۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الأحقاف، آية ١٩

التفسير يعرض الآيات ١٦ إلى ٢٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ١٦ وَٱلَّذِي قَالَ لِوَٰلِدَيۡهِ أُفّٖ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيٓ أَنۡ أُخۡرَجَ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلۡقُرُونُ مِن قَبۡلِي وَهُمَا يَسۡتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيۡلَكَ ءَامِنۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ فَيَقُولُ مَا هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٧ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَٰسِرِينَ ١٨ وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۖ وَلِيُوَفِّيَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٩ وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا فَٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَفۡسُقُونَ ٢٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

أُولَئك الّذِينَ نَتَقَبّلُ عَنهُمْ أَحْسنَ مَا عَمِلُوا وَ نَتَجَاوَزُ عَن سيِّئَاتهِمْ فى أَصحَبِ الجَْنّةِ وَعْدَ الصدْقِ الّذِى كانُوا يُوعَدُونَ (16) وَ الّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفٍ لّكُمَا أَ تَعِدَانِنى أَنْ أُخْرَجَ وَ قَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلى وَ هُمَا يَستَغِيثَانِ اللّهَ وَيْلَك ءَامِنْ إِنّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلا أَسطِيرُ الأَوّلِينَ (17) أُولَئك الّذِينَ حَقّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فى أُمَمٍ قَدْ خَلَت مِن قَبْلِهِم مِّنَ الجِْنِّ وَ الانسِ إِنهُمْ كانُوا خَسِرِينَ (18) وَ لِكلٍّ دَرَجَتٌ ممّا عَمِلُوا وَ لِيُوَفِّيهُمْ أَعْمَلَهُمْ وَ هُمْ لا يُظلَمُونَ (19) وَ يَوْمَ يُعْرَض الّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أَذْهَبْتُمْ طيِّبَتِكمْ فى حَيَاتِكمُ الدّنْيَا وَ استَمْتَعْتُم بهَا فَالْيَوْمَ تجْزَوْنَ عَذَاب الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَستَكْبرُونَ فى الأَرْضِ بِغَيرِ الحَْقِّ وَ بمَا كُنتُمْ تَفْسقُونَ (20)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر «نتقبل» و «نتجاوز» بالنون، «أحسن» بالنصب و الباقون يتقبل و يتجاوز بضم الياء أحسن بالرفع و قرأ ابن كثير و أبو جعفر و يعقوب آذهبتم بهمزة واحدة ممدودة و قرأ ابن عامر ء أذهبتم بهمزتين و الباقون «أذهبتم» بفتح الهمزة.

الحجة

من قرأ يتقبل فلأن الفعل و إن كان مبنيا للمفعول به فمعلوم أنه لله تعالى كما جاء في الأخرى إنما يتقبل الله من المتقين فبناؤه للمفعول كبنائه للفاعل في العلم بالفاعل و حجة من قرأ «نتقبل» بالنون أنه قد تقدم الكلام و وصينا الإنسان و كلاهما حسن و قد ذكرنا اختلافهم في أف في بني إسرائيل و حجة الاستفهام في أذهبتم أنه قد جاء هذا النحو بالاستفهام نحو أ ليس هذا بالحق و قوله أ كفرتم بعد إيمانكم و وجه الخبر أن الاستفهام تقرير فهو مثل الخبر أ لا ترى أن التقرير لا يجاب بالفاء كما يجاب بها إذا لم يكن تقريرا فكأنهم يوبخون بهذا الذي يخبرون به و يبكتون و المعنى في القراءتين يقال لهم هذا فحذف القول كما حذف في نحو قوله «أ كفرتم بعد إيمانكم».

