۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الفتح، آية ١٨

التفسير يعرض الآيات ١٦ إلى ٢٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قُل لِّلۡمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ سَتُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ قَوۡمٍ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ تُقَٰتِلُونَهُمۡ أَوۡ يُسۡلِمُونَۖ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤۡتِكُمُ ٱللَّهُ أَجۡرًا حَسَنٗاۖ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ كَمَا تَوَلَّيۡتُم مِّن قَبۡلُ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦ لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبۡهُ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٧ ۞ لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا ١٨ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةٗ يَأۡخُذُونَهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٩ وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةٗ تَأۡخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمۡ هَٰذِهِۦ وَكَفَّ أَيۡدِيَ ٱلنَّاسِ عَنكُمۡ وَلِتَكُونَ ءَايَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَيَهۡدِيَكُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٢٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

قُل لِّلْمُخَلّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ ستُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولى بَأْسٍ شدِيدٍ تُقَتِلُونهُمْ أَوْ يُسلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللّهُ أَجْراً حَسناً وَ إِن تَتَوَلّوْا كَمَا تَوَلّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكمْ عَذَاباً أَلِيماً (16) لّيْس عَلى الأَعْمَى حَرَجٌ وَ لا عَلى الأَعْرَج حَرَجٌ وَ لا عَلى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَ مَن يُطِع اللّهَ وَ رَسولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّتٍ تجْرِى مِن تحْتِهَا الأَنهَرُ وَ مَن يَتَوَلّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً (17) لّقَدْ رَضىَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَك تحْت الشجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فى قُلُوبهِمْ فَأَنزَلَ السكِينَةَ عَلَيهِمْ وَ أَثَبَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18) وَ مَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونهَا وَ كانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (19) وَعَدَكُمُ اللّهُ مَغَانِمَ كثِيرَةً تَأْخُذُونهَا فَعَجّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَ كَف أَيْدِى النّاسِ عَنكُمْ وَ لِتَكُونَ ءَايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَ يَهْدِيَكُمْ صِرَطاً مّستَقِيماً (20)

القراءة

قرأ أهل المدينة و ابن عامر ندخله و نعذبه بالنون و الباقون بالياء و هما في المعنى سواء.

المعنى

ثم قال سبحانه لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) «قل» يا محمد «للمخلفين» الذين تخلفوا عنك في الخروج إلى الحديبية «من الأعراب ستدعون» فيما بعد «إلى قوم أولي بأس شديد» و هم هوازن و حنين عن سعيد بن جبير و عكرمة و قيل هم هوازن و ثقيف عن قتادة و قيل هم ثقيف عن الضحاك و قيل هم بنو حنيفة مع مسيلمة الكذاب عن الزهري و قيل هم أهل فارس هم ابن عباس و قيل هم الروم عن الحسن و كعب و قيل هم أهل صفين أصحاب معاوية و الصحيح أن المراد بالداعي في قوله «ستدعون» هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنه قد دعاهم بعد ذلك إلى غزوات كثيرة و قتال أقوام ذوي نجدة و شدة مثل أهل حنين و الطائف و مؤتة إلى تبوك و غيرها فلا معنى لحمل ذلك على ما بعد وفاته «تقاتلونهم أو يسلمون» معناه أن أحد الأمرين لا بد أن يقع لا محالة و تقديره أو هم يسلمون أي يقرون بالإسلام و يقبلونه و قيل ينقادون لكم و في حرف أبي أو يسلموا و تقديره إلى أن يسلموا و في النصب دلالة على أن ترك القتال من أجل الإسلام إذا وقع «فإن تطيعوا» أي فإن تجيبوا إلى قتالهم «يؤتكم الله أجرا حسنا» أي جزاءا صالحا «و إن تتولوا» عن القتال و تقعدوا عنه «كما توليتم من قبل» عن الخروج إلى الحديبية «يعذبكم عذابا أليما» في الآخرة

