۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة القمر، آية ١٢

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ٢١

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

فَفَتَحۡنَآ أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٖ مُّنۡهَمِرٖ ١١ وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ عُيُونٗا فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ ١٢ وَحَمَلۡنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلۡوَٰحٖ وَدُسُرٖ ١٣ تَجۡرِي بِأَعۡيُنِنَا جَزَآءٗ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ١٤ وَلَقَد تَّرَكۡنَٰهَآ ءَايَةٗ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ١٥ فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ١٦ وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ١٧ كَذَّبَتۡ عَادٞ فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ١٨ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِي يَوۡمِ نَحۡسٖ مُّسۡتَمِرّٖ ١٩ تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٖ مُّنقَعِرٖ ٢٠ فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ٢١

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

فَفَتَحْنَا أَبْوَب السمَاءِ بمَاءٍ مّنهَمِرٍ (11) وَ فَجّرْنَا الأَرْض عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَ حَمَلْنَهُ عَلى ذَاتِ أَلْوَحٍ وَ دُسرٍ (13) تجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كانَ كُفِرَ (14) وَ لَقَد تّرَكْنَهَا ءَايَةً فَهَلْ مِن مّدّكِرٍ (15) فَكَيْف كانَ عَذَابى وَ نُذُرِ (16) وَ لَقَدْ يَسرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مّدّكِرٍ (17) كَذّبَت عَادٌ فَكَيْف كانَ عَذَابى وَ نُذُرِ (18) إِنّا أَرْسلْنَا عَلَيهِمْ رِيحاً صرْصراً فى يَوْمِ نحْسٍ مّستَمِرٍّ (19) تَنزِعُ النّاس كَأَنهُمْ أَعْجَازُ نخْلٍ مّنقَعِرٍ (20) فَكَيْف كانَ عَذَابى وَ نُذُرِ (21)

القراءة

قرأ أبو جعفر و ابن عامر و يعقوب ففتحنا بالتشديد و الباقون بالتخفيف.

الحجة

وجه التخفيف أن فعلنا بالتخفيف يدل على القليل و الكثير و وجه التثقيل أنه يخص الكثير و يقويه قوله «مفتحة لهم الأبواب».

اللغة

الهمر صب الدمع و الماء بشدة و الانهمار الانصباب قال امرؤ القيس:

{راح تمريه الصبا ثم انتحى --- فيه شؤبوب جنوب منهمر}

والتفجير تشقيق الأرض عن الماء و العيون جمع عين الماء و هو ما يفور من الأرض مستديرا كاستدارة عين الحيوان فالعين مشتركة بين عين الحيوان و عين الماء و عين الذهب و عين السحاب و عين الركبة و الدسر المسامير التي تشد بها السفينة واحدها دسار و دسير و دسرت السفينة أدسرها دسرا إذا شددتها و قيل إن أصل الباب الدفع يقال دسره بالرمح إذا دفعه بشدة و الدسر صدر السفينة لأنه يدسر به الماء أي يدفع و منه الحديث في العنبر هو شيء دسره البحر و مدكر أصله مذتكر فقلبت التاء دالا لتواخي الذال بالجهر ثم أدغمت الذال فيها و النذر اسم من الإنذار يقوم مقام المصدر يقال أنذره نذرا بمعنى إنذارا و مثله أنزله نزلا بمعنى إنزالا و يجوز أن يكون جمع نذير و الصرصر الريح الشديدة الهبوب حتى يسمع صوتها و هو مضاعف صر يقال صر و صرصر و كب و كبكب و نه و نهنه و المستمر الجاري على طريقة واحدة و أعجاز النخل أسافله و النخل يذكر و يؤنث و المنقعر المنقلع عن أصله لأن قعر الشيء قراره و تقعر في كلامه تقعرا إذا تعمق.

الإعراب

عيونا نصب على التمييز أو الحال و الأصل و فجرنا عيون الأرض و المعنى و فجرنا جميع الأرض عيونا و يجوز أن يكون تقديره بعيون فحذف الجار و يجوز أن يكون التقدير و فجرنا من الأرض عيونا و قوله «على أمر» في موضع نصب على الحال و قوله «بأعيننا» في موضع نصب بأنه ظرف مكان جزاء منصوب بأنه مفعول له و يجوز أن يكون مصدرا وضع موضع الحال و المعنى فعلنا ذلك مجازين جزاء و آية منصوبة على الحال من الهاء في تركناها.

