۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة ص، آية ٣٤

التفسير يعرض الآيات ٣٠ إلى ٤٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ٣٠ إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ ٣١ فَقَالَ إِنِّيٓ أَحۡبَبۡتُ حُبَّ ٱلۡخَيۡرِ عَن ذِكۡرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ ٣٢ رُدُّوهَا عَلَيَّۖ فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ ٣٣ وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَيۡمَٰنَ وَأَلۡقَيۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِيِّهِۦ جَسَدٗا ثُمَّ أَنَابَ ٣٤ قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٣٥ فَسَخَّرۡنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦ رُخَآءً حَيۡثُ أَصَابَ ٣٦ وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٖ وَغَوَّاصٖ ٣٧ وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ ٣٨ هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمۡنُنۡ أَوۡ أَمۡسِكۡ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٩ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ وَهَبْنَا لِدَاوُدَ سلَيْمَنَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنّهُ أَوّابٌ (30) إِذْ عُرِض عَلَيْهِ بِالْعَشىِّ الصفِنَت الجِْيَادُ (31) فَقَالَ إِنى أَحْبَبْت حُب الخَْيرِ عَن ذِكْرِ رَبى حَتى تَوَارَت بِالحِْجَابِ (32) رُدّوهَا عَلىّ فَطفِقَ مَسحَا بِالسوقِ وَ الأَعْنَاقِ (33) وَ لَقَدْ فَتَنّا سلَيْمَنَ وَ أَلْقَيْنَا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسداً ثمّ أَنَاب (34) قَالَ رَب اغْفِرْ لى وَ هَب لى مُلْكاً لا يَنبَغِى لأَحَدٍ مِّن بَعْدِى إِنّك أَنت الْوَهّاب (35) فَسخّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْث أَصاب (36) وَ الشيَطِينَ كلّ بَنّاءٍ وَ غَوّاصٍ (37) وَ ءَاخَرِينَ مُقَرّنِينَ فى الأَصفَادِ (38) هَذَا عَطاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِك بِغَيرِ حِسابٍ (39) وَ إِنّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَ حُسنَ مَئَابٍ (40)

اللغة

الصافنات جمع الصافنة من الخيل و هي التي تقوم على ثلاث قوائم و ترفع إحدى يديها حتى تكون على طرف الحافر يقال صفنت الخيل تصفن صفونا إذا وقفت كذلك قال الشاعر:

{ألف الصفون فلا يزال كأنه --- مما يقوم على الثلاث كسيرا}

و الجياد جمع جواد و الياء هاهنا منقلبة عن واو و الأصل جواد و هي السراع من الخيل كأنها تجود بالركض و قيل هو جمع جود فيكون مثل سوط و سياط و الكرسي السرير و أصله من التكرس و هو الاجتماع و منه الكراسة لاجتماعها و الرخاء الريح اللينة و هي من رخاوة المرور و سهولته و الأصفاد جمع صفد و هو الغل و منه يقال للعطاء صفد لأنه يرتبط بشكره كما قيل:

{و من وجد الإحسان قيدا تقيدا}

الإعراب

«حب الخير» نصب على أنه مفعول به و التقدير اخترت حب الخير و عن في قوله «عن ذكر ربي» بمعنى على و على هذا فيكون أحببت بمعنى استحببت مثل ما في قوله الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة أي يؤثرونها و قال أبو علي أحببت بمعنى قعدت و لزمت من قولهم أحب البعير إذا برك و قوله «حب الخير» مفعول له أي لزمت الأرض لحب الخير معرضا عن ذكر ربي فعن في موضع نصب على الحال و ذكر مصدر مضاف إلى المفعول و يجوز أن يكون مضافا إلى الفاعل أي عما ذكرني ربي حيث أمرني في التوراة بإقامة الصلاة «توارت بالحجاب» أي توارت الشمس و لم يجر لها ذكر لأنه شيء قد عرف كقوله سبحانه إنا أنزلناه يعني القرآن و لم يجر له ذكر و قوله كل من عليها فان يعني الأرض قال الزجاج في الآية دليل يدل على الشمس و هو قوله «إذا عرض عليه» فهو في معنى عرض عليه بعد زوال الشمس حتى توارت الشمس بالحجاب قال و ليس يجوز الإضمار إلا أن يجري ذكر أو دليل بمنزلة الذكر و قوله «مسحا» مصدر فعل محذوف و هو خبر طفق التقدير فطفق يمسح مسحا و قوله «رخاء» منصوب على الحال و العامل فيه تجري فهو حال من حال لأن تجري في محل نصب بكونه حالا و «كل بناء» بدل من الشياطين بدل البعض من الكل و قوله «بغير حساب» في موضع نصب على الحال تقديره غير محاسب.