«ليس على الأعمى حرج» أي ضيق في ترك الخروج مع المؤمنين في الجهاد و الأعمى الذي لا يبصر بجارحة العين «و لا على الأعرج حرج و لا على المريض حرج» في ترك الجهاد أيضا قال مقاتل عذر الله أهل الزمانة و الآفات الذين تخلفوا عن المسير إلى الحديبية بهذه الآية «و من يطع الله و رسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار» معناه في الأمر بالقتال «و من يتول» عن أمر الله و أمر رسوله فيقعد عن القتال «يعذبه عذابا أليما. لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة» يعني بيعة الحديبية و تسمى بيعة الرضوان لهذه الآية و رضاء الله سبحانه عنهم هو إرادته تعظيمهم و إثابتهم و هذا إخبار منه سبحانه أنه رضي عن المؤمنين إذ بايعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديبية تحت الشجرة المعروفة و هي شجرة السمرة «فعلم ما في قلوبهم» من صدق النية في القتال و الكراهة له لأنه بايعهم على القتال عن مقاتل و قيل ما في قلوبهم من اليقين و الصبر و الوفاء «فأنزل السكينة عليهم» و هي اللطف القوي لقلوبهم و الطمأنينة «و أثابهم فتحا قريبا» يعني فتح خيبر عن قتادة و أكثر المفسرين و قيل فتح مكة عن الجبائي «و مغانم كثيرة يأخذونها» يعني غنائم خيبر فإنها كانت مشهورة بكثرة الأموال و العقار و قيل يعني غنائم هوازن بعد فتح مكة عن الجبائي «و كان الله عزيزا» أي غالبا على أمره «حكيما» في أفعاله و لذلك أمر بالصلح و حكم للمسلمين بالغنيمة و لأهل خيبر بالهزيمة ثم ذكر سبحانه سائر الغنائم التي يأخذونها فيما يأتي من الزمان فقال «وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها» مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و من بعده إلى يوم القيامة «فعجل لكم هذه» يعني غنيمة خيبر «و كف أيدي الناس عنكم» و ذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما قصد خيبر و حاصر أهلها همت قبائل من أسد و غطفان أن يغيروا على أموال المسلمين و عيالهم بالمدينة فكف الله أيديهم عنهم بإلقاء الرعب في قلوبهم و قيل إن مالك بن عوف و عيينة بن حصين مع بني أسد و غطفان جاءوا لنصرة اليهود من خيبر فقذف الله الرعب في قلوبهم و انصرفوا «و لتكون» الغنيمة التي عجلها لهم «آية للمؤمنين» على صدقك حيث وعدهم أن يصيبوها فوقع المخبر على وفق الخبر «و يهديكم صراطا مستقيما» أي و يزيدكم هدى بالتصديق بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و ما جاء به مما ترون من عدة الله في القرآن بالفتح و الغنيمة.

" قصة فتح الحديبية "

قال ابن عباس إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج يريد مكة فلما بلغ الحديبية وقفت ناقته و زجرها فلم تنزجر و بركت الناقة فقال أصحابه خلأت الناقة فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) ما هذا لها عادة و لكن حبسها حابس الفيل و دعا عمر بن الخطاب ليرسله إلى أهل مكة ليأذنوا له بأن يدخل مكة و يحل من عمرته و ينحر هديه فقال يا رسول الله ما لي بها حميم و إني أخاف قريشا لشدة عداوتي إياها و لكن أدلك على رجل هو أعز بها مني عثمان بن عفان فقال صدقت فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عثمان فأرسله إلى أبي سفيان و أشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب و إنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته فاحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و المسلمين أن عثمان قد قتل فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لا نبرح حتى نناحز القوم و دعا الناس إلى البيعة فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الشجرة فاستند إليها و بايع الناس على أن يقاتلوا المشركين و لا يفروا قال عبد الله بن معقل كنت قائما على رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك اليوم و بيدي غصن من السمرة أذب عنه و هو يبايع الناس فلم يبايعهم على الموت و إنما بايعهم على أن لا يفروا و روى الزهري و عروة بن الزبير و المسور بن مخزمة قالوا خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الهدي و أشعره و أحرم بالعمرة و بعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش و سار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى إذ كان بغدير الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عينة الخزاعي فقال إني تركت كعب بن لؤي و عامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش و جمعوا جموعا و هم قاتلوك أو مقاتلوك و صادوك عن البيت فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) روحوا فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا

