۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة ق، آية ١٥

التفسير يعرض الآيات ١٢ إلى ٢٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَأَصۡحَٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ ١٢ وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ وَإِخۡوَٰنُ لُوطٖ ١٣ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ وَقَوۡمُ تُبَّعٖۚ كُلّٞ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ١٤ أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٥ وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ ١٦ إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ ١٧ مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ ١٨ وَجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِيدُ ١٩ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡوَعِيدِ ٢٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

كَذّبَت قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ أَصحَب الرّس وَ ثَمُودُ (12) وَ عَادٌ وَ فِرْعَوْنُ وَ إِخْوَنُ لُوطٍ (13) وَ أَصحَب الأَيْكَةِ وَ قَوْمُ تُبّعٍ كلّ كَذّب الرّسلَ فحَقّ وَعِيدِ (14) أَ فَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوّلِ بَلْ هُمْ فى لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15) وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الانسنَ وَ نَعْلَمُ مَا تُوَسوِس بِهِ نَفْسهُ وَ نحْنُ أَقْرَب إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشمَالِ قَعِيدٌ (17) مّا يَلْفِظ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) وَ جَاءَت سكْرَةُ الْمَوْتِ بِالحَْقِّ ذَلِك مَا كُنت مِنْهُ تحِيدُ (19) وَ نُفِخَ فى الصورِ ذَلِك يَوْمُ الْوَعِيدِ (20)

القراءة

في الشواذ قراءة أبي بكر عند خروج نفسه و جاءت سكرة الحق بالموت و هي قراءة سعيد بن جبير و طلحة و رواها أصحابنا عن أئمة الهدى (عليهم السلام).

الحجة

قال ابن جني لك في الباء ضربان من التقدير إن شئت علقتها بنفس جاءت كقولك جئت بزيد أي أحضرته و إن شئت علقتها بمحذوف و جعلتها حالا أي و جاءت سكرة الحق و معها الموت كقولك خرج بثيابه أي و ثيابه عليه و مثله قوله فخرج على قومه في زينته أي و زينته عليه و كقول أبي ذؤيب:

{يعثرن في حد الظباة كأنما --- كسيت برود بني يزيد الأذرع}

أي يعثرن و هن في حد الظباة و كقول الآخر:

{ومستنة كاستنان الخروف --- و قد قطع الحبل بالمرود}

أي قطعه و فيه مروده و كذلك قراءة العامة «و جاءت سكرة الموت بالحق» إن شئت علقت الباء بنفس جاءت و إن شئت علقتها بمحذوف و جاءت سكرة الموت و معها الحق.

اللغة

يقال عييت بالأمر إذا لم تعرف وجهه و تعذر ذلك عليك و أعييت إذا تعبت و كل ذلك من التعب إلا أن أحدهما في الطلب و الآخر فيما وقع الفراغ عنه و الوريد عرق في الحلق و هما وريدان في العنق عن يمين و شمال و كأنه العرق الذي يرد إليه ما ينصب من الرأس و حبل الوريد حبل العاتق و هو منفصل من الحلق إلى العاتق و الرقيب الحافظ و العتيد المعد للزوم الأمر.

المعنى

ثم ذكر سبحانه الأمم المكذبة تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و تهديدا للكفار فقال «كذبت قبلهم» من الأمم الماضية «قوم نوح» فأغرقهم الله «و أصحاب الرس» و هم أصحاب البئر التي رسوا نبيهم فيها بعد أن قتلوه عن عكرمة و قيل الرس بئر قتل فيها صاحب ياسين عن الضحاك و قيل هم قوم كانوا باليمامة على آبار لهم عن قتادة و قيل هم أصحاب الأخدود و قيل كان سحق النساء في أصحاب الرس و روي ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) «و ثمود» و هم قوم صالح «و عاد» و هم قوم هود «و فرعون و إخوان لوط» أي و كذب فرعون موسى و قوم لوط لوطا و سماهم إخوانه لكونهم من نسبه «و أصحاب الأيكة» و هم قوم شعيب «و قوم تبع» و هو تبع الحميري الذي ذكرناه عند قوله أ هم خير أم قوم تبع «كل» من هؤلاء المذكورين «كذب الرسل» المبعوثة إليهم و جحدوا نبوتهم «فحق وعيد» أي وجب عليهم عذابي الذي أوعدتهم به فإذا كان مآل الأمم الخالية إذا كذبوا الرسل الهلاك و الدمار و إنكم معاشر العرب قد سلكتم مسالكهم في التكذيب و الإنكار فحالكم كحالهم في التباب و الخسار ثم قال سبحانه جوابا لقولهم ذلك رجع بعيد