المعنى

ثم عطف سبحانه على قصة داود (عليه السلام) حديث سليمان فقال «و وهبنا لداود سليمان» أي وهبناه له ولدا «نعم العبد» أي نعم العبد سليمان «إنه أواب» أي رجاع إلى الله تعالى في أمور دينه ابتغاء مرضاته «إذ عرض عليه» يجوز أن يتعلق إذ بنعم العبد أي نعم العبد هو حين عرض عليه و يجوز أن يتعلق باذكر يا محمد المحذوف لدلالة الكلام عليه «بالعشي» أي في آخر النهار بعد زوال الشمس «الصافنات» الخيل الواقفة على ثلاث قوائم الواضعة طرف السنبك الرابع على الأرض «الجياد» السريعة المشي الواسعة الخطو قال مقاتل أنه ورث من أبيه ألف فرس و كان أبوه قد أصاب ذلك من العمالقة و قال الكلبي غزا سليمان دمشق و نصيبين فأصاب ألف فرس و قال الحسن كانت خيلا خرجت من البحر لها أجنحة و كان سليمان قد صلى الصلاة الأولى و قعد على كرسيه و الخيل تعرض عليه حتى غابت الشمس «فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي» و المراد بالخير الخيل هنا فإن العرب تسمي الخيل الخير عن قتادة و السدي فالمعنى آثرت حب الخيل من ذكر ربي أي على ذكر ربي قال الفراء كل من أحب شيئا فقد آثره و في قراءة ابن مسعود حب الخيل و سمي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) زيد الخيل زيد الخير و قال (صلى الله عليه وآله وسلم) الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة و قيل معناه حب المال عن سعيد بن جبير و الخيل مال و الخير بمعنى المال كثير في التنزيل و قيل إن هذه الخيل كانت شغلته عن صلاة العصر حتى فأت وقتها عن علي (عليه السلام) و قتادة و السدي و في روايات أصحابنا أنه فاته أول الوقت و قال الجبائي لم يفته الفرض و إنما فاته نفل كان يفعله آخر النهار لاشتغاله بالخيل و قيل إن ذكر ربي كناية عن كتاب الله التوراة فالمعنى إني أحببت الخيل عن كتاب الله و كما أن ارتباط الخيل ممدوح في كتابنا كذلك كان في كتابهم عن أبي مسلم «حتى توارت بالحجاب» أي غربت الشمس عن ابن مسعود و جماعة من المفسرين و جاز و إن لم يجر للشمس ذكر كما قال لبيد:

{حتى إذا ألقت يدا في كافر --- و أجن عورات الثغور ظلامها}

و قيل الضمير للخيل يعني حتى توارت الخيل بالحجاب بمعنى أنها شغلت فكره إلى تلك الحال و هي غيبوبتها عن بصره و ذلك بأنه أمر بإجراء الخيل فأجريت حتى غابت عن بصره عن أبي مسلم و علي بن عيسى «ردوها علي» أي قال لأصحابه ردوا الخيل علي عن أكثر المفسرين و قيل معناه أنه سأل الله تعالى أن يرد الشمس عليه فردها عليه حتى صلى العصر فالهاء في ردوها كناية عن الشمس عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) «فطفق مسحا بالسوق و الأعناق» قيل فيه وجوه ( أحدها ) أن المسح هاهنا القطع و المعنى أنه أقبل يضرب سوقها و أعناقها لأنها كانت سبب فوت صلاته عن الحسن و مقاتل.

