۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الجاثية، آية ١

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

حمٓ ١ تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ٢ إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٣ وَفِي خَلۡقِكُمۡ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٤ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزۡقٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ حم (1) تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللّهِ الْعَزِيزِ الحَْكِيمِ (2) إِنّ فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِ لاَيَتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ (3) وَ فى خَلْقِكمْ وَ مَا يَبُث مِن دَابّةٍ ءَايَتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَ اخْتِلَفِ الّيْلِ وَ النهَارِ وَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْض بَعْدَ مَوْتهَا وَ تَصرِيفِ الرِّيَح ءَايَتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5)

القراءة

قرأ حمزة و الكسائي و يعقوب آيات في الموضعين على النصب و الباقون «آيات» على الرفع فيهما.

الحجة

قال أبو علي قوله «و في خلقكم و ما يبث من دابة آيات» جاز الرفع في قوله «آيات» من وجهين ( أحدهما ) العطف على موضع إن و ما عملت فيه فإنه رفع بالابتداء فيحتمل الرفع فيه على الموضع ( و الآخر ) أن يكون مستأنفا و يكون الكلام جملة معطوفة على جملة فيكون قوله «آيات» على هذا مرتفعا بالظرف فهذا وجه من رفع آيات في الموضعين قال أبو الحسن «من دابة آيات» قراءة الناس بالرفع و هي أجود و بها نقرأ لأنه قد صار على كلام آخر نحو إن في الدار زيدا و في البيت عمرو لأنك إنما تعطف الكلام كله على الكلام كله قال و قد قرىء بالنصب و هو عربي انتهت الحكاية عنه و أما قوله «و اختلاف الليل و النهار» إلى آخره آيات فإنك إن تركت الكلام على ظاهره فإن فيه عطفا على عاملين أحد العاملين الجار الذي هو في من قوله «و في خلقكم و ما يبث من دابة» و العامل الآخر إن نصبت آيات و إن رفعت فالعامل المعطوف عليه الابتداء أو الظرف و وجه قراءة من قرأ آيات بالنصب أنه لم يحمل على موضع إن كما حمل من و رفع آيات في الموضعين أو قطعه و استأنف و لكن حمل على لفظ أن دون موضعها فحمل آيات في الموضعين على نصب إن في قوله «إن في السماوات و الأرض لآيات للمؤمنين» فإن قلت إنه يعرض في هذه القراءة العطف على عاملين و ذلك في قوله و اختلاف الليل و النهار آيات و سيبويه و كثير من النحويين لا يجيزونه قيل يجوز أن يقدر في قوله و اختلاف الليل و النهار آيات و إن كانت محذوفة من اللفظ و ذلك أن ذكره قد تقدم في قوله «إن في السماوات» و قوله «و في خلقكم» فلما تقدم ذكر الجار في هذين قدر فيه الإثبات في اللفظ و إن كان محذوفا منه كما قدر سيبويه في قوله:

{أكل امرء تحسبين امرءا --- و نار تأجج بالليل نارا}

أن كل في حكم الملفوظ به و استغني عن إظهاره بتقدم ذكره و مما يؤكد هذه القراءة في أن آيات محمولة على أن ما ذكر عن أبي أنه قرأ في المواضع الثلاثة لآيات فدخول اللامات تدل على أن الكلام محمول على أن و إذا كان محمولا عليها حسن النصب و صار كل موضع من ذلك كان أن مذكورة فيه بدلالة دخول اللام لأن هذه اللام إنما تدخل على خبر إن أو على اسمها و مما يجوز أن يتأول على ما ذكرنا قول الفرزدق:

{وباشر راعيها الصلا بلبانه --- و كفيه حر النار ما يتحرف}

فهذا إن حملت الكلام على ظاهره كان عطفا على عاملين على الفعل و الباء إن قدرت أن الباء ملفوظ بها لتقدم ذكرها صارت في حكم الثبات في اللفظ و إذا صار كذلك كان العطف على عامل واحد و هو الفعل دون الجار و كذلك قول الآخر:

