۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة النجم، آية ٩

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ ١ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ ٢ وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ ٣ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ٤ عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ ٥ ذُو مِرَّةٖ فَٱسۡتَوَىٰ ٦ وَهُوَ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٧ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ ٨ فَكَانَ قَابَ قَوۡسَيۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ ٩ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ وَ النّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضلّ صاحِبُكمْ وَ مَا غَوَى (2) وَ مَا يَنطِقُ عَنِ الهَْوَى (3) إِنْ هُوَ إِلا وَحْىٌ يُوحَى (4) عَلّمَهُ شدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرّةٍ فَاستَوَى (6) وَ هُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلى (7) ثمّ دَنَا فَتَدَلى (8) فَكانَ قَاب قَوْسينِ أَوْ أَدْنى (9) فَأَوْحَى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10)

القراءة

أمال حمزة و الكسائي و خلف أواخر آيات هذه السورة كلها و جميع أشباهها و قرأ أهل المدينة و أبو عمرو بين الفتح و الكسر إلى الفتح أقرب و كذلك كل سورة آياتها على الياء مثل سورة طه و الشمس و ضحاها و الليل إذا يغشى و الضحى و أشباهها و كل ما كان على وزن فعلى أو فعلى أو فعلى في جميع القرآن فإن أبا عمرو يقرؤها بين الفتح و الكسر أيضا في رواية شجاع و أكثر الروايات عن اليزيدي و الباقون يفتحون و يفخمون و ابن كثير و عاصم أشد تفخيما في ذلك كله.

الحجة

أما ترك الإمالة و التفخيم للألف فهو قول كثير من الناس و الإمالة أيضا قول كثير منهم فمن ترك كان مصيبا و من أخذ بها كان مصيبا.

اللغة

الهوي و النزول و السقوط نظائر هوى يهوي هويا أو هويا قال الهذلي:

{و إذا رميت به الفجاج رأيته --- يهوي مخارمها هوي الأجدل}

و منه سميت الهاوية لأنها تهوي بأهلها من أعلاها إلى أسفلها و الغي الخيبة و منه الغواية و الوحي إلقاء المعنى إلى النفس في خفيفة إلا أنه صار كالعلم فيما يلقيه الملك إلى النبي من البشر عن الله تعالى و منه قوله و أوحى ربك إلى النحل أي ألهمها مراشدها و القوة القدرة و أصله الشدة و أصل المرة شدة الفتل ثم تجري المرة على القدرة فالمرة و القوة و الشدة نظائر و الأفق ناحية السماء و جمعه آفاق و قد سمي نواحي الأرض آفاقا على التشبيه قال الشاعر في المعنى الأول:

{أخذنا بآفاق السماء عليكم --- لنا قمراها و النجوم الطوالع}

وقال امرؤ القيس في المعنى الثاني:

{لقد طوفت في الآفاق حتى --- رضيت من الغنيمة بالإياب}

والتدلي الامتداد إلى جهة السفل يقال دلاه صاحبه فتدلى و القاب و القيب و القاد و القيد عبارة عن مقدار الشيء.

الإعراب

«و هو بالأفق الأعلى» مبتدأ و خبر في موضع الحال و قال الفراء هو معطوف على الضمير في استوى أي استوى جبرائيل و النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالأفق الأعلى و التقدير استوى هو و هو قال و حسن ذلك لئلا يتكرر هو و أنشد:

{ألم تر أن النبع يصلب عوده --- ولا يستوي والخروع المتقصف}

قال الزجاج و هذا لا يجوز إلا في الشعر لأنهم يستقبحون استويت و زيد و إنما المعنى فاستوى جبرائيل و هو بالأفق الأعلى على صورته الحقيقية لأنه كان يتمثل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا هبط عليه بالوحي في صورة رجل فأحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يراه على صورته الحقيقية فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق:.

