۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة محمد، آية ٢

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٦

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ١ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٖ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡ كَفَّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَأَصۡلَحَ بَالَهُمۡ ٢ ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡبَٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡحَقَّ مِن رَّبِّهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمۡثَٰلَهُمۡ ٣ فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثۡخَنتُمُوهُمۡ فَشُدُّواْ ٱلۡوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوۡزَارَهَاۚ ذَٰلِكَۖ وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٤ سَيَهۡدِيهِمۡ وَيُصۡلِحُ بَالَهُمۡ ٥ وَيُدۡخِلُهُمُ ٱلۡجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمۡ ٦

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ الّذِينَ كَفَرُوا وَ صدّوا عَن سبِيلِ اللّهِ أَضلّ أَعْمَلَهُمْ (1) وَ الّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ وَ ءَامَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلى محَمّدٍ وَ هُوَ الحَْقّ مِن رّبهِمْ كَفّرَ عَنهُمْ سيِّئَاتهِمْ وَ أَصلَحَ بَالهَُمْ (2) ذَلِك بِأَنّ الّذِينَ كَفَرُوا اتّبَعُوا الْبَطِلَ وَ أَنّ الّذِينَ ءَامَنُوا اتّبَعُوا الحَْقّ مِن رّبهِمْ كَذَلِك يَضرِب اللّهُ لِلنّاسِ أَمْثَلَهُمْ (3) فَإِذَا لَقِيتُمُ الّذِينَ كَفَرُوا فَضرْب الرِّقَابِ حَتى إِذَا أَثخَنتُمُوهُمْ فَشدّوا الْوَثَاقَ فَإِمّا مَنّا بَعْدُ وَ إِمّا فِدَاءً حَتى تَضعَ الحَْرْب أَوْزَارَهَا ذَلِك وَ لَوْ يَشاءُ اللّهُ لانتَصرَ مِنهُمْ وَ لَكِن لِّيَبْلُوَا بَعْضكم بِبَعْضٍ وَ الّذِينَ قُتِلُوا فى سبِيلِ اللّهِ فَلَن يُضِلّ أَعْمَلَهُمْ (4) سيهْدِيهِمْ وَ يُصلِحُ بَالهَُمْ (5) وَ يُدْخِلُهُمُ الجَْنّةَ عَرّفَهَا لهَُمْ (6)

القراءة

قرأ أهل البصرة و حفص «و الذين قتلوا» على ما لم يسم فاعله و الباقون قاتلوا بالألف.

الحجة

قال أبو علي قاتلوا أعم من قتلوا أ لا ترى أن من قاتل و لم يقتل لن يضل عمله كما أن الذي قتل كذلك فهو لعمومه أولى.

اللغة

البال الحال و الشأن و البال القلب أيضا يقال خطر ببالي كذا و البال لا يجمع لأنه أبهم أخواته من الحال و الشأن.

و الإثخان إكثار القتل و غلبة العدو و قهرهم و منه أثخنه المرض اشتد عليه و أثخنه الجراح و الوثاق اسم من الإيثاق و يقال أوثقه إيثاقا و وثاقا إذا اشتد أسره كيلا يفك و الأوزار السلاح و أصل الوزر ما يحمله الإنسان فسمي السلاح أوزارا لأنه يحمل قال الأعشى:

{وأعددت للحرب أوزارها --- رماحا طوالا و خيلا ذكورا} {ومن نسج داود يحدو بها --- على أثر الحي عيرا فعيرا}

الإعراب

ذلك خبر مبتدإ محذوف تقديره الأمر ذلك و يجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر تقديره ذلك كائن فضرب الرقاب مصدر فعل محذوف تقديره فاضربوا الرقاب ضربا فحذف الفعل و أضيف المصدر إلى المفعول و هذه الإضافة في تقدير الانفصال لأن تقديره فضربا الرقاب قال الشاعر:

{فندلا زريق المال ندل الثعالب}

وكذلك قوله «منا» و «فداء» تقديره فإما تمنون منا و إما تفدون فداء.