###

ذات اليمين و سار (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى إذا كان بالثنية بركت راحلته فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) ما خلأت القصواء و لكن حبسها حابس الفيل ثم قال و الله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها زجرها فوثبت به قال فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبرضا فشكوا إليه العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه في الماء فو الله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه فبينا هم كذلك إذ جاءهم بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة و كانوا عيبة نصح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أهل تهامة فقال إني تركت كعب بن لؤي و عامر بن لؤي و معهم العوذ المطافيل و هم مقاتلوك و صادوك عن البيت فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنا لم نجىء لقتال أحد و لكن جئنا معتمرين و إن قريشا قد نهكتهم الحرب و أضرت بهم فإن شاءوا ما دونهم مدة و يخلو بيني و بين الناس و إن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا و إلا فقد جمعوا و إن أبوا فو الذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أول لينفذن الله تعالى أمره فقال بديل سأبلغهم ما تقول فانطلق حتى أتى قريشا فقال إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل و أنه يقول كذا و كذا فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال إنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها و دعوني آته فقالوا ائته فأتاه فجعل يكلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نحوا من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك أي محمد أ رأيت أن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك و إن تكن الأخرى فو الله إني لأرى وجوها و أرى أشابا من الناس خلقاء أن يفروا و يدعوك فقال له أبو بكر امصص بظر اللات أ نحن نفر عنه و ندعه فقال من ذا قال أبو بكر قال أما و الذي نفسي بيده لو لا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك قال و جعل يكلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و كلما كلمه أخذ بلحيته و المغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و معه السيف و عليه المغفر فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ضرب يده بنعل السيف و قال أخر يدك عن لحية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل أن لا ترجع إليك فقال من هذا قال المغيرة بن شعبة قال أي غدر و لست أسعى في غدرتك قال و كان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم و أخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أما الإسلام فقد قبلنا و أما المال فإنه مال غدر لا حاجة لنا فيه ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ابتدروا أمره و إذا توضأ ثاروا يقتتلون على وضوئه و إذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده و ما يحدون إليه النظر تعظيما له

قال فرجع عروة إلى أصحابه و قال أي قوم و الله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر و كسرى و النجاشي و الله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد إذا أمرهم ابتدروا أمره و إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه و إذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده و ما يحدون إليه النظر تعظيما له و أنه و قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها فقال رجل من بني كنانة دعوني آته فقالوا ائته فلما أشرف عليهم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه هذا فلان و هو من قوم يعظمون البدن فابعثوها فبعثت له و استقبله القوم يلبون فلما رأى ذلك قال سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال دعوني آته فقالوا ائته فلما أشرف عليهم قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا مكرز و هو رجل فاجر فجعل يكلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فبينا هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) قد سهل عليكم أمركم فقال اكتب بيننا و بينك كتابا فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن أبي طالب فقال له رسول الله اكتب باسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل أما الرحمن فو الله ما أدري ما هو و لكن أكتب باسمك اللهم فقال المسلمون و الله لا نكتب إلا باسم الله الرحمن الرحيم فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اكتب باسمك اللهم هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله فقال سهيل لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت و لا قاتلناك و لكن أكتب محمد بن عبد الله فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إني لرسول الله و إن كذبتموني ثم قال لعلي (عليه السلام) امح رسول الله فقال يا رسول الله إن يدي لا تنطلق بمحو اسمك من النبوة فأخذه رسول الله فمحاه ثم قال اكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو و اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس و يكف بعضهم عن بعض و على أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجا أو معتمرا أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه و ماله و من قدم المدينة من قريش مجتازا إلى مصر أو إلى الشام فهو آمن على دمه و ماله و أن بيننا عيبة مكفولة و أنه لا إسلال و لا أغلال و أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد و عهده دخل فيه و من أحب أن يدخل في عقد قريش و عهدهم دخل فيه فتواثبت خزاعة فقالوا نحن في عقد محمد و عهده و تواثبت بنو بكر فقالوا نحن في عقد قريش و عهدهم فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على أن تخلوا بيننا و بين البيت فنطوف فقال سهيل و الله ما تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة و لكن ذلك من العام المقبل فكتب فقال سهيل على أنه لا يأتيك منا رجل و إن كان على دينك إلا رددته إلينا و من جاءنا ممن معك لم نرده عليك فقال المسلمون سبحان الله كيف يرد إلى المشركين و قد جاء مسلما فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من جاءهم منا فأبعده الله و من جاءنا منهم رددناه إليهم فلو علم الله الإسلام من قلبه جعل له مخرجا فقال سهيل و على أنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة فإذا كان عام قابل خرجنا عنها لك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا و لا تدخلها بالسلاح إلا السيوف في القراب و سلاح الراكب و على أن هذا الهدي حيث ما حبسناه محله لا تقدمه علينا