الإعراب

«وعد الصدق» نصب على المصدر تقديره وعدهم الله ذلك وعدا و إضافته إلى الصدق غير حقيقية لأن الصدق في تقدير النصب بأنه صفة وعد و «الذي كانوا يوعدون» موصول و صلة في موضع النصب بكونه صفة الوعد و «أف لكما» مبتدأ و خبر تقديره هذه الكلمة التي تقال عند الأمور المكروهة كائنة لكما ويلك منصوب لأنه مفعول فعل محذوف تقديره ألزمك الله الويل و قيل تقديره وي لك فهو مبتدأ و خبر كما قلناه في أف و ليوفيها معطوف على محذوف تقديره و الله أعلم ليجزيهم بما عملوا و ليوفيهم أعمالهم.

المعنى

ثم أخبر سبحانه بما يستحقه هذا الإنسان من الثواب فقال «أولئك»

يعني أهل هذا القول «الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا» أي يثابون على طاعاتهم و المعنى نقبل بإيجاب الثواب لهم أحسن أعمالهم و هو ما يستحق به الثواب من الواجبات و المندوبات فإن المباح أيضا من قبيل الحسن و لا يوصف بأنه متقبل «و نتجاوز عن سيئاتهم» التي اقترفوها «في أصحاب الجنة» أي في جملة من يتجاوز عن سيئاتهم و هم أصحاب الجنة فيكون قوله «في أصحاب الجنة» في موضع نصب على الحال «وعد الصدق الذي كانوا يوعدون» أي وعدهم وعد الصدق و هو ما وعد أهل الإيمان بأن يتقبل من محسنهم و يتجاوز عن مسيئهم إذا شاء أن يتفضل عليهم بإسقاط عقابهم أو إذا تابوا الوعد الذي كانوا يوعدونه في الدنيا على ألسنة الرسل «و الذي قال لوالديه» إذا دعوه إلى الإيمان «أف لكما» و هي كلمة تبرم يقصد بها إظهار التسخط و معناه بعدا لكما و قيل معناه نتنا و قذرا لكما كما يقال عند شم الرائحة المكروهة «أ تعدانني أن أخرج» من القبر و أحيا و أبعث «و قد خلت القرون من قبلي» أي مضت الأمم و ماتوا قبلي فما أخرجوا و لا أعيدوا و قيل معناه خلت القرون على هذا المذهب ينكرون البعث «و هما» يعني والديه «يستغيثان الله» أي يستصرخان الله و يطلبان منه الغوث ليتلطف له بما يؤمن عنده و يقولان له «ويلك آمن» بالقيامة و بما يقوله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) «إن وعد الله» بالبعث و النشور و الثواب و العقاب «حق فيقول» هو في جوابهما «ما هذا» القرآن و ما تزعمانه و تدعوانني إليه «إلا أساطير الأولين» أي أخبار الأولين و أحاديثهم التي سطروها و ليس لها حقيقة و قيل أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قال له أبواه أسلم و ألحا عليه فقال أحيوا لي عبد الله بن جدعان و مشايخ قريش حتى أسألهم عما تقولون عن ابن عباس و أبي العالية و السدي و مجاهد و قيل الآية عامة في كل كافر عاق لوالديه عن الحسن و قتادة و الزجاج قالوا و يدل عليه أنه قال عقيبها «أولئك الذين حق عليهم القول في أمم» أي حقت عليهم كلمة العذاب في أمم أي مع أمم «قد خلت من قبلهم من الجن و الإنس» على مثل حالهم و اعتقادهم قال قتادة قال الحسن الجن لا يموتون فقلت «أولئك الذين حق عليهم القول في أمم» الآية تدل على خلافه ثم قال سبحانه مخبرا عن حالهم «إنهم كانوا خاسرين» لأنفسهم إذ أهلكوها بالمعاصي