المعنى

«الذين كفروا» بتوحيد الله و عبدوا معه غيره «و صدوا» الناس «عن سبيل الله» أي عن سبيل الإيمان و الإسلام باستدعائهم إلى تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعني مشركي العرب «أضل أعمالهم» أي أحبط الله أعمالهم التي كان في زعمهم أنها قربة و أنها تنفعهم كالعتق و الصدقة و قرى الضيف و المعنى أذهبها و أبطلها حتى كأنها لم تكن إذ لم يروا لها في الآخرة ثوابا و قيل نزلت في المطعمين ببدر و كانوا عشرة أنفس أطعم كل واحد منهم الجند يوما «و الذين آمنوا و عملوا الصالحات» أي صدقوا بتوحيد الله و أضافوا إلى ذلك الأعمال الصالحة «و آمنوا بما نزل على محمد» من القرآن و العبادات خص الإيمان بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالذكر مع دخوله في الأول تشريفا له و تعظيما و لئلا يقول أهل الكتاب نحن آمنا بالله و بأنبيائنا و كتبنا «و هو الحق من ربهم» أي و ما نزل على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الحق من ربهم لأنه ناسخ للشرائع و الناسخ هو الحق و قيل معناه و محمد الحق من ربهم دون ما يزعمون من أنه سيخرج في آخر الزمان نبي من العرب فليس هذا هو فرد الله ذلك عليهم «كفر عنهم سيئاتهم» أي سترها عنهم بأن غفرها لهم يعني غفر سيئاتهم المتقدمة بإيمانهم و حكم بإسقاط المستحق عليها من العقاب «و أصلح بالهم» أي أصلح حالهم في معاشهم و أمر دنياهم عن قتادة و قيل أصلح أمر دينهم و دنياهم بأن نصرهم على أعدائهم في الدنيا و يدخلهم الجنة في العقبي ثم بين سبحانه لم فعل ذلك و لم قسمهم هذين القسمين فقال «ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل و أن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم» أي ذلك الإضلال و الإصلاح باتباع الكافرين الشرك و عبادة الشيطان و اتباع المؤمنين التوحيد و القرآن و ما أمر الله سبحانه باتباعه «كذلك يضرب الله للناس أمثالهم» أي كالبيان الذي ذكرنا يبين الله سبحانه للناس أمثال حسنات المؤمنين و سيئات الكافرين فإن معنى قول القائل ضربت لك مثلا بينت لك ضربا من الأمثال عن الزجاج و قيل أراد به المثل المقرون به فجعل الكافر في اتباعه الباطل كمن دعاه الباطل إلى نفسه فأجابه و المؤمن كمن دعاه الحق إلى نفسه فأجابه و قيل معناه كما بينت عاقبة الكافر و المؤمن و جزاء كل واحد منهما أضرب للناس أمثالا يستدلون بها فيزيدهم علما و وعظا و أضاف المثل إليهم لأنه مجعول لهم ثم أمر سبحانه بقتال الكفار فقال «فإذا لقيتم» معاشر المؤمنين «الذين كفروا» يعني أهل دار الحرب «فضرب الرقاب» أي فاضربوا رقابهم و المعنى اقتلوهم لأن أكثر مواضع القتل ضرب العنق و إن كان يجوز الضرب في سائر المواضع فإن الغرض قتلهم «حتى إذا أثخنتموهم» أي أثقلتموهم بالجراح و ظفرتم بهم و قيل حتى إذا بالغتم في قتلهم و أكثرتم القتل حتى ضعفوا «فشدوا الوثاق» أي أحكموا وثاقهم في الأسر.

