۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة يس، آية ٨٢

التفسير يعرض الآيات ٧٧ إلى ٨٣

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

أَوَلَمۡ يَرَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٧٧ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ ٧٨ قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ ٧٩ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلۡأَخۡضَرِ نَارٗا فَإِذَآ أَنتُم مِّنۡهُ تُوقِدُونَ ٨٠ أَوَلَيۡسَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ ٨١ إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٨٢ فَسُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٨٣

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

أَ وَ لَمْ يَرَ الانسنُ أَنّا خَلَقْنَهُ مِن نّطفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مّبِينٌ (77) وَ ضرَب لَنَا مَثَلاً وَ نَسىَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْىِ الْعِظمَ وَ هِىَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يحْيِيهَا الّذِى أَنشأَهَا أَوّلَ مَرّةٍ وَ هُوَ بِكلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الّذِى جَعَلَ لَكم مِّنَ الشجَرِ الأَخْضرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَ وَ لَيْس الّذِى خَلَقَ السمَوَتِ وَ الأَرْض بِقَدِرٍ عَلى أَن يخْلُقَ مِثْلَهُم بَلى وَ هُوَ الخَْلّقُ الْعَلِيمُ (81) إِنّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (82) فَسبْحَنَ الّذِى بِيَدِهِ مَلَكُوت كلِّ شىْءٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)

القراءة

قرأ يعقوب يقدر بالياء و كذلك في الأحقاف و الوجه فيه ظاهر و في الشواذ قراءة طلحة و إبراهيم التيمي و الأعمش ملكة كل شيء و معناه فسبحان الذي بيده القدرة على كل شيء و هو من ملكت العجين إذا أجدت عجنه فقويته بذلك و الملكوت فعلوت منه زادوا فيه الواو و التاء للمبالغة بزيادة اللفظ و لهذا لا يطلق الملكوت إلا على الأمر العظيم.

الإعراب

«الذي جعل لكم» بدل من «الذي أنشأها» و يجوز أن يكون مرفوعا أو منصوبا على المدح.

أن يقول في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ.

النزول

قيل إن أبي بن خلف أو العاص بن وائل جاء بعظم بال متفتت و قال يا محمد أ تزعم أن الله يبعث هذا فقال نعم فنزلت الآية «أ و لم ير الإنسان» إلى آخر السورة.

المعنى

ثم نبه سبحانه خلقه على الاستدلال على صحة البعث و الإعادة فقال «أ و لم ير» أ و لم يعلم «الإنسان أنا خلقناه من نطفة» و التقدير ثم نقلناه من النطفة إلى العلقة و من العلقة إلى المضغة و من المضغة إلى العظم و من العظم إلى أن جعلناه خلقا سويا ثم جعلنا فيه الروح و أخرجناه من بطن أمه و ربيناه و نقلناه من حال إلى حال إلى أن كمل عقله و صار متكلما خصيما و ذلك قوله «فإذا هو خصيم مبين» أي مخاصم ذو بيان أي فمن قدر على جميع ذلك فكيف لا يقدر على الإعادة و هي أسهل من الإنشاء و الابتداء و لا يجوز أن يكون خلق الإنسان واقعا بالطبيعة لأن الطبيعة في حكم الموات في أنها ليست بحية قادرة فكيف يصح منها الفعل و لا أن يكون كذلك بالاتفاق لأن المحدث لا بد له من محدث قادر عالم و في الآية دلالة على صحة استعمال النظر في الدين لأن الله سبحانه أقام الحجة على المشركين بقياس النشأة الثانية على النشأة الأولى و ألزم من أقر بالأولى أن يقر بالثانية ثم أكد سبحانه الإنكار عليه فقال «و ضرب لنا مثلا» أي ضرب المثل في إنكار البعث بالعظم البالي و فته بيده و تتعجب ممن يقول أن الله يحييه «و نسي خلقه» أي و ترك النظر في خلق نفسه إذ خلق من نطفة ثم بين ذلك المثل بقوله «قال من يحيي العظام و هي رميم» أي بالية و اختلف في القائل لذلك فقيل هو أبي بن خلف عن قتادة و مجاهد و هو المروي عن الصادق (عليه السلام) و قيل هو العاص بن وائل السهمي عن سعيد بن جبير و قيل أمية بن خلف عن الحسن ثم قال سبحانه في الرد عليه «قل» يا محمد لهذا المتعجب من الإعادة «يحييها الذي أنشأها أول مرة» لأن من قدر على اختراع ما يبقى فهو على إعادته قادر لا محالة «و هو بكل خلق عليم» من الابتداء و الإعادة فيعلم به قبل أن يخلقه أنه إذا خلقه كيف يكون و يعلم به قبل أن يعيده أنه إذا أعاده كيف يكون ثم زاد سبحانه في البيان و أخبر من صنعه بما هو

