۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الجاثية، آية ١٢

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ١٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

هَٰذَا هُدٗىۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ عَذَابٞ مِّن رِّجۡزٍ أَلِيمٌ ١١ ۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡبَحۡرَ لِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ فِيهِ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ١٣ قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغۡفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ لِيَجۡزِيَ قَوۡمَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٤ مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ ١٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

هَذَا هُدًى وَ الّذِينَ كَفَرُوا بِئَايَتِ رَبهِمْ لهَُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ (11) اللّهُ الّذِى سخّرَ لَكمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِى الْفُلْك فِيهِ بِأَمْرِهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضلِهِ وَ لَعَلّكمْ تَشكُرُونَ (12) وَ سخّرَ لَكم مّا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ (13) قُل لِّلّذِينَ ءَامَنُوا يَغْفِرُوا لِلّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللّهِ لِيَجْزِى قَوْمَا بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ (14) مَنْ عَمِلَ صلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيهَا ثمّ إِلى رَبِّكمْ تُرْجَعُونَ (15)

القراءة

قرأ ابن كثير و حفص «من رجز أليم» بالرفع و الباقون أليم بالجر و قرأ أبو جعفر ليجز بضم الياء و فتح الزاي و قرأ ابن عامر و حمزة و الكسائي و خلف لنجزي بالنون و كسر الزاي و النصب و قرأ الباقون «ليجزي» بفتح الياء و كسر الزاي.

الحجة

قال أبو علي الرجز العذاب فمن جر فالتقدير بهم من عذاب أليم و من رفع فالمعنى عذاب أليم من عذاب و فيه قولان ( أحدهما ) أن الصفة قد تجيء على وجه التأكيد كما أن الحال قد تجيء كذلك و ذلك نحو قوله نفخة واحدة و مناة الثالثة الأخرى و قولهم أمس الدابر قال:

{وأبي الذي ترك الملوك و جمعهم --- بفعال هامدة كأمس الدابر}

( و الآخر ) أنه محمول على أنه بمعنى الرجس الذي هو النجاسة على البدل للمقاربة و معنى النجاسة فيه قوله و يسقى من ماء صديد يتجرعه و لا يكاد يسيغه فكان المعنى لهم عذاب من تجرع رجس أو شرب رجس فتكون من تبيينا للعذاب مم هو و من قرأ «ليجزي» بالياء فحجته أن ذكر الله قد تقدم في قوله «لا يرجون أيام الله» فيكون فاعل يجزي و من قرأ بالنون فالنون في معنى الياء و إن كانت الياء أشد مطابقة لما في اللفظ و من قرأ «ليجزي قوما» فقال أبو عمرو إنه لحسن ظاهر و ذكر أن الكسائي قال إن معناه ليجزي الجزاء قوما قال الجامع البصير معناه ليجزي الخير قوما فأضمر الخير لدلالة الكلام عليه و ليس التقدير ليجزي الجزاء قوما لأن المصدر لا يقوم مقام الفاعل و معك مفعول صحيح فإذا الخبر مضمر كما أضمر الشمس في قوله حتى توارت بالحجاب لأن قوله إذ عرض عليه بالعشي يدل على تواري الشمس.

المعنى

ثم قال سبحانه «هذا هدى» أي هذا القرآن الذي تلوناه و الحديث الذي ذكرناه هدى أي دلالة موصلة إلى الفرق بين الحق و الباطل من أمور الدين و الدنيا «و الذين كفروا بآيات ربهم» و جحدوها «لهم عذاب من رجز أليم» مر معناه ثم نبه سبحانه خلقه على وجه الدلالة على توحيده فقال «الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره» أي جعله على هيئته لتجري السفن فيه «و لتبتغوا من فضله» أي و لتطلبوا بركوبه في أسفاركم من الأرباح بالتجارات «و لعلكم تشكرون» له هذه النعمة «و سخر لكم ما في السماوات و ما في الأرض» أي سخر لكم مع ذلك معاشر الخلق ما في السماوات من الشمس و القمر و النجوم و المطر و الثلج و البرد و ما في الأرض من الدواب و الأشجار و النبات و الأثمار و الأنهار و معنى تسخيرها لنا أنه تعالى خلقها جميعا لانتفاعنا بها فهي مسخرة لنا من حيث أنا ننتفع بها على الوجه الذي نريده و قوله «جميعا منه» قال ابن عباس أي كل ذلك رحمة منه لكم قال الزجاج كل ذلك منه تفضل و إحسان و يحسن الوقف على قوله «جميعا» ثم يقول منه أي ذلك التسخير منه لا من غيره فهو فضله و إحسانه و روي عن ابن عباس و عبد الله بن عمر و الجحدري أنهم قرءوا منة منصوبة و منونة و على هذا فيكون من باب تبسمت و ميض البرق فكأنه قال من عليهم منة و روي عن سلمة أنه قرأ منة بالرفع و على هذا فيكون خبر مبتدإ محذوف أي ذلك منة أو هو منة أو يكون على معنى سخر لكم ذلك منة «إن في ذلك لآيات» أي دلالات «لقوم يتفكرون» ثم خاطب سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «قل» يا محمد «للذين آمنوا يغفروا» هذا جواب أمر محذوف دل عليه الكلام و تقديره قل لهم اغفروا يغفروا فصار قل لهم على هذا الوجه يغني عنه عن علي بن عيسى و قيل معناه قل للذين آمنوا اغفروا و لكنه شبه بالشرط و الجزاء كقوله قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة عن الفراء و قيل يغفروا تقديره يا هؤلاء اغفروا فحذف المنادي كقوله ألا يا اسجدوا لله و قول الشاعر:

{ألا يا أسلمي ذات الدماليج و العقد}

«للذين لا يرجون أيام الله» أي لا يخافون عذاب الله إذا نالوكم بالأذى و المكروه و لا يرجون ثوابه بالكف عنكم و قد مر تفسير أيام الله عند قوله و ذكرهم بأيام الله و معنى يغفروا هاهنا يتركوا مجازاتهم على أذاهم و لا يكافئوهم ليتولى الله مجازاتهم «ليجزي قوما بما كانوا يكسبون» بيان هذا الجزاء في الآية التي تليها و هو قوله «من عمل صالحا» أي طاعة و خيرا و برا «فلنفسه» لأن ثواب ذلك يعود عليه «و من أساء فعليها» أي فوبال إساءته على نفسه «ثم إلى ربكم ترجعون» يوم القيامة أي إلى حيث لا يملك أحد النفع و الضر و النهي و الأمر غيره سبحانه فيجازي كل إنسان على قدر عمله.