أمر سبحانه بقتلهم و الإثخان فيهم ليذلوا فإذا ذلوا بالقتل أسروا فالأسر يكون بعد المبالغة في القتل كما قال سبحانه ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض «فإما منا بعد و إما فداء» أي فأما أن تمنوا عليهم منا بعد أن تأسروهم فتطلقوهم بغير عوض و أما أن تفدوهم فداء و اختلف في ذلك فقيل كان الأسر محرما بآية الأنفال ثم أبيح بهذه الآية لأن هذه السورة نزلت بعدها فإذا أسروا فالإمام مخير بين المن و الفداء بأسارى المسلمين و بالمال و بين القتل و الاستعباد و هو قول الشافعي و أبي يوسف و محمد بن إسحاق و قيل أن الإمام مخير بين المن و الفداء و الاستعباد و ليس له القتل بعد الأسر عن الحسن و كأنه جعل في الآية تقديما و تأخيرا تقديره فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها ثم قال حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد و إما فداء و قيل أن حكم الآية منسوخ بقوله اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم و بقوله فإما تثقفنهم في الحرب عن قتادة و السدي و ابن جريج و قال ابن عباس و الضحاك الفداء منسوخ و قيل أن حكم الآية ثابت غير منسوخ عن ابن عمر و الحسن و عطاء قالوا لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من على أبي غرة و قتل عقبة بن أبي معيط و فادى أسارى بدر و المروي عن أئمة الهدى صلوات الرحمن عليهم أن الأسارى ضربان ضرب يؤخذون قبل انقضاء القتال و الحرب قائمة فهؤلاء يكون الإمام مخيرا بين أن يقتلهم أو يقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف و يتركهم حتى ينزفوا و لا يجوز المن و لا الفداء. و الضرب الآخر الذين يؤخذون بعد أن وضعت الحرب أوزارها و انقضى القتال فالإمام مخير فيهم بين المن و الفداء إما بالمال أو بالنفس و بين الاسترقاق و ضرب الرقاب فإذا أسلموا في الحالين سقط جميع ذلك و كان حكمهم حكم المسلمين «حتى تضع الحرب أوزارها» أي حتى يضع أهل الحرب أسلحتهم فلا يقاتلون و قيل حتى لا يبقى أحد من المشركين عن ابن عباس و قيل حتى لا يبقى دين غير دين الإسلام عن مجاهد و المعنى حتى تضع حربكم و قتالكم أوزار المشركين و قبائح أعمالهم بأن يسلموا فلا يبقى إلا الإسلام خير الأديان و لا تعبد الأوثان و هذا كما جاء في الحديث و الجهاد ماض مذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال و قال الفراء المعنى حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم و قال الزجاج أي اقتلوهم و أسروهم حتى يؤمنوا فما دام الكفر فالحرب قائمة أبدا «ذلك» أي الأمر الذي ذكرنا

«و لو يشاء الله لانتصر منهم» أي من الكفار بإهلاكهم و تعذيبهم بما شاء «و لكن» يأمركم بالحرب و بذل الأرواح في إحياء الدين «ليبلوا بعضكم ببعض» أي ليمتحن بعضكم ببعض فيظهر المطيع من العاصي و المعنى أنه لو كان الغرض زوال الكفر فقط لأهلك الله سبحانه الكفار بما يشاء من أنواع الهلاك و لكن أراد مع ذلك أن يستحقوا الثواب و ذلك لا يحصل إلا بالتعبد و تحمل المشاق «و الذين قتلوا في سبيل الله» أي في الجهاد في دين الله يوم أحد عن قتادة و من قرأ قاتلوا فالمعنى جاهدوا سواء قتلوا أو لم يقتلوا «فلن يضل أعمالهم» أي لن يضيع الله أعمالهم و لن يهلكها بل يقبلها و يجازيهم عليها ثوابا دائما «سيهديهم» إلى طريق الجنة و الثواب «و يصلح بالهم» أي شأنهم و حالهم و الوجه في تكرير قوله «بالهم» أن المراد بالأول أنه أصلح بالهم في الدين و الدنيا و بالثاني أنه يصلح حالهم في نعيم العقبي فالأول سبب النعيم و الثاني نفس النعيم «و يدخلهم الجنة عرفها لهم» أي بينها لهم حتى عرفوها إذا دخلوها و تفرقوا إلى منازلهم فكانوا أعرف بها من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم عن سعيد بن جبير و أبي سعيد الخدري و قتادة و مجاهد و ابن زيد و قيل معناه بينها لهم و أعلمهم بوصفها على ما يشوق إليها فيرغبون فيها و يسعون لها عن الجبائي و قيل معناه طيبها لهم عن ابن عباس في رواية عطاء من العرف و هو الرائحة الطيبة يقال طعم معرف أي مطيب.