يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا إِن جَاءَكمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمَا بجَهَلَةٍ فَتُصبِحُوا عَلى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ (6) وَ اعْلَمُوا أَنّ فِيكُمْ رَسولَ اللّهِ لَوْ يُطِيعُكمْ فى كَثِيرٍ مِّنَ الأَمْرِ لَعَنِتّمْ وَ لَكِنّ اللّهَ حَبّب إِلَيْكُمُ الايمَنَ وَ زَيّنَهُ فى قُلُوبِكمْ وَ كَرّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسوقَ وَ الْعِصيَانَ أُولَئك هُمُ الرّشِدُونَ (7) فَضلاً مِّنَ اللّهِ وَ نِعْمَةً وَ اللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8) وَ إِن طائفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصلِحُوا بَيْنهُمَا فَإِن بَغَت إِحْدَاهُمَا عَلى الأُخْرَى فَقَتِلُوا الّتى تَبْغِى حَتى تَفِىءَ إِلى أَمْرِ اللّهِ فَإِن فَاءَت فَأَصلِحُوا بَيْنهُمَا بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطوا إِنّ اللّهَ يحِب الْمُقْسِطِينَ (9) إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصلِحُوا بَينَ أَخَوَيْكمْ وَ اتّقُوا اللّهَ لَعَلّكمْ تُرْحَمُونَ (10)
القراءة
قرأ يعقوب فأصلحوا بين إخوتكم بالتاء على الجمع و هو قراءة ابن سيرين و الباقون «بين أخويكم» على التثنية لقوله «طائفتان» و في الشواذ قراءة زيد بن ثابت و الحسن إخوانكم بالألف و النون على الجمع و قد ذكرنا في سورة النساء اختلافهم في قوله فتبينوا و الوجه في القراءتين و المروي عن الباقر (عليه السلام) فتثبتوا بالثاء و التاء.
اللغة
العنت المشقة يقال عنت الدابة تعنت عنتا إذا حدث في قوائمه كسر بعد جبر لا يمكنه معه الجري قال ابن الأنباري أصل العنت التشديد يقال فلان يعنت فلانا أي يشدد عليه و يلزمه ما يصعب عليه ثم نقل إلى معنى الهلاك و القسط العدل و نحوه الأقساط و القسوط و القسط بالفتح الجور و العدول عن الحق فأصل الباب العدول فمن عدل إلى الحق فقد أقسط و من عدل عن الحق فقد قسط.
الإعراب
«أن فيكم رسول الله» خبر أن في الظرف الذي هو فيكم عند النحويين و فيه نظر لأن من حق الخبر أن يكون الخبر مفيدا فلا يقال النار حارة لعدم الفائدة و الوجه عندي أن يكون لو مع ما في حيزه خبر أن و المعنى و اعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم و يجوز على الوجه الأول أن يكون المراد التنبيه لهم على مكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما يقول القائل للرجل يريد أن ينبهه على شيء فلان حاضر و المخاطب يعلم حضوره و لو قال أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيكم احتمل أن يكون غير رسول الله فيهم ممن هو بمنزلته فإذا قال إن فيكم رسول الله لا يحتمل ذلك على هذا فقوله «لو يطيعكم» لو مع ما في حيزه في محل رفع بأنه خبر أن خبر بعد خبر «فضلا من الله» مفعول له و التقدير فعل الله ذلك لكم فضلا منه و نعمة و يجوز أن يكون العامل فيه الراشدون و ما فيه من الفعل أي رشدا و فضلا من الله و قوله «بجهالة» و «بالعدل» كلاهما في موضع نصب على الحال و العامل في الأول فتصيبوا و في الثاني فأصلحوا.