«و لكل درجات مما عملوا» أي لكل واحد ممن تقدم ذكره من المؤمنين البررة و الكافرين الفجرة درجات على مراتبهم و مقادير أعمالهم فدرجات الأبرار في عليين و درجات الفجار دركات في سجين عن ابن زيد و أبي مسلم و قيل معناه و لكل مطيع درجات ثواب و إن تفاضلوا في مقاديرها عن الجبائي و علي بن عيسى و لنوفيهم أعمالهم أي جزاء أعمالهم و ثوابها و من قرأ بالياء فالمعنى و ليوفيهم الله أعمالهم «و هم لا يظلمون» بعقاب لا يستحقونه أو بمنع ثواب يستحقونه «و يوم يعرض الذين كفروا على النار» يعني يوم القيامة أي يدخلون النار كما يقال عرض فلان علي السوط و قيل معناه عرض عليهم النار قبل أن يدخلوها ليروا أهوالها «أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا» أي فيقال لهم آثرتم طيباتكم و لذاتكم في الدنيا على طيبات الجنة «و استمتعتم بها» أي انتفعتم بها منهمكين فيها و قيل هي الطيبات من الرزق يقول أنفقتموها في شهواتكم و في ملاذ الدنيا و لم تنفقوها في مرضاة الله و لما وبخ الله سبحانه الكفار بالتمتع بالطيبات و اللذات في هذه الدار آثر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و أمير المؤمنين (عليه السلام) الزهد و التقشف و اجتناب الترفه و النعمة و قد روي في الحديث أن عمر بن الخطاب قال استأذنت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فدخلت عليه في مشربة أم إبراهيم و أنه لمضطجع على خصفة و أن بعضه على التراب و تحت رأسه وسادة محشوة ليفا فسلمت عليه ثم جلست فقلت يا رسول الله أنت نبي الله و صفوته و خيرته من خلقه و كسرى و قيصر على سرر الذهب و فرش الديباج و الحرير فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أولئك قوم عجلت طيباتهم و هي وشيكة الانقطاع و إنما أخرت لنا طيباتنا

وقال علي بن أبي طالب (عليه السلام) في بعض خطبه: و الله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها و لقد قال لي قائل أ لا تنبذها فقلت اعزب عني فعند الصباح يحمد القوم السري و روى محمد بن قيس عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنه قال و الله إن كان علي (عليه السلام) ليأكل أكلة العبد و يجلس جلسة العبد و إن كان يشتري القميصين فيخير غلامه خيرهما ثم يلبس الآخر فإذا جاز أصابعه قطعه و إذا جاز كعبه حذفه و لقد ولي خمس سنين ما وضع آجرة على آجرة و لا لبنة على لبنة و لا أورث بيضاء و لا حمراء و إن كان ليطعم الناس على خبز البر و اللحم و ينصرف إلى منزله فيأكل خبز الشعير و الزيت و الخل و ما ورد عليه أمران كلاهما لله عز و جل فيه رضى إلا أخذ بأشدهما على بدنه و لقد أعتق ألف مملوك من كد يمينه تربت منه يداه و عرق فيه وجهه و ما أطاق عمله أحد من الناس بعده و إن كان ليصلي في اليوم و الليلة ألف ركعة و إن كان أقرب الناس شبها به علي بن الحسين (عليهما السلام) ما أطاق عمله أحد من الناس بعده ثم أنه قد اشتهر في الرواية أنه (عليه السلام) لما دخل على العلاء بن زياد بالبصرة يعوده قال له العلاء يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد لبس العباءة و تخلى من الدنيا فقال (عليه السلام) علي به فلما جاء به قال يا عدي نفسه لقد استهام بك الخبيث أ ما رحمت أهلك و ولدك أ ترى الله أحل لك الطيبات و هو يكره أن تأخذها أنت أهون على الله من ذلك قال يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك و جشوبة مأكلك قال ويحك إني لست كانت إن الله تعالى فرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره «فاليوم تجزون عذاب الهون» أي العذاب الذي فيه الذل و الخزي و الهوان «بما كنتم تستكبرون في الأرض» أي باستكباركم عن الانقياد للحق في الدنيا و تكبركم على أنبياء الله و أوليائه «بغير الحق و بما كنتم تفسقون» أي بخروجكم من طاعة الله إلى معاصيه.