فقال نحن نسوق و أنتم تردون فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنا لم نقض بالكتاب بعد قال و الله إذا لا أصالحك على شيء أبدا فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأجره لي فقال ما أنا بمجيره لك قال بلى فافعل قال ما أنا بفاعل قال مكرز بلى قد أجرناه قال أبو جندل بن سهيل معاشر المسلمين أ أرد إلى المشركين و قد جئت مسلما أ لا ترون ما قد لقيت و كان قد عذب عذابا شديدا فقال عمر ابن الخطاب و الله ما شككت مذ أسلمت إلا يومئذ فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت أ لست نبي الله فقال بلى قلت أ لسنا على الحق و عدونا على الباطل قال بلى قلت فلم نعطي الدنية في ديننا إذا قال إني رسول الله و لست أعصيه و هو ناصري قلت أ و لست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت و نطوف حقا قال بلى أ فأخبرتك أن نأتيه العام قلت لا قال فإنك تأتيه و تطوف به فنحر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بدنة فدعا بحالقه فحلق شعره ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات الآية قال محمد بن إسحاق بن يسار و حدثني بريدة بن سفيان عن محمد بن كعب أن كاتب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الصلح كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو فجعل علي (عليه السلام) يتلكأ و يأبى أن يكتب إلا محمد رسول الله فقال رسول الله فإن لك مثلها تعطيها و أنت مضطهد فكتب ما قالوا ثم رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش و هو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا العهد الذي جعلت لنا فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلا يأكلان من تمر لهم قال أبو بصير لأحد الرجلين و إني لأرى سيفك هذا جيدا جدا فاستله و قال أجل إنه لجيد و جربت به ثم جربت فقال أبو بصير أرني أنظر إليه فأمكنه منه فضربه به حتى برد و فر الآخر حتى بلغ المدينة فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين رآه لقد رأى هذا ذعرا فلما انتهى إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال قتل و الله صاحبي و إني لمقتول قال فجاء أبو بصير فقال يا رسول قد أوفى الله ذمتك و رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر.

وانفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت عليه عصابة قال فو الله لا يسمعون بعير لقريش قد خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم و أخذوا أموالهم فأرسلت قريش إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تناشده الله و الرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه منهم فهو آمن فأرسل (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم فأتوه.

" قصة فتح خيبر "

و لما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة من الحديبية مكث بها عشرين ليلة ثم خرج منها غاديا إلى خيبر ذكر ابن إسحاق بإسناده عن أبي مروان الأسلمي عن أبيه عن جده قال خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى خيبر حتى إذا كنا قريبا منها و أشرفنا عليها قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قفوا فوقف الناس فقال اللهم رب السماوات السبع و ما أظللن و رب الأرضين السبع و ما أقللن و رب الشياطين و ما أضللن إنا نسألك خير هذه القرية و خير أهلها و خير ما فيها و نعوذ بك من شر هذه القرية و شر أهلها و شر ما فيها أقدموا باسم الله و عن سلمة بن الأكوع قال خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع أ لا تسمعنا من هنيهاتك و كان عامر رجلا شاعرا فجعل يقول:

{لا هم لو لا أنت ما حجينا --- و لا تصدقنا و لا صلينا} {فاغفر فداء لك ما اقتنينا --- و ثبت الأقدام إن لاقينا} {وأنزلن سكينة علينا --- إنا إذا صيح بنا أتينا}

