۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة ق، آية ٢٧

التفسير يعرض الآيات ٢١ إلى ٣٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَجَآءَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّعَهَا سَآئِقٞ وَشَهِيدٞ ٢١ لَّقَدۡ كُنتَ فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا فَكَشَفۡنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلۡيَوۡمَ حَدِيدٞ ٢٢ وَقَالَ قَرِينُهُۥ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ٢٣ أَلۡقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٖ ٢٤ مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٖ مُّرِيبٍ ٢٥ ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَأَلۡقِيَاهُ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ٢٦ ۞ قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطۡغَيۡتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ ٢٧ قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ ٢٨ مَا يُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٢٩ يَوۡمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمۡتَلَأۡتِ وَتَقُولُ هَلۡ مِن مَّزِيدٖ ٣٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ جَاءَت كلّ نَفْسٍ مّعَهَا سائقٌ وَ شهِيدٌ (21) لّقَدْ كُنت فى غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشفْنَا عَنك غِطاءَك فَبَصرُك الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) وَ قَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَى عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فى جَهَنّمَ كلّ كفّارٍ عَنِيدٍ (24) مّنّاعٍ لِّلْخَيرِ مُعْتَدٍ مّرِيبٍ (25) الّذِى جَعَلَ مَعَ اللّهِ إِلَهاً ءَاخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فى الْعَذَابِ الشدِيدِ (26) قَالَ قَرِينُهُ رَبّنَا مَا أَطغَيْتُهُ وَ لَكِن كانَ فى ضلَلِ بَعِيدٍ (27) قَالَ لا تخْتَصِمُوا لَدَى وَ قَدْ قَدّمْت إِلَيْكم بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدّلُ الْقَوْلُ لَدَى وَ مَا أَنَا بِظلّمٍ لِّلْعَبِيدِ (29) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِن مّزِيدٍ (30)

القراءة

قرأ نافع و أبو بكر يوم يقول بالياء و الباقون بالنون.

الحجة

الياء على معنى يقول الله تعالى و النون أشبه بقوله «قد قدمت إليكم بالوعيد» و قوله «و ما أنا بظلام للعبيد».

اللغة

السوق الحث على السير و الحديد الحاد مثل الحفيظ و الحافظ و العنيد الجائر عن القصد و هو العنود و العاند و ناقة عنود لا تستقيم في سيرها و العنيد المتحير منه.

الإعراب

«هذا ما لدي عتيد» ما هاهنا نكرة موصوفة و تقديره هذا شيء ثابت لدي عتيد فالظرف صفة لما و كذلك عتيد.

جهنم لا ينصرف للتعريف و التأنيث و أصله من قولهم بئر جهنام إذا كانت بعيدة القعر و قيل هو أعجمي فلا ينصرف للتعريف و العجمة و قوله «ألقيا في جهنم» قيل فيه أقوال ( أحدها ) أن العرب تأمر الواحد و القوم بما يؤمر به الاثنان يقول للرجل الواحد قوما و اخرجا و يحكى عن الحجاج أنه كان يقول يا حرسي اضربا عنقه يريد اضرب قال الفراء سمعت من العرب من يقول ويلك ارحلاها و أنشدني بعضهم:

{فقلت لصاحبي لا تحبسانا --- بنزع أصوله و اجتز شيحا}

وأنشدني أبو ثروان:

{فإن تزجراني يا ابن عفان أنزجر --- وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا}

قال و ترى أن ذلك منهم لأجل أن أدنى أعوان الرجل في إبله و غنمه اثنان و كذلك الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة فجرى كلام الواحد على صاحبيه أ لا ترى أن الشعراء أكثر شيء قيلا يا صاحبي و يا خليلي قال امرؤ القيس:

{خليلي مرا بي على أم جندب --- لنقضي حاجات الفؤاد المعذب} {فإنكما إن تنظراني ليلة --- من الدهر تنفعني لدى أم جندب}

ثم قال:

{ألم تر أني كلما جئت طارقا --- وجدت بها طيبا و إن لم تطيب}

فرجع إلى الواحد لأن أول الكلام واحد في لفظ الاثنين و أنشد أيضا:

