۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الذاريات، آية ٧

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٤

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرۡوٗا ١ فَٱلۡحَٰمِلَٰتِ وِقۡرٗا ٢ فَٱلۡجَٰرِيَٰتِ يُسۡرٗا ٣ فَٱلۡمُقَسِّمَٰتِ أَمۡرًا ٤ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٞ ٥ وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٞ ٦ وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡحُبُكِ ٧ إِنَّكُمۡ لَفِي قَوۡلٖ مُّخۡتَلِفٖ ٨ يُؤۡفَكُ عَنۡهُ مَنۡ أُفِكَ ٩ قُتِلَ ٱلۡخَرَّٰصُونَ ١٠ ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي غَمۡرَةٖ سَاهُونَ ١١ يَسۡـَٔلُونَ أَيَّانَ يَوۡمُ ٱلدِّينِ ١٢ يَوۡمَ هُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ يُفۡتَنُونَ ١٣ ذُوقُواْ فِتۡنَتَكُمۡ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ ١٤

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ وَ الذّرِيَتِ ذَرْواً (1) فَالحَْمِلَتِ وِقْراً (2) فَالجَْرِيَتِ يُسراً (3) فَالْمُقَسمَتِ أَمْراً (4) إِنمَا تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (5) وَ إِنّ الدِّينَ لَوَقِعٌ (6) وَ السمَاءِ ذَاتِ الحُْبُكِ (7) إِنّكمْ لَفِى قَوْلٍ مخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَك عَنْهُ مَنْ أُفِك (9) قُتِلَ الخَْرّصونَ (10) الّذِينَ هُمْ فى غَمْرَةٍ ساهُونَ (11) يَسئَلُونَ أَيّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) يَوْمَ هُمْ عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكمْ هَذَا الّذِى كُنتُم بِهِ تَستَعْجِلُونَ (14)

اللغة

ذرت الريح التراب تذروه ذروا إذا طيرته و أذرته تذرية بمعناه و الحبك الطرايق التي تجري على الشيء كالطرائق التي ترى في السماء و في الصافي من الماء إذا مرت عليه الريح و هو تكسر جار فيه و يقال للشعر الجعد حبك و الواحد حباك و حبيكة و الحبك حسن أثر الصنعة في الشيء و استواؤه يقال حبكه يحبكه و يحبكه قال زهير في الحبك:

{مكلل بأصول النجم تنسجه --- ريح خريق لضاحي مائه حبك}

والخراص الكذاب و الخرص الظن و الحدس و سمي الخزر خرصا منه و يقال كم خرص أرضك بكسر الخاء و أصل الخرص القطع من قولهم خرص فلان كلاما و اخترصه إذا اقتطعه من غير أصل و الغمرة من غمرة الماء يغمره و غمره الدين إذا غطاه بكثرته و الغمر السيد الكثير العطاء لأنه يغمر بعطائه.

الإعراب

قال الزجاج يوم نصب على وجهين ( أحدهما ) أن يكون على معنى يقع الجزاء يوم هم على النار يفتنون ( و الآخر ) أن يكون لفظه لفظ نصب و معناه معنى رفع لأنه مضاف إلى جملة كلام تقول يعجبني يوم أنت قائم و يوم أنت تقوم إن شئت فتحته و إن شئت رفعته كما قال الشاعر:

{لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت --- حمامة في غصون ذات}

أو قال و روي غير أن نطقت بالرفع لما أضاف غير إلى أن و ليست بمتمكنة فتح و كذلك لما أضاف يوم إلى الجملة فتح و كما قرىء من خزي يومئذ ففتح يوم و هو في موضع خفض لأنك أضفته إلى غير متمكن و قيل أنه لما جرى في كلامهم ظرفا بقي في موضع الرفع على ذلك الاستعمال و جاء مفتوحا كما جاء في قوله و منا دون ذلك و قوله لقد تقطع بينكم.

المعنى

«و الذاريات ذروا» روي أن ابن الكوا سأل أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) و هو يخطب على المنبر فقال ما «الذاريات ذروا» قال الرياح قال «فالحاملات وقرا» قال السحاب قال «فالجاريات يسرا» قال السفن قال «فالمقسمات أمرا» قال الملائكة و روي ذلك عن ابن عباس و مجاهد فالذاريات الرياح تذرو التراب و هشيم النبت أي تفرقة «فالحاملات وقرا» السحاب تحمل ثقلا من الماء من بلد إلى بلد فتصير موقرة به و الوقر بالكسر ثقل الحمل على ظهر أو في بطن و الوقر ثقل الأذن «فالجاريات يسرا» السفن تجري ميسرة على الماء جريا سهلا إلى حيث سيرت و قيل هي السحاب تجري يسرا إلى حيث سيرها الله من البقاع و قيل هي النجوم السبعة السيارة الشمس و القمر و زحل و المشتري و المريخ و الزهرة و عطارد «فالمقسمات أمرا» الملائكة يقسمون الأمور بين الخلق على ما أمروا به أقسم الله تعالى بهذه الأشياء لكثرة ما فيها من المنافع للعباد و لم تضمنه من الدلالة على وحدانية الله تعالى و بدائع صنعه و قيل أن التقدير فيها القسم برب هذه الأشياء لأنه لا يجوز القسم إلا بالله عز اسمه

