۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الطور، آية ٣٩

التفسير يعرض الآيات ٢٩ إلى ٤٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

فَذَكِّرۡ فَمَآ أَنتَ بِنِعۡمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٖ وَلَا مَجۡنُونٍ ٢٩ أَمۡ يَقُولُونَ شَاعِرٞ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ ٣٠ قُلۡ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُتَرَبِّصِينَ ٣١ أَمۡ تَأۡمُرُهُمۡ أَحۡلَٰمُهُم بِهَٰذَآۚ أَمۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٣٢ أَمۡ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُۥۚ بَل لَّا يُؤۡمِنُونَ ٣٣ فَلۡيَأۡتُواْ بِحَدِيثٖ مِّثۡلِهِۦٓ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ ٣٤ أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٣٥ أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ ٣٦ أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۜيۡطِرُونَ ٣٧ أَمۡ لَهُمۡ سُلَّمٞ يَسۡتَمِعُونَ فِيهِۖ فَلۡيَأۡتِ مُسۡتَمِعُهُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٣٨ أَمۡ لَهُ ٱلۡبَنَٰتُ وَلَكُمُ ٱلۡبَنُونَ ٣٩ أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ ٤٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

فَذَكرْ فَمَا أَنت بِنِعْمَتِ رَبِّك بِكاهِنٍ وَ لا مجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نّترَبّص بِهِ رَيْب الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبّصوا فَإِنى مَعَكُم مِّنَ الْمُترَبِّصِينَ (31) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَمُهُم بهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كانُوا صدِقِينَ (34) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السمَوَتِ وَ الأَرْض بَل لا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِندَهُمْ خَزَائنُ رَبِّك أَمْ هُمُ الْمُصيْطِرُونَ (37) أَمْ لهَُمْ سلّمٌ يَستَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُستَمِعُهُم بِسلْطنٍ مّبِينٍ (38) أَمْ لَهُ الْبَنَت وَ لَكُمُ الْبَنُونَ (39) أَمْ تَسئَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مّغْرَمٍ مّثْقَلُونَ (40)

القراءة

قرأ ابن كثير المسيطرون بالسين و في الغاشية بمصيطر بالصاد و قرأ ابن عامر كليهما بالسين و قرأ بإشمام الراء فيهما حمزة إلا العجلي فإنه قرأ بالصاد فيهما و قرأ الباقون بالصاد فيهما.

الحجة

قال أبو عبيدة المسيطرون الأرباب يقال تسيطرت علي اتخذتني خولا و الأصل السين و كل سين بعده طاء يجوز أن تقلب صادا تقول صطر و سطر و قد مر بيانه في سورة الفاتحة.

اللغة

الكاهن الذي يذكر أنه يخبر عن الحق على طريق العزائم و الكهانة صنعة الكاهن و المنون المنية و ريبها الحوادث التي تريب عند مجيئها قال:

{تربص بها ريب المنون لعلها --- سيهلك عنها بعلها أو سيجنح}

والتربص الانتظار بالشيء من انقلاب حال له إلى خلافها و الأحلام جمع الحلم و هو الإمهال الذي يدعو إليه العقل و الحكمة و المسيطر الملزم غيره أمرا من الأمور قهرا مأخوذ من السطر و المثقل المحمول عليه ما يشق حمله.

المعنى

ثم خاطب سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «فذكر» يا محمد أي فعظ هؤلاء المكلفين و لا تترك دعوتهم و إن أساءوا قولهم فيك «فما أنت بنعمة ربك» أي بأنعام ربك عليك بالنبوة و هذا قسم «بكاهن» و هو الذي يوهم أنه يعلم الغيب بطريق خدمة الجن «و لا مجنون» و هو الموءوف بما يغطي على عقله و قد علم الكفار أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس بكاهن و لا مجنون لكن قالوا ذلك على جهة التكذيب عليه ليستريحوا إلى ذلك كما يستريح السفهاء إلى التكذيب على أعدائهم «أم يقولون» أي بل يقولون هو «شاعر نتربص به ريب المنون» أي ننتظر به حدثان الموت و حوادث الدهر فيهلك كما هلك من تقدم من الشعراء و المنون يكون بمعنى الدهر و يكون بمعنى المنية و أم هذه المنقطعة بمعنى الترك و التحول كقول علقمة:

{هل ما علمت و ما استودعت مكتوم --- أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم}

