۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة غافر، آية ١٤

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ١٧

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثۡنَتَيۡنِ وَأَحۡيَيۡتَنَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَٱعۡتَرَفۡنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلۡ إِلَىٰ خُرُوجٖ مِّن سَبِيلٖ ١١ ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُۥ كَفَرۡتُمۡ وَإِن يُشۡرَكۡ بِهِۦ تُؤۡمِنُواْۚ فَٱلۡحُكۡمُ لِلَّهِ ٱلۡعَلِيِّ ٱلۡكَبِيرِ ١٢ هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزۡقٗاۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ١٣ فَٱدۡعُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ١٤ رَفِيعُ ٱلدَّرَجَٰتِ ذُو ٱلۡعَرۡشِ يُلۡقِي ٱلرُّوحَ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوۡمَ ٱلتَّلَاقِ ١٥ يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ ١٦ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۚ لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٧

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

قَالُوا رَبّنَا أَمَتّنَا اثْنَتَينِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَينِ فَاعْترَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِّن سبِيلٍ (11) ذَلِكُم بِأَنّهُ إِذَا دُعِىَ اللّهُ وَحْدَهُ كفَرْتُمْ وَ إِن يُشرَك بِهِ تُؤْمِنُوا فَالحُْكْمُ للّهِ الْعَلىِّ الْكَبِيرِ (12) هُوَ الّذِى يُرِيكُمْ ءَايَتِهِ وَ يُنزِّلُ لَكُم مِّنَ السمَاءِ رِزْقاً وَ مَا يَتَذَكرُ إِلا مَن يُنِيب (13) فَادْعُوا اللّهَ مخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَ لَوْ كَرِهَ الْكَفِرُونَ (14) رَفِيعُ الدّرَجَتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِى الرّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التّلاقِ (15) يَوْمَ هُم بَرِزُونَ لا يخْفَى عَلى اللّهِ مِنهُمْ شىْءٌ لِّمَنِ الْمُلْك الْيَوْمَ للّهِ الْوَحِدِ الْقَهّارِ (16) الْيَوْمَ تجْزَى كلّ نَفْسِ بِمَا كسبَت لا ظلْمَ الْيَوْمَ إِنّ اللّهَ سرِيعُ الحِْسابِ (17)

القراءة

قرأ روح و زيد عن يعقوب لتنذر بالتاء و الباقون بالياء.

الحجة

التاء على وجه الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قراءة القراء بالياء على أن الضمير يعود إلى «من يشاء من عباده».

الإعراب

«لمن الملك اليوم» انتصب اليوم لمدلول قوله «لمن الملك اليوم» أي لمن ثبت الملك في هذا اليوم و يجوز أن يتعلق بنفس الملك و قال قوم أن الوقف على الملك حسن و يبتدىء «اليوم لله الواحد القهار» أي في هذا اليوم.

المعنى

ثم حكى سبحانه عن الكفار الذين تقدم وصفهم بعد حصولهم في النار بأنهم «قالوا ربنا أمتنا اثنتين و أحييتنا اثنتين» اختلف في معناه على وجوه ( أحدها ) أن الإماتة الأولى في الدنيا بعد الحياة و الثانية في القبر قبل البعث و الإحياء الآتي في القبر للمسائلة و الثانية في الحشر عن السدي و هو اختيار البلخي ( و ثانيها ) أن الإماتة الأولى حال كونهم نطفا فأحياهم الله في الدنيا ثم أماتهم الموتة الثانية ثم أحياهم للبعث فهاتان حياتان و موتتان و نظيره قوله كيف تكفرون بالله و كنتم أمواتا الآية عن ابن عباس و قتادة و الضحاك و اختاره أبو مسلم ( و ثالثها ) أن الحياة الأولى في الدنيا و الثانية في القبر و لم يرد الحياة يوم القيامة و الموتة الأولى في الدنيا و الثانية في القبر عن الجبائي «فاعترفنا بذنوبنا» التي اقترفناها في الدنيا «فهل إلى خروج من سبيل» هذا تلطف منهم في الاستدعاء أي هل بعد الاعتراف سبيل إلى الخروج و قيل إنهم سألوا الرجوع إلى الدنيا أي هل من خروج من النار إلى الدنيا لنعمل بطاعتك و لو علم الله سبحانه أنهم يفلحون لردهم إلى حال التكليف و لذلك قال و لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه تنبيها على أنهم لو صدقوا في ذلك لأجابهم إلى ما تمنوه في الكلام حذف تقديره فأجيبوا بأنه لا سبيل لكم إلى الخروج «ذلكم» أي ذلكم العذاب الذي حل بكم «بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم» أي إذا قيل لا إله إلا الله قلتم أ جعل الآلهة إلها واحدا و جحدتم ذلك «و إن يشرك به تؤمنوا» أي و إن يشرك به معبود آخر من الأصنام و الأوثان تصدقوا «فالحكم لله» في ذلك و الفصل بين الحق و الباطل «العلي» القادر على كل شيء ليس فوقه من هو أقدر منه أو من يساويه في مقدوره و نقلت هذه اللفظة من علو المكان إلى علو الشأن و لذلك جاز وصفه سبحانه بذلك يقال استعلى فلان عليه بالقوة و بالحجة و ليس كذلك الرفعة و لذلك لا يوصف مكانه بأنه رفيع كما وصف بأنه علي «الكبير» العظيم في صفاته التي لا يشاركه فيها غيره و قيل هو السيد الجليل عن الجبائي «هو الذي يريكم آياته» أي مصنوعاته التي تدل على كمال قدرته و توحيده من السماء و الأرض و الشمس و القمر «و ينزل لكم من السماء رزقا» من الغيث و المطر الذي ينبت ما هو رزق للخلق «و ما