وقال أبو جعفر و أبو عبد الله (عليه السلام) أنه لا يجوز لأحد أن يقسم إلا بالله تعالى و الله سبحانه يقسم بما يشاء من خلقه ثم ذكر المقسم عليه فقال «إنما توعدون» أي من الثواب و العقاب و الجنة و النار «لصادق» أي صدق لا بد من كونه فهو اسم وضع موضع المصدر و قيل معناه ذو صدق كقوله عيشة راضية «و إن الدين لواقع» أي إن الجزاء و قيل أن الحساب لكائن يوم القيامة ثم أنشأ قسما آخر فقال «و السماء ذات الحبك» أي ذات الطرائق الحسنة لكنا لا نرى تلك الحبك لبعدها عنا عن الحسن و الضحاك و قيل ذات الخلق الحسن المستوي عن ابن عباس و قتادة و عكرمة و الربيع و قيل ذات الحسن و الزينة عن علي (عليه السلام) و روى علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال قلت له أخبرني عن قول الله تعالى «و السماء ذات الحبك» فقال محبوكة إلى الأرض و شبك بين أصابعه فقلت كيف تكون محبوكة إلى الأرض و الله تعالى يقول رفع السماوات بغير عمد فقال سبحان الله أ ليس يقول بغير عمد ترونها قلت بلى قال فثم عمد و لكن لا ترى فقلت فكيف ذلك جعلني الله فداك قال فبسط كفه اليسرى ثم وضع اليمني عليها فقال هذه أرض الدنيا و السماء الدنيا فوقها قبة و الأرض الثانية فوق السماء الدنيا و السماء الثانية فوقها قبة و الأرض الثالثة فوق السماء الثانية و السماء الثالثة فوقها قبة ثم هكذا إلى الأرض السابعة فوق السماء السادسة و السماء السابعة فوقها قبة و عرش الرحمن فوق السماء السابعة و هو قوله «خلق سبع سماوات و من الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن» و صاحب الأمر و هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و الوصي علي بعده و هو على وجه الأرض و إنما يتنزل الأمر إليه من فوق من بين السماوات و الأرضين قلت فما تحتنا إلا أرض واحدة قال و ما تحتنا إلا أرض واحدة و إن الست لفوقنا

«إنكم لفي قول مختلف» هذا جواب القسم أي إنكم يا أهل مكة في قول مختلف في قول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فبعضكم يقول شاعر و بعضكم يقول مجنون و في القرآن يقولون أنه سحر و كهانة و رجز و ما سطره الأولون و قيل معناه منكم مكذب بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و منكم مصدق به و منكم شاك فيه و فائدته أن دليل الحق ظاهر فاطلبوا الحق بدليله و إلا هلكتم «يؤفك عنه من أفك» أي يصرف عن الإيمان به من صرف عن الخير أي المصروف عن الخيرات كلها من صرف عن هذا الدين و قيل معناه يؤفك عن الحق و الصواب من أفك فدل ذكر القول المختلف على ذكر الحق فجازت الكناية عنه و قيل معناه يصرف عن هذا القول أي بسببه و من أجله عن الإيمان من صرف فالهاء في عنه تعود إلى القول المختلف عن مجاهد فيكون الصارف لهم أنفسهم كما يقال فلان معجب بنفسه و أعجب بنفسه و كما يقال أين يذهب بك لمن يذهب في شغله و قيل أن الصارف لهم رؤساء البدع و أئمة الضلال لأن العامة تبع لهم «قتل الخراصون» أي لعن الكذابون يعني الذين يكذبون على الله و على رسوله و قيل معناه لعن المرتابون عن ابن عباس قال ابن الأنباري و إنما كان القتل بمعنى اللعنة هنا لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك ثم وصف سبحانه هؤلاء الكفار فقال «الذين هم في غمرة» أي في شبهة و غفلة غمرهم الجهل «ساهون» أي لاهون عما يجب عليهم و قيل هم في ضلالتهم متمادون عن ابن عباس و قيل في عمى مترددون عن قتادة و قيل أن أول مراتب الجهل السهو ثم الغفلة ثم الغمرة فتكون الغمرة عبارة عن المبالغة في الجهل أي هم في غاية الجهل ساهون عن الحق و عما يراد بهم «يسئلون أيان يوم الدين» أي متى وقت الجزاء إنكارا و استهزاء لا على وجه الاستفادة لمعرفته فأجيبوا بما يسوؤهم من الحق الذي لا محالة أنه نازل بهم فقيل «يوم هم على النار يفتنون» أي يكون هذا الجزاء في يوم يعذبون فيها و يحرقون بالنار و قال عكرمة أ لم تر أن الذهب إذا أدخل النار قيل فتن أي فهؤلاء يفتنون بالإحراق كما يفتن الذهب بإحراق الغش الذي فيه و يقول لهم خزنة النار «ذوقوا فتنتكم» أي عذابكم و حريقكم «هذا الذي كنتم به تستعجلون» في الدنيا تكذيبا به و استبعادا له فقد حصلتم الآن فيه و عرفتم صحته.