۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الزمر، آية ٤٣

التفسير يعرض الآيات ٤١ إلى ٤٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٍ ٤١ ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٤٢ أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَۚ قُلۡ أَوَلَوۡ كَانُواْ لَا يَمۡلِكُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَعۡقِلُونَ ٤٣ قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعٗاۖ لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٤٤ وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُ ٱشۡمَأَزَّتۡ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

إِنّا أَنزَلْنَا عَلَيْك الْكِتَب لِلنّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَ مَن ضلّ فَإِنّمَا يَضِلّ عَلَيْهَا وَ مَا أَنت عَلَيهِم بِوَكيلٍ (41) اللّهُ يَتَوَفى الأَنفُس حِينَ مَوْتِهَا وَ الّتى لَمْ تَمُت فى مَنَامِهَا فَيُمْسِك الّتى قَضى عَلَيهَا الْمَوْت وَ يُرْسِلُ الأُخْرَى إِلى أَجَلٍ مّسمّى إِنّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ (42) أَمِ اتخَذُوا مِن دُونِ اللّهِ شفَعَاءَ قُلْ أَ وَ لَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شيْئاً وَ لا يَعْقِلُونَ (43) قُل لِّلّهِ الشفَعَةُ جَمِيعاً لّهُ مُلْك السمَوَتِ وَ الأَرْضِ ثُمّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44) وَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَحْدَهُ اشمَأَزّت قُلُوب الّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالاَخِرَةِ وَ إِذَا ذُكِرَ الّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَستَبْشِرُونَ (45)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم و قتيبة قضي بالضم الموت بالرفع و الباقون «قضى» بالفتح «الموت» بالنصب.

الحجة

قال أبو علي حجة من بنى الفعل للفاعل قوله «و يرسل الأخرى» فكما أن هذا مبني للفاعل فكذلك حكم الذي عطف عليه و من بنى الفعل للمفعول به فهو في المعنى مثل بناء الفعل للفاعل و الأول أبين.

اللغة

التوفي قبض الشيء على الإيفاء و الإتمام يقال توفيت حقي من فلان و استوفيته بمعنى و الاشمئزاز الانقباض و النفور عن الشيء قال عمرو بن كلثوم:

{إذا عض الثقاف بها اشمأزت --- و ولتهم عشوزنة زبونا}

و روى ثعلب عن ابن الأعرابي الشمز نفور الشيء من الشيء يكرهه.

المعنى

ثم بين سبحانه تحقيق وعيده بالعذاب المقيم بأن قال «إنا أنزلنا عليك الكتاب» يعني القرآن «للناس» أي لجميع الخلق عن ابن عباس «بالحق» أي ليس فيه شيء من الباطل و قيل بالحق معناه بأنه الحق أو على أنه الحق الذي يجب النظر في موجبه