{خليلي قوما في عطالة فانظرا --- أ نارا ترى من نحو ما بين أم برقا}

ولم يقل تريا ( و الثاني ) أنه إنما ثني ليدل على التكثير كأنه قال ألق ألق فثني الضمير ليدل على تكرير الفعل و هذا لشدة ارتباط الفاعل بالفعل حتى إذا كرر أحدهما فكأن الثاني كرر و هذا قول المازني و مثله عنده قال رب ارجعون إنما جمع ليدل على التكرير كأنه قال ارجعني ارجعني ارجعني وحمل عليه قول امرىء القيس:

{قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل}

ونحو ذلك أي كأنه قال قف قف ( و الثالث ) أن الأمر تناول السائق و الشهيد فكأنه قال يا أيها السائق و يا أيها الشهيد ألقيا ( والرابع ) أنه يريد النون الخفيفة فكان ألقين فأجرى الوصل مجرى الوقف فأبدل من النون ألفا كما قال الأعشى:

{وذا النسك المنصوب لا تنسكنه --- و لا تعبد الشيطان و الله فاعبدا}

ويؤيد هذا القول ما روي عن الحسن أنه قرأ ألقيا بالتنوين.

«الذي جعل مع الله إلها آخر» إن كان مبتدأ فخبره قوله «فألقياه» و يجوز أن يكون نصبا بمضمر يفسره فألقياه و يجوز أن يكون نصبا بدلا من قوله «كل كفار» و لا يجوز أن يكون جرا صفة لكفار لأن النكرة لا توصف بالموصول إنما الموصول وصلة إلى وصف المعارف بالجمل.

المعنى

ثم أخبر سبحانه عن حال الناس بعد البعث فقال «و جاءت كل نفس معها سائق و شهيد» أي و تجيء كل نفس من المكلفين في يوم الوعيد و معها سائق من الملائكة يسوقها أي يحثها على السير إلى الحساب و شهيد من الملائكة يشهد عليها بما يعلم من حالها و شاهده منها و كتبه عليها فلا يجد إلى الهرب و لا إلى الجحود سبيلا و قيل السائق من الملائكة و الشهيد الجوارح تشهد عليها عن الضحاك «لقد كنت في غفلة» أي يقال له لقد كنت في سهو و نسيان «من هذا» اليوم في الدنيا و الغفلة ذهاب المعنى عن النفس «فكشفنا عنك غطاءك» الذي كان في الدنيا يغشي قلبك و سمعك و بصرك حتى ظهر لك الأمر و إنما تظهر الأمور في الآخرة بما يخلق الله تعالى من العلوم الضرورية فيهم فيصير بمنزلة كشف الغطاء لما يرى و إنما يراد به جميع المكلفين برهم و فاجرهم لأن معارف الجميع ضرورية

«فبصرك اليوم حديد» أي فعينك اليوم حادة النظر لا يدخل عليها شك و لا شبهة و قيل معناه فعلمك بما كنت فيه من أحوال الدنيا نافذ و لا يراد به بصر العين كما يقال فلان بصير بالنحو و الفقه و قيل هو خاص في الكافر أي فأنت اليوم عالم بما كنت تنكره في الدنيا عن ابن عباس «و قال قرينه» يعني الملك الشهيد عليه عن الحسن و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل قرينه الذي قيض له من الشياطين عن مجاهد و قيل قرينه من الإنس «هذا ما لدي عتيد» إن كان المراد به الملك الشهيد فمعناه هذا حسابه حاضر لدي في هذا الكتاب أي يقول لربه كنت وكلتني به فما كتبت من عمله حاضر عندي و إن كان المراد به الشيطان أو القرين من الإنس فالمعنى هذا العذاب حاضر عندي معد لي بسبب سيئاتي «ألقيا في جهنم كل كفار عنيد» هذا خطاب لخازن النار و قيل خطاب للملكين الموكلين به و هما السائق و الشهيد عن الزجاج و قد ذكرنا ما قيل فيه و روى أبو القاسم الحسكاني بالإسناد عن الأعمش أنه قال حدثنا أبو المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى لي و لعلي ألقيا في النار من أبغضكما و أدخلا الجنة من أحبكما و ذلك قوله «ألقيا في جهنم كل كفار عنيد» و العنيد الذاهب عن الحق و سبيل الرشد «مناع للخير» الذي أمر الله به من بذل المال في وجوهه «معتد» ظالم متجاوز يتعدى حدود الله «مريب» أي شاك في الله و فيما جاء من عند الله و قيل متهم يفعل ما يرتاب بفعله و يظن به غير الجميل مثل المليم الذي يفعل ما يلام عليه و قيل إنها نزلت في الوليد بن المغيرة حين استشاره بنو أخيه في الإسلام فمنعهم فيكون المراد بالخير الإسلام