«أ فعيينا بالخلق الأول» أي أ فعجزنا حين خلقناهم أولا و لم يكونوا شيئا فكيف نعجز عن بعثهم و إعادتهم و هذا تقرير لهم لأنهم اعترفوا بأن الله هو الخالق ثم أنكروا البعث و يقال لكل من عجز عن شيء عيي به ثم ذكر أنهم في شك من البعث بعد الموت فقال «بل هم في لبس من خلق جديد» أي بل هم في ضلال و شك من إعادة الخلق جديدا و اللبس منع من إدراك المعنى بما هو كالستر له و الجديد القريب الإنشاء «و لقد خلقنا الإنسان» أراد به الجنس يعني ابن آدم «و نعلم ما توسوس به نفسه» أي ما يحدث به قلبه و ما يخفي و يكن في نفسه و لا يظهره لأحد من المخلوقين «و نحن أقرب إليه» بالعلم «من حبل الوريد» و هو عرق يتفرق في البدن يخالط الإنسان في جميع أعضائه و قيل هو عرق الحلق عن ابن عباس و مجاهد و قيل هو عرق متعلق بالقلب يعني نحن أقرب إليه من قلبه عن الحسن و قيل معناه نحن أعلم به ممن كان منه بمنزلة حبل الوريد في القرب و قيل معناه نحن أملك له من حبل وريده مع استيلائه عليه و قربه منه و قيل معناه نحن أقرب إليه بالإدراك من حبل الوريد لو كان مدركا ثم ذكر سبحانه أنه مع علمه به وكل به ملكين يحفظان عليه عمله إلزاما للحجة فقال «إذ يتلقى المتلقيان» فإذ متعلقة بقوله و نحن أقرب إليه أي و نحن أعلم به و أملك له حين يتلقى المتلقيان و هما الملكان يأخذان منه عمله فيكتبانه كما يكتب المملى عليه «عن اليمين و عن الشمال قعيد» أراد عن اليمين قعيد و عن الشمال قعيد فاكتفى بأحدهما عن الآخر و المراد بالقعيد هنا الملازم الذي لا يبرح لا القاعد الذي هو ضد القائم و قيل عن اليمين كاتب الحسنات و عن الشمال كاتب السيئات عن الحسن و مجاهد و قيل الحفظة أربعة ملكان بالنهار و ملكان بالليل عن الحسن «ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد» أي ما يتكلم بكلام فيلفظه أي يرميه من فيه إلا لديه حافظ حاضر معه يعني الملك الموكل به إما صاحب اليمين و إما صاحب الشمال يحفظ عمله لا يغيب عنه و الهاء في لديه تعود إلى القول أو إلى القائل و عن أبي أمامة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطىء أو المسيء فإن ندم و استغفر الله منها ألقاها و إلا كتب واحدة و في رواية أخرى قال صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال فإذا عمل حسنة كتبها له صاحب اليمين بعشر أمثالها و إذا عمل سيئة فأراد صاحب الشمال أن يكتبها قال له صاحب اليمين أمسك فيمسك عنه سبع ساعات فإن استغفر الله منها لم يكتب عليه شيء و إن لم يستغفر الله كتب له سيئة واحدة و عن أنس بن مالك قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن الله تعالى وكل بعبده ملكين يكتبان عليه فإذا مات قالا يا رب قد قبضت عبدك فلانا فإلى أين قال سمائي مملوءة بملائكتي يعبدونني و أرضي مملوءة من خلقي يطيعونني اذهبا إلى قبر عبدي فسبحاني و كبراني و هللاني فاكتبا ذلك في حسنات عبدي إلى يوم القيامة

«و جاءت سكرة الموت بالحق» أي جاءت غمرة الموت و شدته التي تغشى الإنسان و تغلب على عقله بالحق أي أمر الآخرة حتى عرفه صاحبه و اضطر إليه و قيل معناه جاءت سكرة الموت بالحق الذي هو الموت قال مقاتل يعني أنه حق كائن و المراد أن هذه السكرة قد قربت منكم فاستعدوا لها فهي لقربها كالحاصلة مثل قوله تعالى أتى أمر الله و روي أن عائشة قالت عند وفاة أبي بكر:

{لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى --- إذا حشرجت يوما و ضاق بها الصدر}

فقال أبو بكر لا تقولي ذلك و لكنه كما قال الله تعالى «و جاءت سكرة الموت بالحق» و يقال لمن جاءته سكرة الموت «ذلك» أي ذلك الموت «ما كنت منه تحيد» أي تهرب و تميل «و نفخ في الصور» قد مر تفسيره «ذلك يوم الوعيد» أي ذلك اليوم يوم وقوع الوعيد الذي خوف الله به عباده ليستعدوا و يقدموا العمل الصالح له.