و مقتضاه فما صححه وجب تصحيحه و ما أفسده وجب إفساده و ما رغب فيه وجب العمل به و ما حذر منه وجب اجتنابه و ما دعا إليه فهو الرشد و ما صرف عنه فهو الغي «فمن اهتدى» بما فيه من الأدلة «فلنفسه» لأن النفع في عاقبته يعود إليه «و من ضل» عنه و حاد «فإنما يضل عليها» أي على نفسه لأن مضرة عاقبته من العقاب تعود عليه «و ما أنت» يا محمد «عليهم بوكيل» أي برقيب في إيصال الحق إلى قلوبهم و حفظه عليهم حتى لا يتركوه و لا ينصرفوا عنه إذ لا تقدر على إكراههم على الإسلام و قيل بكفيل يلزمك إيمانهم فإنما عليك البلاغ «الله يتوفى الأنفس حين موتها» أي يقبضها إليه وقت موتها و انقضاء آجالها و المعنى حين مرت أبدانها و أجسادها على حذف المضاف «و التي لم تمت في منامها» أي و يتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها و التي تتوفى عند النوم هي النفس التي يكون بها العقل و التمييز و هي التي تفارق النائم فلا يعقل و التي تتوفى عند الموت هي نفس الحياة التي إذا زالت زال معها النفس و النائم يتنفس فالفرق بين قبض النوم و قبض الموت أن قبض النوم يضاد اليقظة و قبض الموت يضاد الحياة و قبض النوم يكون الروح معه في البدن و قبض الموت يخرج الروح معه من البدن «فيمسك التي قضى عليها الموت» إلى يوم القيامة لا تعود إلى الدنيا «و يرسل الأخرى» يعني الأنفس الأخرى التي لم يقض على موتها يريد نفس النائم «إلى أجل مسمى» قد سمي لموته «إن في ذلك لآيات» أي دلالات واضحات على توحيد الله و كمال قدرته «لقوم يتفكرون» في الأدلة إذ لا يقدر على قبض النفوس تارة بالنوم و تارة بالموت غير الله تعالى قال ابن عباس في بني آدم نفس و روح بينهما مثل شعاع الشمس فالنفس التي بها العقل و التمييز و الروح التي بها النفس و التحرك فإذا نام قبض الله نفسه و لم يقبض روحه و إذا مات قبض الله نفسه و روحه و يؤيده ما رواه العياشي بالإسناد عن الحسن بن محبوب عن عمرو بن ثابت أبي المقدام عن أبي جعفر (عليه السلام) قال ما من أحد ينام إلا عرجت نفسه إلى السماء و بقيت روحه في بدنه و صار بينهما سبب كشعاع الشمس فإن أذن الله في قبض الأرواح أجابت الروح النفس و إذا أذن الله في رد الروح أجابت النفس الروح و هو قوله سبحانه «الله يتوفى الأنفس حين موتها» الآية فمهما رأت في ملكوت السماوات فهو مما له تأويل و ما رأت فيما بين السماء و الأرض فهو مما يخيله الشيطان و لا تأويل له «أم اتخذوا» أي بل اتخذوا «من دون الله» آلهة «شفعاء قل» يا محمد «أ و لو كانوا» يعني الآلهة «لا يملكون شيئا» من الشفاعة «و لا يعقلون» و جواب هذا الاستفهام محذوف تقديره أ و لو كانوا بهذه الصفة يتخذونهم شفعاء و يعبدونهم راجين شفاعتهم ثم قال «قل» لهم «لله الشفاعة جميعا» أي لا يشفع أحد إلا بإذنه عن مجاهد و المعنى لا يملك

أحد الشفاعة إلا بتمليكه كما قال من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه و في هذا إبطال الشفاعة لمن ادعيت له الشفاعة من الآلهة «له ملك السماوات و الأرض ثم إليه ترجعون» مضى معناه ثم أخبر سبحانه عن سوء اعتقادهم و شدة عنادهم فقال «و إذا ذكر الله وحده اشمأزت» أي نفرت عن السدي و الضحاك و الجبائي و قيل انقبضت عن ابن عباس و مجاهد و مقاتل و قيل كفرت و استكبرت عن قتادة «قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة» كان المشركون إذا سمعوا قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له نفروا من هذا لأنهم كانوا يقولون الأصنام آلهة «و إذا ذكر الذين من دونه» يعني الأصنام التي عبدوها من دونه «إذا هم يستبشرون» يفرحون و يسرون حتى يظهر السرور في وجوههم.

النظم

اتصل قوله «الله يتوفى الأنفس» بقوله «و ما أنت عليهم بوكيل» فبين سبحانه أن الحفيظ عليهم هو الذي يتوفاهم و يصرفهم كيف يشاء و قيل يتصل بقوله أ ليس الله بكاف عبده أي من كان هذه صفته فإنه يكفيك أمرهم و اتصل قوله «أم اتخذوا من دون الله شفعاء» بقوله أ ليس الله بكاف عبده أي فكما أن أصنامهم لا تملك الضر و النفع فإنها لا تملك الشفاعة.