۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة فصلت، آية ١٧

التفسير يعرض الآيات ١٦ إلى ٢٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ ١٦ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيۡنَٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ فَأَخَذَتۡهُمۡ صَٰعِقَةُ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٧ وَنَجَّيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ١٨ وَيَوۡمَ يُحۡشَرُ أَعۡدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ ١٩ حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيۡهِمۡ سَمۡعُهُمۡ وَأَبۡصَٰرُهُمۡ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

فَأَرْسلْنَا عَلَيهِمْ رِيحاً صرْصراً فى أَيّامٍ نحِساتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَاب الخِْزْىِ فى الحَْيَوةِ الدّنْيَا وَ لَعَذَاب الاَخِرَةِ أَخْزَى وَ هُمْ لا يُنصرُونَ (16) وَ أَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاستَحَبّوا الْعَمَى عَلى الهُْدَى فَأَخَذَتهُمْ صعِقَةُ الْعَذَابِ الهُْونِ بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَ نجّيْنَا الّذِينَ ءَامَنُوا وَ كانُوا يَتّقُونَ (18) وَ يَوْمَ يُحْشرُ أَعْدَاءُ اللّهِ إِلى النّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتى إِذَا مَا جَاءُوهَا شهِدَ عَلَيهِمْ سمْعُهُمْ وَ أَبْصرُهُمْ وَ جُلُودُهُم بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ (20)

القراءة

قرأ أبو جعفر و ابن عامر و أهل الكوفة «نحسات» بكسر الحاء و الباقون نحسات بسكونها و قرأ نافع و يعقوب نحشر بالنون أعداء الله بالنصب و الباقون «يحشر» بالياء على ما لم يسم فاعله «أعداء الله» بالرفع.

الحجة

قال أبو علي النحس كلمة يكون على ضربين ( أحدهما ) أن يكون اسما ( و الآخر ) أن يكون وصفا مما جاء فيه اسما مصدرا قوله في يوم نحس مستمر فالإضافة إليه يدل على أنه اسم ليس بوصف لا يضاف إليه الموصوف و قال المفسرون في نحسات قولين ( أحدهما ) الشديدة البرد ( و الآخر ) أنها المشئومة عليهم فتقدير قوله في يوم نحس في يوم مشئوم و قالوا يوم نحس و يوم نحس فمن أضافه كان مثل ما في التنزيل و من أجراه على الأول احتمل أمرين ( أحدهما ) أن يكون وصفا مثل فسل و رذل ( و الآخر ) أن يكون مصدرا وصف به نحو رجل عدل فمن قرأ في أيام نحسات فأسكن الحاء أسكنها لأنه صفة مثل عبلات و صعبات و يجوز أن يكون جمع المصدر و تركه على إسكانه في الجمع كما قالوا زورة و عدلة قال أبو الحسن لم أسمع في النحس إلا الإسكان و قال أبو عبيدة نحسات ذوات نحس فيمكن أن يكون من كسر العين جعله صفة من باب فرق و نزق و جمع على ذلك و من قرأ نحشر أعداء الله فحجته أنه معطوف على قوله «و نجينا» و يقويه قوله يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا و من قرأ «يحشر» فبنى الفعل للمفعول به يقويه قوله «فهم يوزعون» و كلا الأمرين حسن.

اللغة

اشتقاق الصرصر من الصرير ضوعف اللفظ إشعارا بمضاعفة المعنى يقال صر يصر صريرا و صرصر يصرصر صرصرة و ريح صرصر شديدة الصوت و أصله صرر ثم قلبت الراء صادا كما يقال نهنهه و نههه و كفكفه و كففه قال النابغة:

{أكفكف عبرة غلبت عزائي --- إذا نهنهتها عادت ذباحا}

الخزي: الهوان الذي يستحيي من مثله خوفا من الفضيحة و الهون: الهوان و الوزع: المنع و الكف و منه قول الحسن لا بد للناس من وزعة.

الإعراب

قوله: «و يوم يحشر» انتصب الظرف بمدلول قوله «فهم يوزعون» لأن يوما بمنزلة إذا و لا ينتصب بقوله «و نجينا الذين آمنوا» لأنه ماض و قوله «و يوم يحشر» مستقبل فلا يعمل فيه الماضي.

المعنى

ثم أخبر سبحانه عن إهلاكهم بقوله «فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا» أي عاصفا شديدة الصوت من الصرة و هي الصيحة و قيل هي الباردة من الصر و هو البرد عن ابن عباس و قتادة و قال الفراء هي الباردة تحرق كما تحرق النار «في أيام نحسات» أي نكدات مشئومات ذوات نحوس عن مجاهد و قتادة و السدي و النحس سبب الشر و السعد سبب الخير و بذلك سميت سعود النجوم و نحوسها و قيل نحسات ذوات غبار و تراب حتى لا يكاد يبصر بعضهم بعضا عن الجبائي و قيل نحسات باردات و العرب تسمي البرد نحسا عن أبي مسلم

«لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا» أي فعلنا ذلك بهم لنذيقهم عذاب الهون و الذل و هو العذاب الذي يجزون في الدنيا فيوقنوا بقوة معذبهم و بقدرته عليهم و يظهر ذلك لمن رأى حالهم «و لعذاب الآخرة أخزى» و أفضح من ذلك «و هم لا ينصرون» أي لا يدفع عنهم العذاب الذي ينزل بهم ثم ذكر قصة ثمود فقال «و أما ثمود فهديناهم» أي بينا لهم سبيل الخير و الشر عن قتادة و قيل دللناهم و بينا لهم الحق عن ابن عباس و السدي و ابن زيد «فاستحبوا العمى على الهدى» فاختاروا العمى في الدين على قبول الهدى و بئس الاختيار ذلك عن الحسن.

و قيل اختاروا الكفر على الإيمان عن ابن زيد و الفراء «فأخذتهم صاعقة العذاب الهون» أي ذي الهون و هو الذي يهينهم و يخزيهم و قد قيل أن كل عذاب صاعقة لأن كل من يسمعها يصعق لها «بما كانوا يكسبون» من تكذيبهم صالحا و عقرهم الناقة «و نجينا الذين آمنوا و كانوا يتقون» الشرك أي و نجينا صالحا و من آمن به من العذاب ثم أخبر سبحانه عن أحوال الكفار يوم القيامة فقال «و يوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون» أي يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا و لا يتفرقوا و المعنى إذا حشروا وقفوا «حتى إذا ما جاءوها» أي جاءوا النار التي حشروا إليها «شهد عليهم سمعهم و أبصارهم و جلودهم بما كانوا يعملون» أي شهد عليهم سمعهم بما قرعه من الدعاء إلى الحق فأعرضوا عنه و لم يقبلوه و أبصارهم بما رأوا من الآيات الدالة على وحدانية الله فلم يؤمنوا و سائر جلودهم بما باشروه من المعاصي و الأفعال القبيحة و قيل في شهادة الجوارح قولان ( أحدهما ) أن الله تعالى يبنيها بنية الحي و يلجئها إلى الاعتراف و الشهادة بما فعله أصحابه ( و الآخر ) أن الله يفعل فيها الشهادة و إنما أضاف الشهادة إليها مجازا و قيل في ذلك أيضا وجه ثالث و هو أنه يظهر فيها أمارات دالة على كون أصحابها مستحقين للنار فسمي ذلك شهادة مجازا كما يقال عيناك تشهدان بسهرك و قيل أن المراد بالجلود هنا الفروج على طريق الكناية عن ابن عباس و المفسرين.