۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الزمر، آية ٢٨

التفسير يعرض الآيات ٢٦ إلى ٣١

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلۡخِزۡيَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٢٦ وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٧ قُرۡءَانًا عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٢٨ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلٗا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ وَرَجُلٗا سَلَمٗا لِّرَجُلٍ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٩ إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ٣٠ ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ ٣١

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

فَأَذَاقَهُمُ اللّهُ الخِْزْى فى الحَْيَوةِ الدّنْيَا وَ لَعَذَاب الاَخِرَةِ أَكْبرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (26) وَ لَقَدْ ضرَبْنَا لِلنّاسِ فى هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كلِّ مَثَلٍ لّعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ (27) قُرْءَاناً عَرَبِياّ غَيرَ ذِى عِوَجٍ لّعَلّهُمْ يَتّقُونَ (28) ضرَب اللّهُ مَثَلاً رّجُلاً فِيهِ شرَكاءُ مُتَشكِسونَ وَ رَجُلاً سلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَستَوِيَانِ مَثَلاً الحَْمْدُ للّهِ بَلْ أَكْثرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (29) إِنّك مَيِّتٌ وَ إِنهُم مّيِّتُونَ (30) ثُمّ إِنّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تخْتَصِمُونَ (31)

القراءة

قرأ ابن كثير و أهل البصرة غير سهل سالما بالألف و الباقون «سلما» بغير ألف و اللام مفتوحة و في الشواذ قراءة سعيد بن جبير سلما بكسر السين و سكون اللام.

الحجة

قال أبو علي يقوي قراءة من قرأ سالما قوله «فيه شركاء متشاكسون» فكما أن الشريك عبارة عن العين و ليس باسم حدث فكذلك الذي بإزائه ينبغي أن يكون فاعلا و لا يكون اسم حدث و من قرأ «سلما» و سلما فهما مصدران و ليسا بوصفين كحسن و بطل و نقض و نضو يقال سلم سلما و سلامة و سلما و المعنى فيمن قال سلما ذا سلم أي رجلا ذا سلم قال أبو الحسن سلم من الاستسلام و قال غيره السلم خلاف المحارب.

اللغة

الخزي المكروه و الهوان و التشاكس التمانع و التنازع تشاكسوا في الأمر تشاكسا و أصله من الشكاسة و هو سوء الخلق و الاختصام رد كل واحد من الاثنين ما أتى به الآخر على وجه الإنكار عليه و قد يكون أحدهما محقا و الآخر مبطلا و قد يكونان جميعا

مبطلين كاليهودي و النصراني و قد يكونان جميعا محقين.

الإعراب

قال الزجاج عربيا منصوب على الحال أي في حال عروبيته و ذكر قرآنا توكيدا كما تقول جاءني زيد رجلا صالحا و جاءني عمرو إنسانا عاقلا فتذكر رجلا و إنسانا توكيدا.

«ضرب الله مثلا رجلا» فرجلا بدل من قوله «مثلا» و التقدير ضرب الله مثلا مثل رجل فحذف المضاف و قوله «فيه شركاء» يرتفع بالظرف و رجلا عطف على الأول أي و مثل رجل سالم.

المعنى

ثم أخبر سبحانه عما فعله بالأمم المكذبة بأن قال «فأذاقهم الله الخزي» أي الذل و الهوان «في الحياة الدنيا و لعذاب الآخرة أكبر» أي أعظم و أشد «لو كانوا يعلمون و لقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل» سمي ذكر الأمم الماضية مثلا كما قال و نبين لكم كيف فعلنا بهم و ضربنا لكم الأمثال و المعنى إنا وصفنا و بينا للناس في هذا القرآن كلما يحتاجون إليه من مصالح دينهم و دنياهم «لعلهم يتذكرون» أي لكي يتذكروا و يتدبروا فيعتبروا «قرآنا عربيا غير ذي عوج» أي غير ذي ميل عن الحق بل هو مستقيم موصل إلى الحق «لعلهم يتقون» أي لكي يتقوا معاصي الله ثم ضرب سبحانه مثلا للكافر و عبادته الأصنام فقال «ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون» أي مختلفون سيئو الأخلاق متنازعون و إنما ضرب هذا المثل لسائر المشركين و لكنه ذكر رجلا واحدا وصفه بصفة موجودة في سائر المشركين فيكون المثل المضروب له مضروبا لهم جميعا و يعني بقوله «رجلا فيه شركاء» أي يعبد آلهة مختلفة و أصناما كثيرة و هم متشاجرون متعاسرون هذا يأمره و هذا ينهاه و يريد كل واحد منهم أن يفرده بالخدمة ثم يكل كل منهم أمره إلى الآخر و يكل الآخر إلى الآخر فيبقى هو خاليا عن المنافع و هذا حال من يخدم جماعة مختلفة الآراء و الأهواء هذا مثل الكافر ثم ضرب سبحانه مثل المؤمن الموحد فقال «و رجلا سلما لرجل» أي خالصا يعبد مالكا واحدا لا يشوب بخدمته خدمة غيره و لا يأمل سواه و من كان بهذه الصفة نال ثمرة خدمته لا سيما إذا كان المخدوم حكيما قادرا كريما و روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بالإسناد عن علي (عليه السلام) أنه قال أنا ذاك الرجل السلم لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و روى العياشي بإسناده عن أبي خالد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال الرجل السلم للرجل حقا علي و شيعته «هل يستويان مثلا» أي هل يستوي هذان الرجلان صفة و شبها في حسن العاقبة و حصول المنفعة أي لا يستويان فإن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته و حياطته ما لا يستحقه صاحب الشركاء المختلفين في أمره و تم الكلام ثم قال «الحمد لله» أي أحمد و الله المستحق للثناء

و الشكر على هذا المثل الذي علمكموه فأزال به للمؤمنين الشبه و أوضح الدلالة و قيل معناه احمدوا الله حيث لطف بكم حتى عبدتموه وحده و أخلصتم الإيمان له و التوحيد فهي النعمة السابغة «بل أكثرهم لا يعلمون» حقيقة ذلك ثم بين سبحانه المقام الذي يتبين فيه المحق و المبطل فقال «إنك ميت و إنهم ميتون» أي عاقبتك الموت و كذا عاقبة هؤلاء «ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون» يعني المحق و المبطل و الظالم و المظلوم عن ابن عباس و كان أبو العالية يقول الاختصام يكون بين أهل القبلة قال ابن عمر كنا نرى أن هذه الآية فينا و في أهل الكتابين و قلنا كيف نختصم نحن و نبينا واحد و كتابنا واحد حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف فعلمت أنها فينا نزلت و قال أبو سعيد الخدري في هذه الآية كنا نقول ربنا واحد و نبينا واحد و ديننا واحد فما هذه الخصومة فلما كان يوم صفين و شد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا نعم هو هذا و قال ابن عباس الاختصام يكون بين المهتدين و الضالين و الصادقين و الكاذبين.