و قال أبو عبيدة تقول العرب مسح علاوته أي ضرب عنقه و قيل إنه إنما فعل ذلك لأنها كانت أعز ماله فتقرب إلى الله تعالى بأن ذبحها ليتصدق بلحومها و يشهد بصحته قوله لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ( و ثانيها ) أن معناه فجعل يمسح أعراف خيله و عراقيبها بيده حبا لها عن ابن عباس و الزهري و ابن كيسان قال ابن عباس سألت عليا (عليه السلام) عن هذه الآية فقال ما بلغك فيها يا ابن عباس قلت سمعت كعبا يقول اشتغل سليمان بعرض الأفراس حتى فأتته الصلاة فقال ردوها علي يعني الأفراس كانت أربعة عشر فأمر بضرب سوقها و أعناقها بالسيف فقتلها فسلبه الله ملكه أربعة عشر يوما لأنه ظلم الخيل بقتلها فقال علي (عليه السلام) كذب كعب لكن اشتغل سليمان بعرض الأفراس ذات يوم لأنه أراد جهاد العدو حتى توارت الشمس بالحجاب فقال بأمر الله تعالى للملائكة الموكلين بالشمس ردوها علي فردت فصلى العصر في وقتها و إن أنبياء الله لا يظلمون و لا يأمرون بالظلم لأنهم معصومون مطهرون ( و ثالثها ) أنه مسح أعناقها و سوقها و جعلها مسبلة في سبيل الله تعالى و قيل لتغلب إن قطربا يقول مسحها و بارك عليها فأنكر ذلك و قال القول ما قال الفراء إنه ضرب أعناقها و سوقها ثم قال سبحانه «و لقد فتنا سليمان» أي اختبرناه و ابتليناه و شددنا المحنة عليه «و ألقينا على كرسيه جسدا» أي و طرحنا عليه جسدا و الجسد الذي لا روح فيه ثم أناب سليمان و اختلف العلماء في زلته و فتنته و الجسد الذي ألقي على كرسيه على أقوال منها أن سليمان قال يوما في مجلسه لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تلد كل امرأة منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله و لم يقل إن شاء الله فطاف عليهن فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق ولد رواه أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ثم قال فو الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا الجسد الذي ألقي على كرسيه كان هذا ثم أناب إلى الله تعالى و فزع إلى الصلاة و الدعاء على وجه الانقطاع إليه سبحانه و هذا لا يقتضي أنه وقع منه معصية صغيرة و لا كبيرة لأنه و إن لم يستثن ذلك لفظا فلا بد من أن يكون قد استثناه ضميرا و اعتقادا إذ لو كان قاطعا للقول بذلك لكان مطلقا لما لا يأمن من أن يكون كذبا إلا أنه لما لم يذكر لفظة الاستثناء عوتب على ذلك من حيث ترك ما هو مندوب إليه و منها ما روي أن الجن و الشياطين لما ولد لسليمان ابن قال بعضهم لبعض إن عاش له ولد لنلقين منه ما لقينا من أبيه من البلاء فأشفق منهم عليه

فاسترضعه في المزن و هو السحاب فلم يشعر إلا و قد وضع على كرسيه ميتا تنبيها على أن الحذر لا ينفع عن القدر فإنما عوتب على خوفه من الشياطين عن الشعبي و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و منها أنه ولد له ولد ميت جسد بلا روح فألقي على سريره عن الجبائي و منها أن الجسد المذكور هو جسد سليمان لمرض امتحنه الله تعالى به و تقدير الكلام و ألقينا منه على كرسيه جسدا لشدة المرض فيكون جسدا منصوبا على الحال و العرب تقول في الإنسان إذا كان ضعيفا هو جسد بلا روح و لحم على وضم «ثم أناب» أي رجع إلى حال الصحة عن أبي مسلم و استشهد على ذلك بقوله تعالى و منهم من يستمع إليك إلى قوله يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين و لو أتى بالكلام على شرحه لقال يقول الذين كفروا منهم أي من المجادلين كما قال سبحانه محمد رسول الله إلى قوله وعد الله الذين آمنوا و عملوا الصالحات منهم مغفرة و مثله قول الأعشى:

{و كان السموط علقها السلك --- بعطفي جيداء أم غزال}

و لو أتى بالشرح لقال علقها السلك منها و قال كعب بن زهير:

{زالوا فما زال أنكاس و لا كشف --- عند اللقاء و لا ميل معازيل}

و لو أتى بالشرح لقال فما زال منهم أنكاس و أما ما ذكر عن ابن عباس أنه ألقي شيطان اسمه صخر على كرسيه و كان ماردا عظيما لا يقوى عليه جميع الشياطين و كان نبي الله سليمان لا يدخل الكنيف بخاتمه فجاء صخر في صورة سليمان حتى أخذ الخاتم من امرأة من نسائه و أقام أربعين يوما في ملكه و سليمان هارب و عن مجاهد أن شيطانا اسمه آصف قال له سليمان كيف تفتنون الناس قال أرني خاتمك أخبرك بذلك فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فذهب ملكه و قعد الشيطان على كرسيه و منعه الله تعالى نساء سليمان فلم يقربهن و كان سليمان يستطعم فلا يطعم حتى أعطته امرأة يوما حوتا فشق بطنه فوجد خاتمه فيه فرد الله عليه ملكه و عن السدي أن اسم ذلك الشيطان حيقيق و ما ذكر أن السبب في ذلك أن الله سبحانه

