۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة يس، آية ١٧

التفسير يعرض الآيات ١١ إلى ٢٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكۡرَ وَخَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِۖ فَبَشِّرۡهُ بِمَغۡفِرَةٖ وَأَجۡرٖ كَرِيمٍ ١١ إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ ١٢ وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَٰبَ ٱلۡقَرۡيَةِ إِذۡ جَآءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ١٣ إِذۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱثۡنَيۡنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزۡنَا بِثَالِثٖ فَقَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَيۡكُم مُّرۡسَلُونَ ١٤ قَالُواْ مَآ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَكۡذِبُونَ ١٥ قَالُواْ رَبُّنَا يَعۡلَمُ إِنَّآ إِلَيۡكُمۡ لَمُرۡسَلُونَ ١٦ وَمَا عَلَيۡنَآ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٧ قَالُوٓاْ إِنَّا تَطَيَّرۡنَا بِكُمۡۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهُواْ لَنَرۡجُمَنَّكُمۡ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨ قَالُواْ طَٰٓئِرُكُم مَّعَكُمۡ أَئِن ذُكِّرۡتُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ ١٩ وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

إِنّمَا تُنذِرُ مَنِ اتّبَعَ الذِّكرَ وَ خَشىَ الرّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَ أَجْرٍ كرِيمٍ (11) إِنّا نحْنُ نُحْىِ الْمَوْتى وَ نَكتُب مَا قَدّمُوا وَ ءَاثَرَهُمْ وَ كلّ شىْءٍ أَحْصيْنَهُ فى إِمَامٍ مّبِينٍ (12) وَ اضرِب لهَُم مّثَلاً أَصحَب الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسلُونَ (13) إِذْ أَرْسلْنَا إِلَيهِمُ اثْنَينِ فَكَذّبُوهُمَا فَعَزّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنّا إِلَيْكُم مّرْسلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلا بَشرٌ مِّثْلُنَا وَ مَا أَنزَلَ الرّحْمَنُ مِن شىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبّنَا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكمْ لَمُرْسلُونَ (16) وَ مَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلَغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنّا تَطيرْنَا بِكُمْ لَئن لّمْ تَنتَهُوا لَنرْجُمَنّكمْ وَ لَيَمَسنّكم مِّنّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طئرُكُم مّعَكُمْ أَ ئن ذُكرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مّسرِفُونَ (19) وَ جَاءَ مِنْ أَقْصا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسعَى قَالَ يَقَوْمِ اتّبِعُوا الْمُرْسلِينَ (20)

القراءة

قرأ أبو بكر فعززنا بالتخفيف و الباقون بتشديد الزاي و قرأ أبو عمرو و قالون عن نافع و زيد عن يعقوب إن ذكرتم بهمزة واحدة غير ممدودة و قرأ ابن كثير و يعقوب و نافع آن ذكرتم بهمزة واحدة ممدودة و قرأ أبو جعفر أ إن بهمزة واحدة مطولة و الثانية ملينة مفتوحة ذكرتم مخففة و الباقون «أ إن ذكرتم» بهمزتين.

الحجة

قال أبو علي قال بعضهم عززنا قوينا و كثرنا و أما عززنا فغلبنا من قوله تعالى «و عزني في الخطاب» و قوله «ء إن ذكرتم» فإنما هي أن الجزاء دخلت عليها ألف الاستفهام و المعنى ء إن ذكرتم تشاءمتم فحذف الجواب لأن تطيرنا بكم تشاءمنا بكم و أصل تطيرنا تفعلنا من الطائر عند العرب الذي به يتشاءمون و يتيمنون و من قرأ أ إن ذكرتم بفتح أن فالمعنى لأن ذكرتم تشاءمتم و أما تخفيف الهمزة و تحقيقها فقد تقدم ذكرهما في مواضع.

الإعراب

«و كل شيء» منصوب بفعل مضمر يفسره هذا الظاهر الذي هو «أحصيناه» و التقدير أحصينا كل شيء أحصيناه «أصحاب القرية» بدلا من مثلا.

«إذ جاءها المرسلون» العامل في إذ محذوف تقديره قصة أصحاب القرية كائنة إذ جاءها المرسلون و «إذ أرسلنا» بدلا من الأول.

