۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الزخرف، آية ٨٨

التفسير يعرض الآيات ٨٦ إلى ٨٩

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلَا يَمۡلِكُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٨٦ وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَهُمۡ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٨٧ وَقِيلِهِۦ يَٰرَبِّ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ لَّا يُؤۡمِنُونَ ٨٨ فَٱصۡفَحۡ عَنۡهُمۡ وَقُلۡ سَلَٰمٞۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٨٩

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ لا يَمْلِك الّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشفَعَةَ إِلا مَن شهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (86) وَ لَئن سأَلْتَهُم مّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنّ اللّهُ فَأَنى يُؤْفَكُونَ (87) وَ قِيلِهِ يَرَب إِنّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصفَحْ عَنهُمْ وَ قُلْ سلَمٌ فَسوْف يَعْلَمُونَ (89)

القراءة

قرأ عاصم و حمزة و قيله بالجر و الباقون بالنصب و في الشواذ قراءة الأعرج و مجاهد و قيله بالرفع و قرأ أهل المدينة و الشام فسوف تعلمون بالتاء و الباقون بالياء.

الحجة

قال أبو علي وجه الجر في «و قيله» أنه معطوف على قوله «و عنده علم الساعة» و علم قيله أي يعلم الساعة و من يصدق بها و يعلم قيله و معنى يعلم قيله أي يعلم أن الدعاء مندوب إليه نحو قوله «ادعوني أستجب لكم» و «ادعوا ربكم تضرعا و خفية» و أما من نصب حمله على موضع و عنده علم الساعة لأن الساعة مفعول بها و ليست بظرف فالمصدر مضاف إلى المفعول به و مثل ذلك قوله:

{قد كنت داينت بها حسانا} {مخافة الإفلاس و الليانا} {يحسن بيع الأصل و القيانا}

فكما أن القيان و الليان محمولان على ما أضيف إليه المصدر من المفعول به فكذلك قوله تعالى «و عنده علم الساعة» لما كان معناه يعلم الساعة حملت قيله على ذلك و يجوز أن تحمله على يقول قيله فيدل انتصاب المصدر على فعله و كذلك قول كعب:

{يسعى الوشاة جنابيها و قيلهم --- إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول}

أي و يقولون حقا و وجه ثالث أن يحمل على قوله «يحسبون أنا لا نسمع سرهم و نجواهم» و قيله و من قرأ و قيله بالرفع احتمل ضربين ( أحدهما ) أن يجعل الخبر و قيله قيل يا رب فيحذف ( و الآخر ) أن يجعل الخبر و قيله يا رب مسموع و متقبل فيا رب منصوب الموضع بقيله المذكور و على القول الآخر بقيله المضمر و هو من صلته و لا يمتنع ذلك من حيث امتنع أن يحذف بعض الموصول و يبقى بعضه لأن حذف القول قد كثر حتى صار بمنزلة المذكور و قد يحتمل بيت كعب الرفع على هذين الوجهين و قال ابن جني هو معطوف على علم أي و علم قيله فحذف المضاف فالمصدر الذي هو قيل مضاف إلى الهاء الذي هو مفعول في المعنى و التقدير و عنده علم أن يقال يا رب أن هؤلاء قوم لا يؤمنون و من قرأ فسوف تعلمون بالتاء فالوجه فيه أنه على تقدير قل لهم فسوف تعلمون و وجه الياء أن يحمل على الغيبة التي هي فاصفح عنهم و قوله «و قل سلام» تقديره و قل أمرنا و أمركم سلام أي متاركة.

المعنى

ثم ذكر سبحانه أنه لا شفاعة لمعبوديهم فقال «و لا يملك الذين يدعون من دونه» أي الذي يدعوه الكفار إلها و يوجهون عبادتهم إليه من الأصنام و غيرها «الشفاعة» لمن يعبدهم كما توهمه الكفار و هي مسألة الطالب العفو عن غيره و إسقاط العقاب عنه «إلا من شهد بالحق» و هم عيسى بن مريم و عزير و الملائكة استثناهم سبحانه ممن عبد من دون الله فإن لهم عند الله منزلة الشفاعة عن قتادة و قيل معناه لا يملك أحد من الملائكة و غيرهم الشفاعة إلا لمن شهد بالحق أي شهد أن لا إله إلا الله و ذلك أن النضر بن الحارث و نفرا من قريش قالوا إن كان ما يقوله محمد حقا فنحن نتولى الملائكة و هم أحق بالشفاعة لنا منه فنزلت الآية فالمعنى أنهم يشفعون للمؤمنين بإذن الله «و هم يعلمون» أي يعلمون بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم و في هذا دلالة على أن حقيقة الإيمان هو الاعتقاد بالقلب و المعرفة لأن الله شرط مع الشهادة العلم و هو ما اقتضى طمأنينة القلب إلى ما اعتقده بحيث لا يتشكك إذا شكك و لا يضطرب إذا حرك «و لئن سألتهم» يا محمد «من خلقهم» أي أخرجهم من العدم إلى الوجود «ليقولن الله» لأنهم يعلمون ضرورة أن أصنامهم لم تخلقهم «فأنى يؤفكون» أي فكيف يصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره «و قيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون» قال قتادة هذا نبيكم يشكو قومه إلى ربه و ينكر عليهم تخلفهم عن الإيمان و ذكر أن قراءة عبد الله و قال الرسول يا رب أن هؤلاء قوم لا يؤمنون و على هذا فالهاء في «و قيله» يعود إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «فاصفح عنهم» أي فأعرض عنهم يا محمد بصفح وجهك كما قال و أعرض عن الجاهلين «و قل سلام» أي مداراة و متاركة و قيل هو سلام هجران و مجانبة لا سلام تحية و كرامة كقوله «سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين» و قيل معناه قل ما تسلم به من شرهم و أذاهم و هذا منسوخ بآية السيف عن قتادة و قيل معناه فاصفح عن سفههم و لا تقابلهم بمثله.

ندبه سبحانه إلى الحلم فلا يكون منسوخا عن الحسن ثم هددهم سبحانه بقوله «فسوف يعلمون» يعني يوم القيامة إذا عاينوا ما يحل بهم من العذاب.