۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة القمر، آية ٥٤

التفسير يعرض الآيات ٤٣ إلى ٥٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

أَكُفَّارُكُمۡ خَيۡرٞ مِّنۡ أُوْلَٰٓئِكُمۡ أَمۡ لَكُم بَرَآءَةٞ فِي ٱلزُّبُرِ ٤٣ أَمۡ يَقُولُونَ نَحۡنُ جَمِيعٞ مُّنتَصِرٞ ٤٤ سَيُهۡزَمُ ٱلۡجَمۡعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ٤٥ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوۡعِدُهُمۡ وَٱلسَّاعَةُ أَدۡهَىٰ وَأَمَرُّ ٤٦ إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٖ ٤٧ يَوۡمَ يُسۡحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ ٤٨ إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ ٤٩ وَمَآ أَمۡرُنَآ إِلَّا وَٰحِدَةٞ كَلَمۡحِۭ بِٱلۡبَصَرِ ٥٠ وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَآ أَشۡيَاعَكُمۡ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٥١ وَكُلُّ شَيۡءٖ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ ٥٢ وَكُلُّ صَغِيرٖ وَكَبِيرٖ مُّسۡتَطَرٌ ٥٣ إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَهَرٖ ٥٤ فِي مَقۡعَدِ صِدۡقٍ عِندَ مَلِيكٖ مُّقۡتَدِرِۭ ٥٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

أَ كُفّارُكمْ خَيرٌ مِّنْ أُولَئكمْ أَمْ لَكم بَرَاءَةٌ فى الزّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نحْنُ جَمِيعٌ مّنتَصِرٌ (44) سيهْزَمُ الجَْمْعُ وَ يُوَلّونَ الدّبُرَ (45) بَلِ الساعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَ الساعَةُ أَدْهَى وَ أَمَرّ (46) إِنّ الْمُجْرِمِينَ فى ضلَلٍ وَ سعُرٍ (47) يَوْمَ يُسحَبُونَ فى النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَس سقَرَ (48) إِنّا كلّ شىْءٍ خَلَقْنَهُ بِقَدَرٍ (49) وَ مَا أَمْرُنَا إِلا وَحِدَةٌ كلَمْح بِالْبَصرِ (50) وَ لَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مّدّكرٍ (51) وَ كلّ شىْءٍ فَعَلُوهُ فى الزّبُرِ (52) وَ كلّ صغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مّستَطرٌ (53) إِنّ المُْتّقِينَ فى جَنّتٍ وَ نهَرٍ (54) فى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مّقْتَدِرِ (55)

القراءة

قرأ يعقوب عن رويس سنهزم الجمع و الباقون «سيهزم الجمع» و في الشواذ قراءة أبي السماك إنا كل شيء بالرفع و قراءة زهير و القرقني و الأعمش و نهر بضمتين.

الحجة

قال ابن جني الرفع في قوله «إنا كل شيء خلقناه» أقوى من النصب و إن كانت الجماعة على النصب و ذلك أنه من مواضع الابتداء فهو كقولك زيد ضربته و هو مذهب

صاحب الكتاب لأنها جملة وقعت في الأصل خبرا عن المبتدأ في قولك نحن كل شيء خلقناه بقدر فهو كقولك زيد هند ضربها ثم دخلت أن فنصبت الاسم و بقي الخبر على تركيبه الذي كان عليه و اختيار محمد بن يزيد النصب لأن تقديره إنا فعلنا كذا قال و الفعل منتظر بعد إنا فلما دل عليه ما قبله حسن إضماره قال ابن جني و هذا ليس بشيء لأن الأصل في خبر المبتدأ أن يكون اسما لا فعلا جزاء منفردا فما معنى توقع الفعل هنا و خبر إن و أخواتها كإخبار المبتدأ و قوله نهر جمع نهر فيكون كأسد و أسد و وثن و وثن و يجوز أن يكون جمع نهر كسقف و سقف و رهن و رهن.

المعنى

ثم خوف سبحانه كفار مكة فقال «أ كفاركم خير» و أشد و أقوى «من أولئكم» الذين ذكرناهم و قد أهلكناهم و هذا استفهام إنكار أي لستم أفضل من قوم نوح و عاد و ثمود لا في القوة و لا في الثروة و لا في كثرة العدد و العدة و المراد بالخير ما يتعلق بأسباب الدنيا لا أسباب الدين و المعنى أنه إذا هلك أولئك الكفار فما الذي يؤمنكم أن ينزل بكم ما نزل بهم «أم لكم براءة في الزبر» أي أ لكم براءة من العذاب في الكتب السالفة أنه لن يصيبكم ما أصاب الأمم الخالية «أم يقولون نحن جميع منتصر» أي أم يقول هؤلاء الكفار نحن جميع أمرنا ننتصر من أعدائنا عن الكلبي و المعنى أنهم يقولون نحن يد واحدة على من خالفنا ننتصر ممن عادانا فيدلون بقوتهم و اجتماعهم و وحد منتصر للفظ الجميع فإنه واحد في اللفظ و إن كان اسما للجماعة كالرهط و الجيش أي كما أنهم ليسوا بخير من أولئك و لا لهم براءة فكذلك لا جمع لهم يمنع عنهم عذاب الله و ينصرهم و إن قالوا نحن مجتمعون متناصرون فلا نرام و لا نقصد و لا يطمع أحد في غلبتنا ثم قال سبحانه «سيهزم الجمع» أي جمع كفار مكة «و يولون الدبر» أي ينهزمون فيولونكم أدبارهم في الهزيمة ثم أخبر سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه سيظهره عليهم و يهزمهم فكانت هذه الهزيمة يوم بدر فكان موافقة الخبر للمخبر من معجزاته

