هَلْ أَتَاك حَدِيث ضيْفِ إِبْرَهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سلَماً قَالَ سلَمٌ قَوْمٌ مّنكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سمِينٍ (26) فَقَرّبَهُ إِلَيهِمْ قَالَ أَ لا تَأْكلُونَ (27) فَأَوْجَس مِنهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تخَف وَ بَشرُوهُ بِغُلَمٍ عَلِيمٍ (28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فى صرّةٍ فَصكّت وَجْهَهَا وَ قَالَت عجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبّكِ إِنّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30) قَالَ فَمَا خَطبُكمْ أَيهَا الْمُرْسلُونَ (31) قَالُوا إِنّا أُرْسِلْنَا إِلى قَوْمٍ مجْرِمِينَ (32) لِنرْسِلَ عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ (33) مّسوّمَةً عِندَ رَبِّك لِلْمُسرِفِينَ (34) فَأَخْرَجْنَا مَن كانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسلِمِينَ (36) وَ تَرَكْنَا فِيهَا ءَايَةً لِّلّذِينَ يخَافُونَ الْعَذَاب الأَلِيمَ (37)
اللغة
الروغ الذهاب إلى الشيء في خفية يقال راغ يروغ روغا و روغانا و هو أروغ من ثعلب و الصرة شدة الصياح و هو من صرير الباب و يقال للجماعة صرة أيضا قال امرؤ القيس:
{فألحقنا بالهاديات و دونه --- جواحرها في صرة لم تزيل}
و الصك الضرب باعتماد شديد و هو أن تصتك ركبتا الرجل و العقيم العاقر و أصل العقم الشد و جاء في الحديث تعقم أصلاب المشركين فلا يستطيعون السجود أي تشد و داء عقام إذا اشتد حتى إذا يأس منه أن يبرأ و معاقم الفرس مفاصله يشد بعضها ببعض و العقيم و العقمة ثياب معلمة أي شدت بها الأعلام و عقمت المرأة فهي معقومة و عقيم من نساء عقم و عقمت أيضا و رجل عقيم من قوم عقمى قال الشاعر:
{عقم النساء فما يلدن شبيهه --- إن النساء بمثله عقم}
والريح العقيم التي لا تنشىء السحاب للمطر و الملك عقيم يقطع الولادة لأن الأب يقتل الابن على الملك و الخطب الأمر الجليل و منه الخطبة لأنها كلام بليغ لعقد أمر جليل يستفتح بالتحميد و التمجيد و الخطاب أجل من الإبلاغ.
المعنى
لما قدم سبحانه الوعد و الوعيد عقب ذلك بذكر بشارة إبراهيم و مهلك قوم لوط تخويفا للكفار أن ينزل بهم مثل ما أنزل بأولئك فقال «هل أتيك» يا محمد و هذا اللفظ يستعمل إذا أخبر الإنسان بخبر ماض فيقال هل أتاك خبر كذا و إن علم أنه لم يأته «حديث ضيف إبراهيم المكرمين» عند الله و ذلك أنهم كانوا ملائكة كراما و نظيره قوله بل عباد مكرمون و قيل أكرمهم إبراهيم فرفع مجالسهم و خدمهم بنفسه عن مجاهد لأن أضياف الكرام مكرمون و كان إبراهيم أكرم الناس و أظهرهم فتوة و سماهم ضيفا من غير أن أكلوا من طعامه لأنهم دخلوا مدخل الأضياف و اختلف في عددهم فقيل كانوا اثني عشر ملكا عن ابن عباس و مقاتل و قيل كان جبرائيل و معه سبعة أملاك عن محمد بن كعب و قيل كانوا ثلاثة جبرائيل و ميكائيل و ملك آخر «إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما» أي حين دخلوا على إبراهيم فقالوا له على وجه التحية سلاما أي أسلم سلاما ف «قال» لهم جوابا عن ذلك «سلام» و قرىء سلم و هذا مفسر في سورة هود «قوم منكرون» أي قال