۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الشورى، آية ٣٠

التفسير يعرض الآيات ٢٦ إلى ٣٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَيَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۚ وَٱلۡكَٰفِرُونَ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞ ٢٦ ۞ وَلَوۡ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٖ مَّا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرُۢ بَصِيرٞ ٢٧ وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ مِنۢ بَعۡدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحۡمَتَهُۥۚ وَهُوَ ٱلۡوَلِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٨ وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٖۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمۡعِهِمۡ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٞ ٢٩ وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ ٣٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ يَستَجِيب الّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ وَ يَزِيدُهُم مِّن فَضلِهِ وَ الْكَفِرُونَ لهَُمْ عَذَابٌ شدِيدٌ (26) وَ لَوْ بَسط اللّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فى الأَرْضِ وَ لَكِن يُنزِّلُ بِقَدَرٍ مّا يَشاءُ إِنّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ (27) وَ هُوَ الّذِى يُنزِّلُ الْغَيْث مِن بَعْدِ مَا قَنَطوا وَ يَنشرُ رَحْمَتَهُ وَ هُوَ الْوَلىّ الْحَمِيدُ (28) وَ مِنْ ءَايَتِهِ خَلْقُ السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا بَث فِيهِمَا مِن دَابّةٍ وَ هُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشاءُ قَدِيرٌ (29) وَ مَا أَصبَكم مِّن مّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسبَت أَيْدِيكمْ وَ يَعْفُوا عَن كَثِيرٍ (30)

القراءة

قرأ أهل المدينة و ابن عامر و ما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم بغير فاء و الباقون بالفاء.

الحجة

قال أبو علي القول في ذلك أن أصاب في قوله «و ما أصابكم» يحتمل أمرين يجوز أن يكون صلة ما و يجوز أن يكون شرطا في موضع جزم فمن قدره شرطا لم يجز حذف الفاء منه على قول سيبويه و قد تأول أبو الحسن بعض الآي على حذف الفاء في جواب الشرط و قال بعض البغداديين حذف الفاء من الجواب جائز و استدل على ذلك بقوله و إن أطعتموهم

إنكم لمشركون و إذا كان صلة فالإثبات و الحذف جائزان على معنيين مختلفين أما إذا ثبت الفاء ففيه دليل على أن الأمر الثاني وجب بالأول و إذا لم يذكر الفاء جاز أن يكون الثاني وجب للأول و جاز أن يكون لغيره.

المعنى

لما تقدم وعيد أهل العصيان عقبه سبحانه بالوعد لأهل الطاعة فقال «و يستجيب الذين آمنوا و عملوا الصالحات» أي يجيبهم إلى ما يسألونه و قيل معناه يجيبهم في دعاء بعضهم لبعض عن معاذ بن جبل و قيل معناه يقبل طاعاتهم و عباداتهم و يزيدهم من فضله على ما يستحقونه من الثواب و قيل معناه و يستجيب الذين آمنوا بأن يشفعهم في إخوانهم «و يزيدهم من فضله» و يشفعهم في إخوان إخوانهم عن ابن عباس و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله «و يزيدهم من فضله» الشفاعة لمن وجبت له النار ممن أحسن إليهم في الدنيا «و الكافرون لهم عذاب شديد» ظاهر المعنى و لما بين سبحانه أنه يزيد المؤمنين من فضله أخبر عقيبه أن الزيادة في الأرزاق في الدنيا تكون على حسب المصالح فقال «و لو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض» أي لو وسع الرزق على عباده على حسب ما يطلبونه لبطروا النعمة و تنافسوا و تغالبوا و ظلموا في الأرض و تغلب بعضهم على بعض و خرجوا عن الطاعة قال ابن عباس بغيهم في الأرض طلبهم منزلة بعد منزلة و دابة بعد دابة و ملبسا بعد ملبس «و لكن ينزل بقدر ما يشاء» أي و لكنه ينزل من الرزق قدر صلاحهم ما يشاء نظرا منه لهم عن قتادة و المعنى أنه يوسع الرزق على من تكون مصلحته فيه و يضيق على من يكون مصلحته فيه و يؤيده الحديث الذي رواه أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن جبرائيل (عليه السلام) عن الله إن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم و لو صححته لأفسده و إن من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة و لو أسقمته لأفسده و إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى و لو أفقرته لأفسده و إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر و لو أغنيته لأفسده و ذلك أني أدبر عبادي لعلمي بقلوبهم و الحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة و متى قيل نحن نرى كثيرا ممن يوسع عليه الرزق يبغي في الأرض قلنا إنا إذا علمنا على الجملة أنه سبحانه يدبر أمور عباده بحسب ما يعلم من مصالحهم فلعل هؤلاء كان يستوي حالهم في البغي وسع عليهم أو لم يوسع أو لعلهم لو لم يوسع عليهم لكانوا أسوأ حالا في البغي فلذلك وسع عليهم و الله أعلم بتفاصيل أحوالهم «إنه بعباده خبير بصير» أي عليم بأحوالهم بصير بما يصلحهم و ما يفسدهم ثم بين سبحانه حسن نظره بعباده فقال «و هو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا» أي ينزله عليهم من بعد ما يئسوا من نزوله و الغيث ما كان نافعا في وقته و المطر قد يكون نافعا و قد يكون ضارا في وقته و غير وقته و وجه إنزاله بعد القنوط أنه أدعى إلى شكر الآتي به وتعظيمه و المعرفة بموقع إحسانه «و ينشر رحمته» أي و يفرق نعمته و يبسطها بإخراج النبات و الثمار التي يكون سببها المطر «و هو الولي» الذي يتولى تدبير عباده و تقدير أمورهم و مصالحهم المالك لهم.

«الحميد» المحمود على جميع أفعاله لكون جميعها إحسانا و منافع «و من آياته» الدالة على وحدانيته و صفاته التي باين بها خلقه «خلق السماوات و الأرض» لأنه لا يقدر على ذلك غيره لما فيهما من العجائب و الأجناس التي لا يقدر عليها القادر بقدرته «و ما بث فيهما من دابة» و الدابة ما تدب فيدخل فيه جميع الحيوانات «و هو على جمعهم إذا يشاء قدير» أي و هو على حشرهم إلى الموقف بعد إماتتهم قادر لا يتعذر عليه ذلك ثم قال سبحانه «و ما أصابكم» معاشر الخلق «من مصيبة» من بلوى في نفس أو مال «فبما كسبت أيديكم» من المعاصي «و يعفوا عن كثير» منها فلا يعاقب بها قال الحسن: الآية خاصة بالحدود التي تستحق على وجه العقوبة و قال قتادة هي عامة و روي عن علي (عليه السلام) أنه قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خير آية في كتاب الله هذه الآية يا علي ما من خدش عود و لا نكبة قدم إلا بذنب و ما عفا الله عنه في الدنيا فهو أكرم من أن يعود فيه و ما عاقب عليه في الدنيا فهو أعدل من أن يثني على عبده و قال أهل التحقيق إن ذلك خاص و إن خرج مخرج العموم لما يلحق من مصائب الأطفال و المجانين و من لا ذنب له من المؤمنين و لأن الأنبياء و الأئمة يمتحنون بالمصائب و إن كانوا معصومين من الذنوب لما يحصل لهم على الصبر عليها من الثواب.

النظم

و الوجه في اتصال هذه الآية بما قبلها إن الله تعالى لما بين عظيم إنعامه على العباد بين بعده أن لا يعاقبهم إلا على معاصيهم.