يتذكر» أي و ما يتعظ بهذه الآيات و ليس يتفكر في حقيقتها «إلا من ينيب» أي يرجع إليه و قيل إلا من يقبل إلى طاعة الله عن السدي ثم أمر المؤمنين بتوحيده فقال «فادعوا الله مخلصين له الدين» أي وجهوا عبادتكم إليه تعالى وحده «و لو كره الكافرون» فلا تبالوا بهم ثم وصف سبحانه نفسه فقال «رفيع الدرجات» الرفيع بمعنى الرافع أي هو رافع درجات الأنبياء و الأولياء في الجنة عن عطا عن ابن عباس و قيل معناه رافع السماوات السبع عن سعيد بن جبير و قيل معناه أنه عالي الصفات «ذو العرش» أي مالك العرش و خالقه و ربه و قيل ذو الملك و العرش الملك عن أبي مسلم «يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده» و قيل الروح هو القرآن و كل كتاب أنزله الله تعالى على نبي من أنبيائه و قيل الروح الوحي هنا لأنه يحيي به القلب أي يلقي الوحي على قلب من يشاء ممن يراه أهلا له يقال ألقيت عليه كذا أي فهمته إياه و قيل إن الروح جبرائيل (عليه السلام) يرسله الله تعالى بأمره عن الضحاك و قتادة و قيل إن الروح هاهنا النبوة عن السدي «لينذر» النبي بما أوحي إليه «يوم التلاق» يلتقي في ذلك اليوم أهل السماء و أهل الأرض عن قتادة و السدي و ابن زيد و قيل فيه يلتقي الأولون و الآخرون و الخصم و المخصوم و الظالم و المظلوم عن الجبائي و قيل يلتقي الخلق و الخالق عن ابن عباس يعني أنه يحكم بينهم و قيل يلتقي المرء و عمله و الكل مراد و الله أعلم «يوم هم بارزون» من قبورهم و قيل يبرز بعضهم لبعض فلا يخفى على أحد حال غيره لأنه ينكشف ما يكون مستورا «لا يخفى على الله منهم شيء» أي من أعمالهم و أحوالهم و يقول الله في ذلك اليوم «لمن الملك اليوم» فيقر المؤمنون و الكافرون بأنه «لله الواحد القهار» و قيل إنه سبحانه هو القائل لذلك و هو المجيب لنفسه و يكون في الإخبار بذلك مصلحة للمكلفين قال محمد بن كعب القرظي يقول الله تعالى ذلك بين النفختين حين يفني الخلائق كلها ثم يجيب نفسه لأنه بقي وحدة و الأول أصح لأنه بين أنه يقول ذلك يوم التلاقي يوم يبرز العباد من قبورهم و إنما خص ذلك اليوم بأن له الملك فيه لأنه قد ملك العباد بعض الأمور في الدنيا و لا يملك أحد شيئا ذلك اليوم فإن قيل أ ليس يملك الأنبياء و المؤمنون في الآخرة الملك العظيم فالجواب أن أحدا لا يستحق إطلاق الصفة بالملك إلا الله لأنه يملك جميع الأمور من غير تمليك مملك و قيل إن المراد به يوم القيامة قبل تمليك أهل الجنة ما يملكهم «اليوم تجزى كل نفس بما كسبت» يجزي المحسن بإحسانه و المسيء بإساءته و في الحديث أن الله تعالى يقول أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة و لا لأحد من أهل النار أن يدخل النار و عنده مظلمة حتى أقصه منه ثم تلا هذه الآية «لا ظلم اليوم» أي لا ظلم لأحد على أحد و لا ينقص من ثواب أحد و لا يزاد في عقاب أحد «إن الله سريع الحساب»

لا يشغله محاسبة واحد عن محاسبة غيره.

النظم

اتصل قوله «ربنا أمتنا اثنتين» بما تقدم من ذكر إنكار الكفار البعث فعقبه سبحانه بذكر اعترافهم بذلك يوم القيامة و أيضا فإنه سبحانه لما ذكر مقتهم أنفسهم لعظم ما نزل بهم ذكر بعده سؤالهم الرجعة إلى الدنيا و إنما اتصل قوله «فاعترفنا بذنوبنا» بما تقدم من إقرارهم بصفة الرب سبحانه فكأنهم قالوا اعترفنا بك ربنا فإنك أمتنا و أحييتنا و مع هذا فقد اعترفنا بذنوبنا و اتصل قوله «هو الذي يريكم آياته» بقوله «العلي الكبير» أي و من هذه صفاته يريكم آياته و اتصل قوله «رفيع الدرجات» بقوله «هو الذي يريكم آياته» أي و هو الرفيع الدرجات و قيل إنه لما ذكر حال الفريقين ذكر الدرجات.