فكأنه قال حبلها مصروم لأن بعده قوله:

{أم هل كبير بكى لم يقض عبرته --- إثر الأحبة يوم البين مسكوم}

ثم قال سبحانه «قل» لهم يا محمد «تربصوا فإني معكم من المتربصين» أي إنكم إن تربصتم في حوادث الدهر فإني منتظر مثل ذلك بكم و تربص الكفار بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و المؤمنين قبيح و تربص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و المؤمنين بالكفار و توقعهم لهلاكهم حسن و قوله «تربصوا» و إن كان بصيغة الأمر فالمراد به التهديد «أم تأمرهم أحلامهم بهذا» أي بل أ تأمرهم عقولهم بما يقولونه لك و يتربصونه بك قال المفسرون كانت عظماء قريش توصف بالأحلام و العقول فأزرى الله سبحانه بعقولهم حيث لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل ثم أخبر سبحانه عن طغيانهم فقال «أم هم قوم طاغون» و قرأ مجاهد بل هم قوم طاغون و بل في المعنى قريبة من أم هنا إلا أن ما بعد بل متيقن و ما بعد أم مشكوك فيه و المعنى أن عقولهم لم تأمرهم بهذا و لم تدعهم إليه بل حملهم الطغيان على تكذيبك «أم يقولون تقوله» أي افتعل القرآن و تكذبه من تلقاء نفسه و التقول تكلف القول و لا يقال ذلك إلا في الكذب «بل لا يؤمنون» أي ليس الأمر كما زعموا بل ثبت أنه من عند الله و لكنهم لا يصدقون بذلك عنادا و حسدا و استكبارا ثم ألزمهم سبحانه الحجة تحداهم فقال «فليأتوا بحديث مثله» أي مثل القرآن و ما يقاربه في نظمه و فصاحته و حسن بيانه و براعته «إن كانوا صادقين» في أنه تقوله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا لم يقدروا على الإتيان بمثله فليعلموا أن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يتقوله من تلقاء نفسه بل هو من عند الله تعالى ثم احتج عليهم بابتداء الخلق فقال «أم خلقوا من غير شيء» أي أم خلقوا لغير شيء أي أ خلقوا باطلا لا يحاسبون و لا يؤمرون و لا ينهون و نحو هذا عن الزجاج و قيل معناه أم خلقوا عبثا و تركوا سدى عن ابن كيسان و هذا في المعنى مثل الأول و قيل معناه أ خلقوا من غير خالق و مدبر دبرهم «أم هم الخالقون» أنفسهم فلا يجب عليهم لله أمر عن ابن عباس

«أم خلقوا السماوات و الأرض» و اخترعوهما فلذلك لا يقرون بالله و بأنه خالقهم «بل لا يوقنون» بأن لهم إلها يستحق العبادة وحده و إنك نبي من جهة الله «أم عندهم خزائن ربك» أي بأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة فيضعونها حيث شاءوا عن مقاتل و عكرمة و قيل أراد خزائن المطر و الرزق عن الكلبي و ابن عباس و قيل خزائنه مقدوراته فلا يأتيهم إلا ما يحبون عن الجبائي «أم هم المصيطرون» أي الأرباب المسلطون على الناس فليس عليهم مسيطر و لا لهم ملزم و مقوم و قيل معناه أم هم المالكون الناس القاهرون لهم عن الجبائي «أم لهم سلم» أي مرقى و مصعد إلى السماء «يستمعون فيه» الوحي من السماء فقد وثقوا بما هم عليه و ردوا ما سواه «فليأت مستمعهم بسلطان مبين» أي بحجة ظاهرة واضحة أن ادعي ذلك و التقدير يستمعون عليه فهو كقوله «و لأصلبنكم في جذوع النخل» و إنما قيل لهم ذلك لأن كل من يدعي ما لا يعلم ببداية العقول فعليه إقامة البينة و الحجة «أم له البنات و لكم البنون» و هذا تسفيه لأحلامهم إذ أضافوا إلى الله سبحانه ما أنفوا منه و هذا غاية في جهلهم إذ جوزوا عليه سبحانه الولد ثم ادعوا أنه اختار الأدون على الأعلى «أم تسئلهم أجرا» أي ثوابا على أداء الرسالة و على ما جئتهم به من الدين و الشريعة «فهم من مغرم مثقلون» أثقلهم ذلك الغرم الذي تسألهم فمنعهم ذلك عن الإيمان بك.