النزول
قوله «إن جاءكم فاسق» نزل في الوليد بن عقبة بن أبي معيط بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في صدقات بني المصطلق فخرجوا يتلقونه فرحا به و كانت بينهم عداوة في الجاهلية فظن أنهم هموا بقتله فرجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و قال إنهم منعوا صدقاتهم و كان الأمر بخلافه فغضب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و هم أن يغزوهم فنزلت الآية عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و قيل إنها نزلت فيمن قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إن مارية أم إبراهيم يأتيها ابن عم لها قبطي فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه السلام) و قال يا أخي خذ هذا السيف فإن وجدته عندها فاقتله فقال يا رسول الله أكون في أمرك إذا أرسلتني كالسكة المحماة أمضي لما أمرتني أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب قال علي (عليه السلام) فأقبلت متوشحا بالسيف فوجدته عندها فاخترطت السيف فلما عرف إني أريده أتى نخلة فرقي إليها ثم رمى بنفسه على قفاه و شغر برجليه فإذا أنه أجب أمسح ما له مما للرجال قليل و لا كثير فرجعت فأخبرت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال الحمد لله الذي يصرف عنا السوء أهل البيت و قوله «و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا» نزل في الأوس و الخزرج وقع بينهما قتال بالسعف و النعال عن سعيد بن جبير و قيل نزل في رهط عبد الله بن أبي سلول من الخزرج و رهط عبد الله بن رواحة من الأوس و سببه أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقف على عبد الله بن أبي فراث حمار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأمسك عبد الله أنفه و قال إليك عني فقال عبد الله بن رواحة لحمار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أطيب ريحا منك و من أبيك فغضب قومه و أعان ابن رواحة قومه و كان بينهما ضرب بالحديد و الأيدي و النعال.
المعنى
ثم خاطب سبحانه المؤمنين فقال «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ» أي بخبر عظيم الشأن و الفاسق الخارج عن طاعة الله إلى معصيته «فتبينوا» صدقه من كذبه و لا تبادروا إلى العمل بخبره و من قال فتثبتوا فمعناه توقفوا فيه و تأنوا حتى يثبت عندكم حقيقته «أن تصيبوا قوما بجهالة» أي حذرا من أن تصيبوا قوما في أنفسهم و أموالهم بغير علم بحالهم و ما هم عليه من الطاعة و الإسلام «فتصبحوا على ما فعلتم» من إصابتهم بالخطأ «نادمين» لا يمكنكم تداركه و في هذا دلالة على أن خبر الواحد لا يوجب العلم و لا العمل لأن المعنى إن جاءكم من لا تأمنون أن يكون خبره كذبا فتوقفوا فيه و هذا التعليل موجود في خبر من يجوز كونه كاذبا في خبره و قد استدل بعضهم بالآية على وجوب العمل بخبر الواحد إذا كان عدلا من حيث أن الله سبحانه أوجب التوقف في خبر الفاسق فدل على أن خبر العدل لا يجب التوقف فيه و هذا لا يصح لأن دليل الخطاب لا يعول عليه عندنا و عند أكثر المحققين «و اعلموا أن فيكم رسول الله» أي فاتقوا الله أن تكذبوه أو تقولوا باطلا عنده فإن الله تعالى يخبره بذلك فتفضحوا و قيل معناه و اعلموا بما أخبره الله تعالى من كذب الوليد أن فيكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهذه إحدى معجزاته «لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم» أي لو فعل ما تريدونه في كثير من الأمر لوقعتم في عنت و هو الإثم و الهلاك فسمى موافقته لما يريدونه طاعة لهم مجازا أ لا ترى أن الطاعة تراعى فيها الرتبة فلا يكون الإنسان مطيعا لمن دونه و إنما يكون مطيعا لمن فوقه إذا فعل ما أمره به ثم خاطب المؤمنين الذين لا يكذبون فقال «و لكن الله حبب إليكم الإيمان» أي جعله أحب الأديان إليكم بأن أقام الأدلة على صحته و بما وعد من الثواب عليه «و زينه في قلوبكم» بالألطاف الداعية إليه