المعنى

«و النجم إذا هوى» فقيل في معناه أقوال ( أحدها ) أن الله أقسم بالقرآن إذ أنزل نجوما متفرقة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ثلاث و عشرين سنة عن الضحاك و مجاهد و الكلبي فسمي القرآن نجما لتفرقه في النزول و العرب تسمي التفريق تنجيما و المفرق منجما ( و ثانيها ) أنه أراد بالنجم الثريا أقسم بها إذا سقطت و غابت مع الفجر عن ابن عباس و مجاهد و العرب تطلق اسم النجم على الثريا خاصة قال أبو ذؤيب:

{فوردن و العيوق مقعد رابي --- الضرباء فوق النجم لا يتتلع}

قال ابن دريد و الثريا سبعة أنجم ستة ظاهرة و واحد خفي يمتحن الناس به أبصارهم ( و ثالثها ) أن المراد به جماعة النجوم إذا هوت أي سقطت و غابت و خفيت عن الحسن و أراد به الجنس كما قال الراعي:

{وبات يعد النجم في مستحيرة --- سريع بأيدي الأكلين جمودها}

ثم قيل أشار بأفول النجم إلى طلوعه لأن ما يأفل يطلع فاستدل بأفوله و طلوعه على وحدانية الله تعالى و حركات النجم و توصف بالهوي عن الجبائي و قيل إن هويه سقوطه يوم القيامة فيكون كقوله و إذا الكواكب انتثرت عن الحسن ( و رابعها ) أنه يعني به الرجوم من النجوم و هو ما يرمي به الشياطين عند استراق السمع عن ابن عباس و روت العامة عن جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نزل من السماء السابعة ليلة المعراج و لما نزلت السورة أخبر بذلك عتبة بن أبي لهب فجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و طلق ابنته و تفل في وجهه و قال كفرت بالنجم و برب النجم فدعا (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه و قال اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فخرج عتبة إلى الشام فنزل في بعض الطريق و ألقى الله عليه الرعب فقال لأصحابه أنيموني بينكم ليلا ففعلوا فجاء أسد فافترسه من بين الناس و في ذلك يقول حسان:

{سائل بني الأصفر إن جئتهم --- ما كان أنباء بني واسع} {لا وسع الله له قبره ---بل ضيق الله على القاطع} {رمى رسول الله من بينهم --- دون قريش رمية القاذع} {واستوجب الدعوة منه بما --- بين للناظر و السامع} {فسلط الله به كلبة --- يمشي الهوينا مشية الخادع} {والتقم الرأس بيافوخه --- والنحر منه قفرة الجائع} {من يرجع العام إلى أهله --- فما أكيل السبع بالراجع} {قد كان هذا لكم عبرة --- للسيد المتبوع والتابع}

