر لذة للشاربين عن عطية العوفي «فيهما من كل فاكهة زوجان» أي في كلتا الجنتين من كل ثمرة نوعان و ضربان متشاكلان كتشاكل الذكر و الأنثى فلذلك سماهما زوجين و ذلك كالرطب و اليابس من العنب و الزبيب و الرطب و اليابس من التين و كذلك سائر الأنواع لا يقصر يابسة عن رطبة في الفضل و الطيب و قيل معناه فيهما من كل نوع من الفاكهة ضربان ضرب معروف و ضرب من شكله غريب لم يعرفوه في الدنيا «متكئين» حال ممن ذكروا في قوله «و لمن خاف مقام ربه» أي قاعدين كالملوك «على فرش بطائنها من استبرق» أي من ديباج غليظ ذكر البطانة و لم يذكر الظهارة لأن البطانة تدل على أن لها ظهارة و البطانة دون الظهارة فدل على أن الظهارة فوق الإستبرق و قيل إن الظهائر من سندس و هو الديباج الرقيق و البطانة من استبرق و قيل الإستبرق الحرير الصيني

و هو بين الغليظ و الدقيق و روي عن ابن مسعود أنه قال هذه البطائن فما ظنكم بالظهائر و قيل لسعيد بن جبير البطائن من استبرق فما الظهائر قال هذا مما قال الله تعالى «فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين» «و جنى الجنتين دان» الجنى الثمر المجتنى أي تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي الله إن شاء قائما و إن شاء قاعدا عن ابن عباس و قيل ثمار الجنتين دانية إلى أفواه أربابها فيتناولونها متكئين فإذا اضطجعوا نزلت بإزاء أفواههم فيتناولونها مضطجعين لا يرد أيديهم عنها بعد و لا شوك عن مجاهد «فيهن» أي في الفرش التي ذكرها و يجوز أن يريد في الجنان لأنها معلومة و إن لم تذكر «قاصرات الطرف» قصرن طرفهن على أزواجهن لم يردن غيرهم عن قتادة و قال أبو ذر أنها تقول لزوجها و عزة ربي ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك فالحمد لله الذي جعلني زوجتك و جعلك زوجي و الطرف جفن العين لأنه طرف لها ينطبق عليها تارة و ينفتح تارة «لم يطمثهن» أي لم يفتضهن و الافتضاض النكاح بالتدمية و المعنى لم يطأهن و لم يغشهن «إنس قبلهم و لا جان» فهن أبكار لأنهن خلقن في الجنة فعلى هذا القول هؤلاء من حور الجنة و قيل هن من نساء الدنيا لم يمسسهن منذ أنشئن خلق عن الشعبي و الكلبي أي لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنس و لا جان قال الزجاج و في هذه الآية دليل على أن الجني يغشى كما يغشى الإنسي و قال ضمرة بن حبيب و فيها دليل على أن للجن ثوابا و أزواجا من الحور فالإنسيات للإنس و الجنيات للجن قال البلخي المعنى إن ما يهب الله لمؤمني الإنس من الحور لم يطمثهن إنس و ما يهب الله لمؤمني الجن من الحور لم يطمثهن جان «كأنهن الياقوت و المرجان» أي هن على صفاء الياقوت في بياض المرجان عن الحسن و قتادة و قال الحسن المرجان أشد اللؤلؤ بياضا و هو صغاره و في الحديث أن المرأة من أهل الجنة يرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة من حرير عن ابن مسعود كما يرى السلك من وراء الياقوت «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان» أي ليس جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة و قيل هل جزاء من قال لا إله إلا الله و عمل بما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا الجنة عن ابن عباس و جاءت الرواية عن أنس بن مالك قال قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الآية فقال هل تدرون ما يقول ربكم قالوا الله و رسوله أعلم قال فإن ربكم يقول هل جزاء من أنعمنا عليه بالتوحيد إلا الجنة و قيل معناه هل جزاء من أحسن إليكم بهذه النعم إلا أن تحسنوا في شكره و عبادته و روى العياشي بإسناده عن الحسين بن سعيد عن عثمان بن عيسى عن علي بن سالم قال سمعت أبا عبد الله

(عليه السلام) يقول آية في كتاب الله مسجلة قلت ما هي قال قول الله تعالى «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان» جرت في الكافر و المؤمن و البر و الفاجر و من صنع إليه معروف فعليه أن يكافىء به و ليس المكافاة أن تصنع كما صنع حتى يربي فإن صنعت كما صنع كان له الفضل بالابتداء.