{أوصيت من برة قلبا حرا --- بالكلب خيرا و الحماة شرا}

فإن قدرت الجار في حكم المذكور لدلالة المتقدم عليه لم يكن عطفا على عاملين كما لم يكن قوله و اختلاف الليل و النهار لآيات كذلك و قد يخرج قوله و اختلاف الليل و النهار آيات من أن يكون عطفا على عاملين من وجه آخر و هو أن تقدر قوله «و اختلاف الليل و النهار» على في المتقدم ذكرها و تجعل «آيات» متكررة كررتها لما تراخى الكلام و طال كما قال بعض شيوخنا في قوله تعالى أ لم يعلموا أنه من يحادد الله و رسوله فإن له نار جهنم أن أنهي الأولى كررت و كما جاء فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به لما تراخى عن قوله و لما جاءهم كتاب من عند الله و هذا النحو في كلامهم غير ضيق.

المعنى

«حم» قد بينا ما قيل فيه و أجود الأقوال إنه اسم للسورة قال علي بن عيسى و في تسمية السورة بحم دلالة على أن هذا القرآن المعجز كله من حروف المعجم لأنه سمي به ليدل عليه بأوصافه و من أوصافه أنه معجز و أنه مفصل قد فصلت كل سورة من أختها و أنه هدى و نور فكأنه قيل هذا اسمه الدال عليه بأوصافه «تنزيل الكتاب من الله» أضاف التنزيل إلى نفسه في مواضع من السور استفتاحا بتعظيم شأنه و تفخيم قدره بإضافته إلى نفسه من أكرم الوجوه و أجلها و ما اقتضى هذا المعنى لم يكن تكريرا فقد يقول القائل اللهم اغفر لي اللهم ارحمني اللهم عافني اللهم وسع علي في رزقي فيأتي بما يؤذن أن تعظيمه لربه منعقد بكل ما يدعو به و قوله «من الله» يدل على أن ابتداءه من الله تعالى «العزيز» أي القادر الذي لا يغالب «الحكيم» العالم الذي أفعاله كلها حكمة و صواب «إن في السماوات و الأرض لآيات للمؤمنين» الذين يصدقون بالله و بأنبيائه لأنهم المنتفعون بالآيات و هي الدلالات و الحجج الدالة على أن لهما مدبرا صانعا قادرا عالما

«و في خلقكم و ما يبث من دابة آيات» معناه و في خلقه إياكم بما فيكم من بدائع الصنعة و عجائب الخلقة و ما يتعاقب عليكم من الأحوال من مبتدإ خلقكم في بطون الأمهات إلى انقضاء الآجال و في خلق ما يفرق على وجه الأرض من الحيوانات على اختلاف أجناسها و منافعها و المقاصد المطلوبة منها دلالات واضحات على ما ذكرناه «لقوم يوقنون» أي يطلبون علم اليقين بالتدبر و التفكر «و اختلاف الليل و النهار» أي و في ذهاب الليل و النهار و مجيئها على وتيرة واحدة و قيل معناه و في اختلاف حالهما من الطول و القصر و قيل اختلافهما في أن أحدهما نور و الآخر ظلمة «و ما أنزل الله من السماء من رزق» أراد به المطر الذي ينبت به النبات الذي هو رزق الخلائق فسماه رزقا لأنه سبب الرزق «فأحيا به الأرض بعد موتها» أي فأحيا بذلك المطر الأرض بعد يبسها و جفافها «و تصريف الرياح» أي و في تصريف الرياح يجعلها مرة جنوبا و أخرى شمالا و مرة صبا و أخرى دبورا عن الحسن و قيل يجعلها تارة رحمة و تارة عذابا عن قتادة «آيات لقوم يعقلون» وجوه الأدلة و يتدبرونها فيعلمون أن لهذه الأشياء مدبرا حكيما قادرا عليما حيا غنيا قديما لا يشبهه شيء.