«و كره إليكم الكفر» بما وصف من العقاب عليه بوجوه الألطاف الصارفة عنه «و الفسوق» أي الخروج عن الطاعة إلى المعاصي «و العصيان» أي جميع المعاصي و قيل الفسوق الكذب عن ابن عباس و ابن زيد و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) ثم عاد سبحانه إلى الخبر عنهم فقال «أولئك هم الراشدون» يعني الذين وصفهم بالإيمان و زينه في قلوبهم هم المهتدون إلى محاسن الأمور و قيل هم الذين أصابوا الرشد و اهتدوا إلى الجنة «فضلا من الله و نعمة» أي تفضلا مني عليهم و رحمة مني لهم عن ابن عباس «و الله عليم» بالأشياء كلها «حكيم» في جميع أفعاله و في هذه الآية دلالة على بطلان مذهب أهل الجبر من وجوه ( منها ) أنه إذا حبب في قلوبهم الإيمان و كره الكفر فمن المعلوم أنه لا يحبب ما لا يحبه و لا يكره ما لا يكرهه ( و منها ) أنه إذ ألطف في تحبيب الإيمان بألطافه دل ذلك على ما نقوله في اللطف
ثم قال «و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا» أي فريقان من المؤمنين قاتل أحدهما صاحبه «فأصلحوا بينهما» حتى يصطلحا و لا دلالة في هذا على أنهما إذا اقتتلا بقيا على الإيمان و يطلق عليهما هذا الاسم و لا يمتنع أن يفسق إحدى الطائفتين أو تفسقا جميعا «فإن بغت إحداهما على الأخرى» بأن تطلب ما لا يجوز لها و تقاتل الأخرى ظالمة لها متعدية عليها «فقاتلوا التي تبغي» لأنها هي الظالمة المتعدية دون الأخرى «حتى تفيىء إلى أمر الله» أي حتى ترجع إلى طاعة الله و تترك قتال الطائفة المؤمنة «فإن فاءت» أي رجعت و تابت و أقلعت و أنابت إلى طاعة الله «فأصلحوا بينهما» أي بينها و بين الطائفة التي هي على الإيمان «بالعدل» أي بالقسط حتى يكونوا سواء لا يكون من إحديهما على الأخرى جور و لا شطط فيما يتعلق بالضمانات من الأروش «و أقسطوا» أي اعدلوا «إن الله يحب المقسطين» العادلين الذين يعدلون فيما يكون قولا و فعلا «إنما المؤمنون إخوة» في الدين يلزم نصرة بعضهم بعضا «فأصلحوا بين أخويكم» أي بين كل رجلين تقاتلا و تخاصما و معنى الاثنين يأتي على الجمع لأن تأويله بين كل أخوين يعني فأنتم إخوة للمتقاتلين فأصلحوا بين الفريقين أي كفوا الظالم عن المظلوم و أعينوا المظلوم «و اتقوا الله» في ترك العدل و الإصلاح أو في منع الحقوق «لعلكم ترحمون» أي لكي ترحموا قال الزجاج سمي المؤمنين إذا كانوا متفقين في دينهم إخوة لاتفاقهم في الدين و رجوعهم إلى أصل النسب لأنهم لأم واحدة و هي حواء و روى الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال المسلم أخو المسلم لا يظلمه و لا يسلمه من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته و من فرج عن مسلم كربة فرج الله بها عنه كربة من كروب يوم القيامة و من ستر مسلما يستره الله يوم القيامة أورده البخاري و مسلم في صحيحيهما و في وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) سر ميلا عد مريضا سر ميلين شيع جنازة سر ثلاثة أميال أجب دعوة سر أربعة أميال زر أخا في الله سر خمسة أميال أجب دعوة الملهوف سر ستة أميال انصر المظلوم و عليك بالاستغفار.
النظم
وجه اتصال قوله «إن جاءكم فاسق بنبأ» بما قبله أنه لما أمر بطاعة الله و رسوله بين عقيبه أن الرسول لا يجوز أن يتبع أهواءهم بل ينبغي أن يعمل بما عنده و وجه اتصال قوله «و لكن الله حبب إليكم الإيمان» لئلا تقعوا في العنت و إنما قلنا ذلك لأن لكن لا بد أن يتقدمه نفي إذا كان ما بعده إثباتا و قوله «لو يطيعكم» «لعنتم» معناه أنه لم يطعكم فما عنتم.