عجيب الشأن فقال «الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون» أي جعل لكم من الشجر الرطب المطفىء للنار نارا محرقة يعني بذلك المرخ و العفار و هما شجرتان يتخذ الأعراب زنودها منهما فبين سبحانه أن من قدر على أن يجعل في الشجر الذي هو في غاية الرطوبة نارا حامية مع مضادة النار للرطوبة حتى إذا احتاج الإنسان حك بعضه ببعض فتخرج منه النار و ينقدح قدر أيضا على الإعادة و تقول العرب في كل شجر نار، و استمجد المرخ و العفار و قال الكلبي كل شجر تنقدح منه النار إلا العناب ثم ذكر سبحانه من خلقه ما هو أعظم من الإنسان فقال «أ و ليس الذي خلق السموات و الأرض بقادر على أن يخلق مثلهم» هذا استفهام معناه التقرير يعني من قدر على خلق السماوات و الأرض و اختراعهما مع عظمهما و كثرة أجزائهما يقدر على إعادة خلق البشر ثم أجاب سبحانه هذا الاستفهام بقوله «بلى» أي هو قادر على ذلك «و هو الخلاق» أي يخلق خلقا بعد خلق «العليم» بجميع ما خلق ثم ذكر قدرته على إيجاد الأشياء فقال «إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون» و التقدير أن يكونه فيكون فعبر عن هذا المعنى بكن لأنه أبلغ فيما يراد و ليس هنا قول و إنما هو إخبار بحدوث ما يريده تعالى و قيل إن المعنى إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول من أجله كن فيكون فعبر عن هذا المعنى بكن و قيل إن هذا إنما هو في التحويلات نحو قوله كونوا قردة خاسئين و كونوا حجارة أو حديدا و ما أشبه ذلك و لفظ الأمر في الكلام على عشرة أوجه ( أحدها ) الأمر لمن هو دونك ( و الثاني ) الندب كقوله فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ( و ثالثها ) الإباحة نحو قوله فإذا قضيت الصلاة فانتشروا و إذا حللتم فاصطادوا ( و الرابع ) الدعاء ربنا آتنا من لدنك رحمة ( الخامس ) الترفيه كقوله ارفق بنفسك ( السادس ) الشفاعة نحو قولك شفعني فيه ( السابع ) التحويل نحو كونوا قردة خاسئين و كونوا حجارة أو حديدا ( الثامن ) التهديد نحو قوله اعملوا ما شئتم ( التاسع ) الاختراع و الأحداث نحو قوله «كن فيكون» ( العاشر ) التعجب نحو أبصر به و أسمع قال علي بن عيسى في قوله «كن فيكون» الأمر هاهنا أفخم من الفعل فجاء للتفخيم و التعظيم قال و يجوز أن يكون بمنزلة التسهيل و التهوين فإنه إذا أراد فعل شيء فعله بمنزلة ما يقول للشيء كن فيكون في الحال و أنشد:

{فقالت له العينان سمعا و طاعة --- و حدرتا كالدر لما يثقب}

و إنما أخبر عن سرعة دمعة دون أن يكون ذلك قولا على الحقيقة ثم نزه سبحانه نفسه من أن يوصف بما لا يليق به فقال «فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء» أي تنزيها له من نفي القدرة على الإعادة و غير ذلك مما لا يليق بصفاته الذي بيده أي بقدرته ملك كل شيء و من قدر على كل شيء قدر على إحياء العظام الرميم و على خلق كل شيء و إفنائه و إعادته «و إليه ترجعون» يوم القيامة أي تردون إلى حيث لا يملك الأمر و النهي أحد سواه فيجازيكم بالثواب و العقاب على الطاعات و المعاصي على قدر أعمالكم.