###

«ما ضل صاحبكم و ما غوى» يعني النبي أي ما عدل عن الحق و ما فارق الهدى إلى الضلال و ما غوى فيما يؤديه إليكم و معنى غوى ضل و إنما أعاده تأكيدا و قيل معناه ما خاب عن إصابة الرشد و قيل ما خاب سعيه بل ينال ثواب الله و كرامته «و ما ينطق عن الهوى» أي و ليس ينطق بالهوى و هكذا كما يقال رميت بالقوس و عن القوس و قيل معناه و لا يتكلم بالقرآن و ما يؤديه إليكم عن الهوى الذي هو ميل الطبع «إن هو إلا وحي يوحى» أي ما القرآن و ما ينطق به من الأحكام إلا وحي من الله يوحي إليه أي يأتيه به جبرائيل و هو قوله «علمه شديد القوى» يعني جبرائيل (عليه السلام) أي القوي في نفسه و خلقته عن ابن عباس و الربيع و قتادة و القوى جمع القوة «ذو مرة» أي ذو قوة و شدة في خلقه عن الكلبي قال و من قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط من الماء الأسود فرفعها إلى السماء ثم قبلها و من شدته صيحته لقوم ثمود حتى هلكوا و قيل معناه ذو صحة و خلق حسن عن ابن عباس و قتادة و قيل شديد القوى في ذات الله ذو مرة أي صحة في الجسم سليم من الآفات و العيوب و قيل ذو مرة أي ذو مرور في الهواء ذاهبا و جائيا و نازلا و صاعدا عن الجبائي «فاستوى» جبرائيل على صورته التي خلق عليها بعد انحداره إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) «و هو» كناية عن جبرائيل (عليه السلام) أيضا «بالأفق الأعلى» يعني أفق المشرق و المراد بالأعلى جانب المشرق و هو فوق جانب المغرب في صعيد الأرض لا في الهواء قالوا إن جبرائيل كان يأتي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في صورة الآدميين فسأله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها فأراه نفسه مرتين مرة في الأرض و مرة في السماء أما في الأرض ففي الأفق الأعلى و ذلك أن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) كان بحراء فطلع له جبرائيل (عليه السلام) من المشرق فسد الأفق إلى المغرب فخر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مغشيا عليه فنزل جبرائيل (عليه السلام) في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه و هو قوله «ثم دنا فتدلى» و تقديره ثم تدلى أي قرب بعد بعده و علوه في الأفق الأعلى فدنا من محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قال الحسن و قتادة ثم دنا جبرائيل (عليه السلام) بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض فنزل إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و قال الزجاج معنى دنا و تدلى واحد لأن معنى دنا قرب و تدلى زاد في القرب كما تقول قد دنا مني فلان و قرب و لو قلت قرب مني و دنا جاز و قيل إن المعنى استوى جبرائيل (عليه السلام) أي ارتفع و علا إلى السماء بعد أن علم محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) عن سعيد بن المسيب و قيل استوى أي اعتدل واقفا في الهواء بعد أن كان ينزل بسرعة ليراه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الجبائي و قيل معناه استوى جبرائيل (عليه السلام) و محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالأفق الأعلى يعني السماء الدنيا ليلة المعراج عن الفراء «فكان قاب قوسين» أي كان ما بين جبرائيل و رسول الله قاب قوسين و القوس ما يرمي به عن مجاهد و عكرمة و عطا عن ابن عباس و خصت بالذكر على عادتهم يقال قاب قوس و قيب قوس و قيد قوس و قاد قوس و هو اختيار الزجاج و قيل معناه و كان قدر ذراعين عن عبد الله بن مسعود و سعيد بن جبير و شقيق بن سلمة و روي مرفوعا عن أنس بن مالك قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله «فكان قاب قوسين أو أدنى» قال قدر ذراعين أو أدنى من ذراعين فعلى هذا يكون معنى القوس ما يقاس به الشيء و الذراع يقاس به قال ابن السكيت قاس الشيء يقوسه قوسا لغة في قاسه يقيسه إذا قدره و قوله «أو أدنى» قال الزجاج إن العباد قد خوطبوا على لغتهم و مقدار فهمهم و قيل لهم في هذا ما يقال للذي يحدد فالمعنى فكان على ما تقدرونه أنتم قدر قوسين أو أقل من ذلك و هو كقوله أو يزيدون و قد مر القول فيه و قال عبد الله بن مسعود أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى جبرائيل (عليه السلام) و له ستمائة جناح أورده البخاري و مسلم في الصحيح «فأوحى إلى عبده ما أوحى» أي فأوحى الله على لسان جبرائيل إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أوحى و ما يحتمل أن تكون مصدرية و يحتمل أن تكون بمعنى الذي و قيل معناه فأوحى جبرائيل (عليه السلام) إلى عبد الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أوحى الله تعالى إليه عن الحسن و الربيع و ابن زيد و هو رواية عطا عن ابن عباس و قال سعيد بن جبير أوحي إليه أ لم يجدك يتيما فآوى إلى قوله «و رفعنا لك ذكرك» و قيل أوحي إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها أنت و على الأمم حتى تدخلها أمتك و قيل أوحى الله إليه سرا بسر و في ذلك يقول القائل:

{بين المحبين سر ليس يفشيه --- قول و لا قلم للخلق يحكيه} {سر يمازجه أنس يقابله --- نور تحير في بحر من التيه}