ثم قال سبحانه «بل الساعة موعدهم» أي إن موعد الجميع للعذاب يوم القيامة «و الساعة أدهى و أمر» فالأدهى الأعظم في الدهاء و الدهاء عظم سبب الضرر مع شدة انزعاج النفس و هو من الداهية أي البلية التي ليس في إزالتها حيلة و المعنى أن ما يجري عليهم من القتل و الأسر يوم بدر و غيره لا يخلصهم من عقاب الآخرة بل عذاب الآخرة أعظم في الضرر و أقطع و أمر أي أشد مرارة من القتل و الأسر في الدنيا و قيل الأمر الأشد في استمرار البلاء لأن أصل المر النفوذ ثم بين سبحانه حال القيامة فقال «إن المجرمين في ضلال و سعر» أي في ذهاب عن وجه النجاة و طريق الجنة في نار مسعرة عن الجبائي و قيل في ضلال أي في هلاك و ذهاب عن الحق و سعر أي عناء و عذاب «يوم يسحبون» أي يجرون «في النار على وجوههم» يعني أن هذا العذاب يكون لهم في يوم يجرهم الملائكة فيه على وجوههم في النار و يقال لهم «ذوقوا مس سقر» يعني أصابتها إياهم بعذابها و حرها و هو كقولهم وجدت مس الحمى و سقر جهنم و قيل هي باب من أبوابها و أصل السقر التلويح يقال سقرته الشمس و صقرته إذا لوحته و إنما لم ينصرف للتعريف و التأنيث «إنا كل شيء خلقناه بقدر» أي خلقنا كل شيء خلقناه مقدرا بمقدار توجبه الحكمة لم نخلقه جزافا و لا تخبيتا فخلقنا العذاب أيضا على قدر الاستحقاق و كذلك كل شيء في الدنيا و الآخرة خلقناه مقدار بمقدار معلوم عن الجبائي و قيل معناه خلقنا كل شيء على قدر معلوم فخلقنا اللسان للكلام و اليد للبطش و الرجل للمشي و العين للنظر و الأذن للسماع و المعدة للطعام و لو زاد أو نقص عما قدرناه لما تم الغرض عن الحسن و قيل معناه جعلنا لكل شيء شكلا يوافقه و يصلح له كالمرأة للرجل و الأتان للحمار و ثياب الرجال للرجال و ثياب النساء للنساء عن ابن عباس و قيل خلقنا كل شيء بقدر مقدر و قضاء محتوم في اللوح المحفوظ

«و ما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر» أي و ما أمرنا بمجيء الساعة في السرعة إلا كطرف البصر عن ابن عباس و الكلبي و معنى اللمح النظر بالعجلة و هو خطف البصر و المعنى إذا أردنا قيام الساعة أعدنا الخلق و جميع المخلوقات في قدر لمح البصر في السرعة و قيل معناه و ما أمرنا إذا أردنا أن نكون شيئا إلا مرة واحدة لم نحتج فيه إلى ثانية و إنما نقول له كن فيكون كلمح البصر في سرعته من غير إبطاء و لا تأخير عن الجبائي «و لقد أهلكنا أشياعكم» أي أشباهكم و نظائركم ففي الكفر من الأمم الماضية عن الحسن و سماهم أشياعهم لما وافقوهم في الكفر و تكذيب الأنبياء «فهل من مدكر» أي فهل من متذكر لما يوجبه هذا الوعظ من الانزجار عن مثل ما سلف من أعمال الكفار لئلا يقع به ما وقع بهم من الإهلاك «و كل شيء فعلوه في الزبر» أي في الكتب التي كتبها الحفظة و هذه إشارة إلى أنهم غير مغفول عنهم عن الجبائي و قيل معناه أن جميع ذلك مكتوب عليهم في الكتاب المحفوظ لأنه من أعظم العبرة في علم ما يكون قبل أن يكون على التفصيل «و كل صغير و كبير مستطر» أي و ما قدموه من أعمالهم من صغير و كبير مكتوب عليهم عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الضحاك و قيل معناه كل صغير و كبير من الأرزاق و الآجال و الموت والحياة و نحوها مكتوب في اللوح المحفوظ «إن المتقين في جنات و نهر» أي أنهار يعني أنهار الجنة من الماء و الخمر و العسل وضع نهر في موضع أنهار لأنه اسم جنس يقع على الكثير و القليل و الأولى أن يكون إنما وحد لوفاق الفواصل و النهر هو المجرى الواسع من مجاري الماء «في مقعد صدق» أي في مجلس حق لا لغو فيه و لا تأثيم و قيل وصفه بالصدق لكونه رفيعا مرضيا و قيل لدوام النعيم به و قيل لأن الله صدق وعد أوليائه فيه «عند مليك مقتدر» أي عند الله سبحانه فهو المالك القادر الذي لا يعجزه شيء و ليس المراد قرب المكان تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا بل المراد أنهم في كنفه و جواره و كفايته حيث تنالهم غواشي رحمته و فضله.