«الذي جعل مع الله إلها آخر» من الأصنام و الأوثان «فألقياه في العذاب الشديد» هذا تأكيد للأول فكأنه قال افعلا ما أمرتكما به فإنه مستحق لذلك «قال قرينه» أي شيطانه الذي أغواه عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و إنما سمي قرينه لأنه يقرن به في العذاب و قيل قرينه من الإنس و هم علماء السوء و المتبوعون «ربنا ما أطغيته» أي ما أضللته و ما أوقعته في الطغيان باستكراه أي لم أجعله طاغيا «و لكن كان في ضلال» من الإيمان «بعيد» أي و لكنه طغى باختياره السوء و مثل هذا قوله و ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي «قال» الله تعالى لهم «لا تختصموا لدي» أي لا يخاصم بعضكم بعضا عندي «و قد قدمت إليكم بالوعيد» في دار التكليف و لم تنزجروا و خالفتم أمري «ما يبدل القول لدي» المعنى أن الذي قدمته لكم في دار الدنيا من أني أعاقب من جحدني و كذب رسلي و خالفني في أمري لا يبدل بغيره و لا يكون خلافه

«و ما أنا بظلام للعبيد» أي لست بظالم أحدا في عقابي لمن استحقه بل هو الظالم لنفسه بارتكابه المعاصي التي استحق بها ذلك و إنما قال بظلام على وجه المبالغة ردا على من أضاف الظلم إليه تعالى و تقدس عن ذلك «يوم نقول لجهنم هل امتلأت» يتعلق يوم بقوله «ما يبدل القول لدي» الآية و قيل يتعلق بتقدير اذكر يا محمد ذلك اليوم الذي يقول الله فيه لجهنم هل امتلأت من كثرة ما ألقي فيك من العصاة «و تقول» جهنم «هل من مزيد» قال أنس طلبت الزيادة و قال مجاهد المعنى معنى الكفاية أي لم يبق مزيد لامتلائها و يدل على هذا القول قوله لأملأن جهنم من الجنة و الناس أجمعين و قيل في الوجه الأول إن هذا القول كان منها قبل دخول جميع أهل النار فيها و يجوز أن تكون تطلب الزيادة على أن يزاد في سعتها كما عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قيل له يوم فتح مكة أ لا تنزل دارك فقال و هل ترك لنا عقيل من دار لأنه كان قد باع دور بني هاشم لما خرجوا إلى المدينة فعلى هذا يكون المعنى و هل بقي زيادة فأما الوجه في كلام جهنم فقيل فيه وجوه ( أحدها ) أنه خرج مخرج المثل أي إن جهنم من سعتها و عظمتها بمنزلة الناطقة التي إذا قيل لها هل امتلأت تقول لم أمتلىء و بقي في سعة كثيرة و مثله قول عنترة:

{فأزور من وقع القنا بلبانه --- و شكا إلي بعبرة و تحمحم}

وقال آخر:

{امتلأ الحوض و قال قطني --- مهلا رويدا قد ملأت بطني}

( و ثانيها ) أنه سبحانه يخلق لجهنم آلة الكلام فتتكلم و هذا غير منكر لأن من أنطق الأيدي و الجوارح و الجلود قادر على أن ينطق جهنم ( و ثالثها ) أنه خطاب لخزنة جهنم على وجه التقرير لهم هل امتلأت جهنم فيقولون بلى لم يبق موضع لمزيد ليعلم الخلق صدق وعده عن الحسن قال و معناه ما من مزيد أي لا مزيد كقوله هل من خالق غير الله و هو قول واصل بن عطاء و عمرو بن عبيد.