وبالصباح عولوا علينا فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من هذا السابق قالوا عامر قال يرحمه الله قال عمر و هو على جمل له وجيب يا رسول الله لو لا أمتعتنا به و ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما استغفر لرجل قط يخصه إلا استشهد قالوا فلما جد الحرب و تصاف القوم خرج يهودي و هو يقول:

{قد علمت خيبر أني مرحب} {شاكي السلاح بطل مجرب} {إذا الحروب أقبلت تلهب}

فبرز إليه عامر و هو يقول:

{قد علمت خيبر أني عامر} {شاكي السلاح بطل مغامر}

###

فاختلفا ضربتين فوقع سيف اليهودي في ترس عامر و كان سيف عامر فيه قصر فتناول به ساق اليهودي ليضربه فرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر فمات منه قال سلمة فإذا نفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقولون بطل عمل عامر قتل نفسه قال فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و أنا أبكي فقلت قالوا إن عامرا بطل عمله فقال من قال ذلك قلت نفر من أصحابك فقال كذب أولئك بل أوتي من الأجر مرتين قال فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة ثم إن الله فتحها علينا و ذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعطى اللواء عمر بن الخطاب و نهض من نهض معه من الناس فلقوا أهل خيبر فانكشف عمر و أصحابه فرجعوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يجبنه أصحابه و يجبنهم و كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس فقال حين أفاق من وجعه ما فعل الناس بخيبر فأخبر فقال لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله كرارا غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله على يديه و روى البخاري و مسلم عن قتيبة عن سعيد قال حدثنا يعقوب عن عبد الرحمن الإسكندراني عن أبي حازم قال أخبرني سعد بن سهل أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال يوم خيبر لأعطين هذه الراية غدا رجل يفتح الله على يديه يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله قال فبات الناس يدوكون بجملتهم أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كلهم يرجون أن يعطاها فقال أين علي بن أبي طالب فقالوا يا رسول الله هو يشتكي عينيه قال فأرسلوا إليه فأتي به فبصق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في عينيه و دعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال علي (عليه السلام) يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا أمثلنا قال أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام و أخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من يكون لك حمر النعم قال سلمة فبرز مرحب و هو يقول:

{قد علمت خيبر أني مرحب}

الأبيات فبرز له علي (عليه السلام) و هو يقول:

{أنا الذي سمتني أمي حيدرة} {كليث غابات كريه المنظرة} {أو فيهم بالصاع كيل السندرة}