المعنى

ثم بين سبحانه إجابته لدعاء نوح (عليه السلام) فقال «ففتحنا أبواب السماء» هاهنا حذف معناه فاستجبنا لنوح دعاءه ففتحنا أبواب السماء أي أجرينا الماء من السماء كجريانه إذا فتح عنه باب كان مانعا له و ذلك من صنع الله الذي لا يقدر عليه سواه و جاز ذلك على طريق البلاغة «بماء منهمر» أي منصب انصبابا شديدا لا ينقطع «و فجرنا الأرض عيونا» أي شققنا الأرض بالماء عيونا حتى جرى الماء على وجه الأرض «فالتقى الماء» يعني فالتقى الماءان: ماء السماء و ماء الأرض و إنما لم يثن لأنه اسم جنس يقع على القليل و الكثير «على أمر قد قدر» فيه هلاك القوم أي على أمر قد قدره الله تعالى و هو هلاكهم و قيل على أمر قد قدره الله تعالى و عرف مقداره فلا زيادة فيه و لا نقصان و قيل معناه أنه كان قدر ماء السماء مثل ما قدر ماء الأرض عن مقاتل و قيل معناه على أمر قدر عليهم في اللوح المحفوظ «و حملناه على ذات ألواح» أي و حملنا نوحا على سفينة ذات ألواح مركبة بعضها إلى بعض و ألواحها خشباتها التي منها جمعت «و دسر» أي مسامير شدت بها السفينة عن ابن عباس و قتادة و ابن زيد و قيل هو صدر السفينة يدسر بها الماء عن الحسن و جماعة و قيل هي أضلاع السفينة عن مجاهد و قيل الدسر طرفاها و أصلها و الألواح جانباها عن الضحاك «تجري» السفينة في الماء «بأعيننا» أي بحفظنا و حراستنا و بمرأى منا و منه قولهم عين الله عليك و قيل معناه بأعين أوليائنا و من وكلناهم بها من الملائكة و قيل معناه تجري بأعين الماء التي اتبعناها «جزاء لمن كان كفر» أي فعلنا به و بهم ما فعلنا من إنجائه و إغراقهم ثوابا لمن كان قد كفر به و جحد أمره و هو نوح (عليه السلام) و التقدير لمن جحد نبوته و أنكر حقه و كفر بالله فيه «و لقد تركناها» أي تركنا هذه الفعلة التي فعلناها «آية» أي علامة يعتبر بها و قيل معناه تركنا السفينة و نجاة من فيها و إهلاك الباقين دلالة باهرة على وحدانية الله تعالى و عبرة لمن اتعظ بها و كانت السفينة باقية حتى رآها أوائل هذه الأمة عن قتادة و قيل في كونها آية أنها كانت تجري بين ماء السماء و ماء الأرض و قد كان غطاها على ما أمر الله تعالى «فهل من مدكر» أي متذكر يعلم أن ذلك حق فيعتبر به و يخاف و قيل معناه فهل من طالب علم فيعان عليه عن قتادة «فكيف كان عذابي و نذر» هذا استفهام عن تلك الحالة و معناه التعظيم لذلك العذاب أي كيف رأيتم انتقامي منهم و إنذاري إياهم و قال الحسن النذر جمع نذير و إنما كرر سبحانه هذا القول في هذه السورة لأنه سبحانه لما ذكر أنواع الإنذار و العذاب عقد التذكير بشيء منه على التفصيل

«و لقد يسرنا القرآن للذكر» أي سهلناه للحفظ و القراءة حتى يقرأ كله ظاهرا و ليس من كتب الله المنزلة كتاب يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن عن سعيد بن جبير و التيسير للشيء هو تسهيله بما ليس فيه كثير مشقة على النفس فمن سهل له طريق العلم فهو حقيق بأخذ الحظ الجزيل منه لأن التسهيل أكبر داع إليه و تسهيل القرآن للذكر هو خفة ذلك على النفس بحسن البيان و ظهور البرهان في الحكم السنية و المعاني الصحيحة الموثوق بها لمجيئها من قبل الله تعالى و إنما صار الذكر من أجل ما يدعى إليه و يحث عليه لأنه طريق العلم لأن الساهي عن الشيء أو عن دليله لا يجوز أن يعلمه في حال سهوه فإذا تذكر الدلائل عليه و الطرق المؤدية إليه تعرض لعلمه من الوجه الذي ينبغي له «فهل من مدكر» أي متعظ معتبر به ناظر فيه ثم قال سبحانه «كذبت عاد» أي بالرسول الذي بعثه الله إليهم و هو هود (عليه السلام) فاستحقوا الهلاك فأهلكهم «فكيف كان عذابي» لهم «و نذر» أي و إنذاري إياهم ثم بين كيفية إهلاكهم فقال «إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا» أي شديدة الهبوب عن ابن زيد و قيل باردة عن ابن عباس و قتادة من الصر و هو البرد «في يوم نحس» أي في يوم شؤم «مستمر» أي دائم الشؤم استمر عليهم بنحوسته سبع ليال و ثمانية أيام حتى أتت عليهم و مستمر من صفة اليوم أي يوم مستمر ضرره عام هلاكه و قيل هو نعت للنحس أي استمر بهم العذاب و النحس في الدنيا حتى اتصل بالعقبى قال الزجاج و قيل أنه كان في يوم الأربعاء في آخر الشهر لا تدور رواه العياشي بالإسناد عن أبي جعفر (عليه السلام) «تنزع الناس» أي تقتلع هذه الريح الناس ثم ترمي بهم على رءوسهم فتدق رقابهم فيصيرون «كأنهم أعجاز نخل منقعر» أي أسافل نخل منقلع لأن رءوسهم سقطت عن أبدانهم عن مجاهد و قيل معناه تنزع الناس من حفر حفروها ليمتنعوا بها عن الريح و قيل معناه تنزع أرواح الناس عن الحسن «فكيف كان عذابي و نذر» و هو تعظيم للعذاب النازل بهم و تخويف لكفار مكة.