في نفسه هؤلاء قوم لا نعرفهم و ذلك أنه ظنهم من الإنس و لم يعرفهم عن ابن عباس و الإنكار نفي صحة الأمر و نقيضه الإقرار و الاعتراف «فراغ إلى أهله» أي ذهب إليهم خفيا و إنما راغ مخافة أن يمنعوه من تكلف مأكول كعادة الظرفاء «فجاء بعجل سمين» و كان مشويا لقوله في آية أخرى حينئذ قال قتادة و كان عامة مال إبراهيم (عليه السلام) البقر «فقربه إليهم» ليأكلوا فلم يأكلوا فلما رآهم لا يأكلون عرض عليهم ف «قال أ لا تأكلون» و في الكلام حذف كما ترى «فأوجس منهم خفية» أي فلما امتنعوا من الأكل أوجس منهم خيفة و المعنى خاف منهم و ظن أنهم يريدون به سوءا «قالوا» أي قالت الملائكة «لا تخف» يا إبراهيم «و بشروه بغلام عليم» أي يكون عالما إذا كبر و بلغ و الغلام المبشر به هو إسماعيل عن مجاهد و قيل هو إسحاق لأنه من سارة و هذه القصة لها عن أكثر المفسرين و هذا كله مفسر فيما مضى «فأقبلت امرأته في صرة» أي فلما سمعت البشارة امرأته سارة أقبلت في ضجة عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و قيل في جماعة عن الصادق (عليه السلام) و قيل في رفقة عن سفيان و المعنى أخذت تصيح و تولول كما قالت يا ويلتي «فصكت وجهها» أي جمعت أصابعها فضربت جبينها تعجبا عن مقاتل و الكلبي و قيل لطمت وجهها عن ابن عباس و الصك ضرب الشيء بالشيء العريض «و قالت عجوز عقيم» أي أنا عجوز عاقر فكيف ألد «قالوا كذلك قال ربك» أي كما قلنا لك قال ربك إنك ستلدين غلاما فلا تشكي فيه «إنه هو الحكيم العليم» بخفايا الأمور «قال» إبراهيم (عليه السلام) لهم «فما خطبكم» أي فما شأنكم و لأي أمر جئتم «أيها المرسلون» و كأنه قال قد جئتم لأمر عظيم فما هو «قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين» أي عاصين لله كافرين لنعمه استحقوا العذاب و الهلاك و أصل الجرم القطع فالمجرم القاطع للواجب بالباطل فهؤلاء أجرموا بأن قطعوا الإيمان بالكفر «لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك» هذا مفسر في سورة هود «للمسرفين» أي للمكثرين من المعاصي المتجاوزين الحد فيها و قيل أرسلت الحجارة على الغائبين و قلبت القرية بالحاضرين «فأخرجنا من كان فيها» أي في قرى قوم لوط «من المؤمنين» و ذلك قوله فأسر بأهلك الآية و ذلك أن الله تعالى أمر لوطا بأن يخرج هو و من معه من المؤمنين لئلا يصيبهم العذاب «فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين» أي غير أهل بيت من المسلمين يعني لوطا و بنتيه وصفهم الله بالإيمان و الإسلام جميعا لأنه ما من مؤمن إلا و هو مسلم و الإيمان هو التصديق بجميع ما أوجب الله التصديق به و الإسلام هو الاستسلام لوجوب عمل الفرض الذي أوجبه الله و ألزمه و وجدان الضالة هو إدراكها بعد طلبها «و تركنا فيها» أي و أبقينا في مدينة قوم لوط «آية» أي علامة «للذين يخافون العذاب الأليم» أي تدلهم على أن الله أهلكهم فيخافون مثل عذابهم و الترك في الأصل ضد الفعل ينافي الأخذ في محل القدرة عليه و القدرة عليه قدرة على الأخذ و على هذا فالترك غير داخل في أفعال الله تعالى فالمعنى هنا أنا أبقينا فيها عبرة و مثله قوله و تركهم في ظلمات و قيل إنه الانقلاب لأن اقتلاع البلدان لا يقدر عليه إلا الله تعالى.