فضرب مرحبا ففلق رأسه فقتله و كان الفتح على يده أورده مسلم في الصحيح و روى أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن رافع مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال خرجنا مع علي (عليه السلام) حين بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل من اليهود فطرح ترسه من يده فتناول علي باب الحصن فتترس به عن نفسه فلم يزل في يده و هو يقاتل حتى فتح الله عليه ثم ألقاه من يده فلقد رأيتني في نفر مع سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما استطعنا أن نقلبه و بإسناده عن ليث بن أبي سليم عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) قال حدثني جابر بن عبد الله أن عليا (عليه السلام) حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه فاقتحموها و أنه حرك بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا قال و روي من وجه آخر عن جابر ثم اجتمع عليه سبعون رجلا فكان جهدهم أن أعادوا الباب و بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال كان علي (عليه السلام) يلبس في الحر و الشتاء القباء المحشو الثخين و ما يبالي الحر فأتاني أصحابي فقالوا إنا رأينا من أمير المؤمنين (عليه السلام) شيئا فهل رأيت فقلت و ما هو قالوا رأيناه يخرج علينا في الحر الشديد في القباء المحشو الثخين و ما يبالي الحر و يخرج علينا في البرد الشديد في الثوبين الخفيفين و ما يبالي البرد فهل سمعت في ذاك شيئا فقلت لا فقالوا فسل لنا أباك عن ذلك فإنه يسمر معه فسألته فقال ما سمعت في ذلك شيئا فدخل على علي (عليه السلام) فسمر معه ثم سأله عن ذلك فقال أ و ما شهدت خيبر قلت بلى قال أ فما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين دعا أبا بكر فقعد له ثم بعثه إلى القوم فانطلق فلقي القوم ثم جاء بالناس و قد هزم فقال بلى قال ثم بعث إلى عمر فقعد له ثم بعثه إلى القوم فانطلق فلقي القوم فقاتلهم ثم رجع و قد هزم فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله يفتح الله على يديه كرارا غير فرار فدعاني فأعطاني الراية ثم قال اللهم اكفه الحر و البرد فما وجدت بعد ذلك حرا و لا بردا و هذا كله منقول من كتاب دلائل النبوة للإمام أبي بكر البيهقي ثم لم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يفتح الحصون حصنا حصنا و يجوز الأموال حتى انتهوا إلى حصن الوطيح و السلالم و كان آخر حصون خيبر افتتح و حاصرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بضع عشرة ليلة قال ابن إسحاق و لما افتتح القموص حصن ابن أبي الحقيق أتي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بصفية بنت حيي بن أخطب و بأخرى معها فمر بهما بلال و هو الذي جاء بهما على قتلي من قتلي يهود فلما رأتهم التي معها صفية صاحت و صكت وجهها و حثت التراب على رأسها فلما رآها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال أعزبوا عني هذا الشيطانة و أمر بصفية فحيزت خلفه و ألقى عليها رداءه فعرف المسلمون أنه قد اصطفاها لنفسه و قال (صلى الله عليه وآله وسلم) لبلال لما رأى من تلك اليهودية ما رأى أنزعت منك الرحمة يا بلال حيث تمر بامرأتين على قتلي رجالهما و كانت صفية قد رأت في المنام و هي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق أن قمرا وقع في حجرها فعرضت رؤياها على زوجها فقال ما هذا إلا أنك تتمنين ملك الحجاز محمدا و لطم وجهها لطمة اخضرت عينها منها فأتي بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و بها أثر منها فسألها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما هو فأخبرته و أرسل ابن أبي الحقيق إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنزل فأكلمك نعم فنزل وصالح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على حقن دماء من في حصونهم من المقاتلة و ترك الذرية لهم و يخرجون من خيبر و أرضها بذراريهم و يخلون بين رسول الله و بين ما كان لهم من مال و أرض على الصفراء و البيضاء و الكراع و الحلقة و على البز إلا ثوبا على ظهر إنسان و قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فبرئت منكم ذمة الله و ذمة رسوله إن كتمتموني شيئا فصالحوه على ذلك فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله يسألونه أن يسيرهم و يحقن دماءهم و يخلون بينه و بين الأموال ففعل و كان ممن مشى بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و بينهم في ذلك محيصة بن مسعود أحد بني حارثة فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعاملهم الأموال على النصف و قالوا نحن أعلم بها منكم و أعمر لها فصالحهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على النصف على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم و صالحه أهل فدك على مثل ذلك فكانت أموال خيبر فيئا بين المسلمين و كانت فدك خالصة لرسول الله لأنهم لم يوجفوا عليها بخيل و لا ركاب و لما اطمأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم و هي ابنة أخي مرحب شاة مصلية و قد سألت أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقيل لها الذراع فأكثرت فيها السم و سمت سائر الشاة ثم جاءت بها فلما وضعتها بين يديه تناول الذراع فأخذها فلاك منها مضغة و انتهش منها و معه بشر بن البراء بن معرور فتناول عظما فانتعش منه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ارفعوا أيديكم فإن كتف هذه الشاة تخبرني أنها مسمومة ثم دعاها فاعترفت فقال ما حملك على ذلك فقالت بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت إن كان نبيا فسيخبر و إن كان ملكا استحرت منه فتجاوز عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و مات بشر بن البراء من أكلته التي أكل قال و دخلت أم بشر بن البراء على رسول الله تعوده في مرضه الذي توفي فيه فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) يا أم بشر ما زالت أكلة خيبر التي أكلت بخيبر مع ابنك تعاودني فهذا أو أن قطعت أبهري و كان المسلمون يرون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مات شهيدا مع ما أكرمه الله به من النبوة.