أمره بأن لا يتزوج في غير بني إسرائيل فتزوج من غيرهم و قيل بل السبب فيه أنه وطىء امرأة في حال الحيض فسال منه الدم فوضع خاتمه و دخل الحمام فجاء إبليس الشيطان و أخذه و قيل تزوج امرأة مشركة و لم يستطع أن يكرهها على الإسلام فعبدت الصنم في داره أربعين يوما فابتلاه الله بحديث الشيطان و الخاتم أربعين يوما و قيل احتجب ثلاثة أيام و لم ينظر في أمر الناس فابتلي بذلك فإن جميع ذلك مما لا يعول عليه لأن النبوة لا تكون في خاتم و لا يجوز أن يسلبها الله النبي و لا أن يمكن الشيطان من التمثل بصورة النبي و القعود على سريره و الحكم بين عباده و بالله التوفيق ثم حكى سبحانه دعاء سليمان حين أناب إلى الله تعالى بقوله «قال رب اغفر لي و هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب» يسأل عن هذا فيقال إن هذا القول من سليمان يقتضي الضن و المنافسة لأنه لم يرض بأن يسأل الملك حتى أضاف إلى ذلك أن يمنع غيره منه و أجيب عنه بأجوبة ( أحدها ) أن الأنبياء لا يسألون إلا ما يؤذن لهم في مسألته و جائز أن يكون الله تعالى أعلم سليمان أنه إن سأل ملكا لا يكون لغيره كان أصلح له في الدين و أعلمه أنه لا صلح لغيره في ذلك و لو أن أحدنا صرح في دعائه بهذا الشرط حتى يقول اللهم اجعلني أكثر أهل زماني مالا إذا علمت أن ذلك أصلح لي لكان ذلك منه حسنا جائزا و لا ينسب في ذلك إلى شح و ضن و اختاره الجبائي ( و ثانيها ) أنه يجوز أن يكون التمس من الله تعالى آية لنبوته يبين بها من غيره و أراد لا ينبغي لأحد غيري ممن أنا مبعوث إليه و لم يرد من بعده إلى يوم القيامة من النبيين كما يقال إنا لا أطيع أحدا بعدك أي لا أطيع أحدا سواك ( و ثالثها ) ما قاله المرتضى قدس الله روحه إنه يجوز أن يكون إنما سأل ملك الآخرة و ثواب الجنة و يكون معنى قوله «لا ينبغي لأحد من بعدي» لا يستحقه بعد وصولي إليه أحد من حيث لا يصلح أن يعمل ما يستحق به ذلك لانقطاع التكليف ( و رابعها ) أنه التمس معجزة تختص به كما أن موسى يختص بالعصا و اليد البيضاء و اختص صالح بالناقة و محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمعراج و القرآن و يدل عليه ما روي مرفوعا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه صلى صلاة فقال إن الشيطان عرض لي ليفسد علي الصلاة فأمكنني الله منه فدفعته و لقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا و تنظروا إليه أجمعين فذكرت قول سليمان «رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي» فرده الله خاسئا أورده البخاري و مسلم في الصحيحين ثم بين سبحانه أنه أجاب دعاه بقوله «فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء» أي لينة سهلة عن ابن زيد و قيل طيبة سريعة عن قتادة و قيل مطيعة تجري إلى حيث يشاء عن ابن عباس «حيث أصاب» أي حيث أراد سليمان من النواحي عن أكثر المفسرين و حقيقته حيث قصد و المعنى أنه ينطاع له كيف أراد قال الحسن كان يغدو من إيليا و يقيل بقزوين و يبيت بكابل سؤال

كيف وصف سبحانه الريح بالعاصف في قوله و لسليمان الريح عاصفة و وصفها هنا بخلافه جوابه يجوز أن يكون الله سبحانه جعلها عاصفة تارة و رخاء أخرى بحسب ما أراد سليمان (عليه السلام) «و الشياطين» أي و سخرنا له الشياطين أيضا «كل بناء» في البر يبني له ما أراد من الأبنية الرفيعة «و غواص» في البحر على اللآلىء و الجواهر فيستخرج له ما يشاء منها «و آخرين مقرنين في الأصفاد» أي و سخرنا له آخرين من الشياطين مشدودين في الأغلال و السلاسل من الحديد و كان يجمع بين اثنين و ثلاثة منهم في سلسلة لا يمتنعون عليه إذا أراد ذلك بهم عند تمردهم و قيل إنه إنما كان يفعل ذلك بكفارهم فإذا آمنوا أطلقهم «هذا عطاؤنا» أي هذا الذي تقدم ذكره من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعدك عطاؤنا «فامنن أو أمسك» أي فأعط من الناس من شئت و امنع من شئت و المن الإحسان إلى من لا يستثيبه «بغير حساب» أي لا تحاسب يوم القيامة على ما تعطي و تمنع فيكون أهنأ لك عن قتادة و الضحاك و سعيد بن جبير و قيل معناه بغير جزاء أي أعطيناكه تفضلا لا مجازاة عن الزجاج و قيل إن المعنى فأنعم على من شئت من الشياطين بإطلاقه أو أمسك من شئت منهم في وثاقه و صرفة في عمله من غير حرج عليك فيما تفعله «و إن له عندنا لزلفى و حسن مآب» معناه و إن لسليمان عندنا لقربى و حسن مرجع في الآخرة و هذا من أعظم النعم إذ هي النعمة الباقية الدائمة.