المعنى

لما أخبر سبحانه عن أولئك الكفار أنهم لا يؤمنون و أنهم سواء عليهم الإنذار و ترك الإنذار عقبه بذكر حال من ينتفع بالإنذار فقال «إنما تنذر من اتبع الذكر» و المعنى إنما ينتفع بإنذارك و تخويفك من اتبع القرآن لأن نفس الإنذار قد حصل للجميع «و خشي الرحمن بالغيب» أي في حال غيبته عن الناس بخلاف المنافق و قيل معناه و خشي الرحمن فيما غاب عنه من أمر الآخرة «فبشره» أي فبشر يا محمد من هذه صفته «بمغفرة» من الله لذنوبه «و أجر كريم» أي ثواب خالص من الشوائب ثم أخبر سبحانه عن نفسه فقال «إنا نحن نحيي الموتى» في القيامة للجزاء «و نكتب ما قدموا» من طاعتهم و معاصيهم في دار الدنيا عن مجاهد و قتادة و قيل نكتب ما قدموه من عمل ليس أثر «و آثارهم» أي ما يكون له أثر عن الجبائي و قيل يعني بآثارهم أعمالهم التي صارت سنة بعدهم يقتدى فيها بهم حسنة كانت أم قبيحة و قيل معناه و نكتب خطاهم إلى المسجد و سبب ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري أن بني سلمة كانوا في ناحية المدينة فشكوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد منازلهم

من المسجد و الصلاة معه فنزلت الآية و في الحديث عن أبي موسى قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم رواه البخاري و مسلم في الصحيح «و كل شيء أحصيناه في إمام مبين» أي و أحصينا و عددنا كل شيء من الحوادث في كتاب ظاهر و هو اللوح المحفوظ و الوجه في إحصاء ذلك فيه اعتبار الملائكة به إذ قابلوا به ما يحدث من الأمور و يكون فيه دلالة على معلومات الله سبحانه على التفصيل و قيل أراد به صحائف الأعمال و سمي ذلك مبينا لأنه لا يدرس أثره عن الحسن ثم قال سبحانه لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) «و اضرب لهم» يا محمد «مثلا» أي مثل لهم مثالا و هو من قولهم هؤلاء إضراب أي أمثال و قيل معناه و اذكر لهم مثلا «أصحاب القرية» و هذه القرية أنطاكية في قول المفسرين «إذ جاءها المرسلون» أي حين بعث الله إليهم المرسلين «إذ أرسلنا إليهم اثنين» أي رسولين من رسلنا «فكذبوهما» أي فكذبوا الرسولين قال ابن عباس ضربوهما و سجنوهما «فعززنا بثالث» أي فقويناهما و شددنا ظهورهما برسول ثالث مأخوذ من العزة و هي القوة و المنعة و منه قولهم من عز بز أي من غلب سلب قال شعبة كان اسم الرسولين شمعون و يوحنا و اسم الثالث بولس و قال ابن عباس و كعب صادق و صدوق و الثالث سلوم و قيل إنهم رسل عيسى و هم الحواريون عن وهب و كعب قالا و إنما أضافهم تعالى إلى نفسه لأن عيسى (عليه السلام) أرسلهم بأمره «فقالوا إنا إليكم مرسلون» أي قالوا لهم يا أهل القرية إن الله أرسلنا إليكم «قالوا» يعني أهل القرية «ما أنتم إلا بشر مثلنا» فلا تصلحون للرسالة كما لا نصلح نحن لها «و ما أنزل الرحمن من شيء» تدعوننا إليه «إن أنتم إلا تكذبون» أي ما أنتم إلا كاذبون فيما تزعمون اعتقدوا أن من كان مثلهم في البشر لا يصلح أن يكون رسولا و ذهب عليهم أن الله عز اسمه يختار من يشاء لرسالته و أنه علم من حال هؤلاء صلاحهم للرسالة و تحمل أعبائها «قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون» و إنما قالوا ذلك بعد ما قامت الحجة بظهور المعجزة فلم يقبلوها و وجه الاحتجاج بهذا القول أنهم ألزموهم بذلك النظر في معجزاتهم ليعلموا أنهم صادقون على الله ففي ذلك تحذير شديد «و ما علينا إلا البلاغ المبين» أي و ليس يلزمنا إلا أداء الرسالة و التبليغ الظاهر و قيل معناه و ليس علينا أن نحملكم على الإيمان فإنا لا نقدر عليه «قالوا» أي قال هؤلاء الكفار في جواب الرسل حين عجزوا عن إيراد شبهة و عدلوا عن النظر في المعجزة «إنا تطيرنا بكم» أي تشاءمنا بكم «لئن لم تنتهوا» عما تدعونه من الرسالة «لنرجمنكم» بالحجارة عن قتادة و قيل معناه لنشتمنكم عن مجاهد «و ليمسنكم منا عذاب أليم قالوا» يعني الرسل «طائركم معكم» أي الشؤم كله معكم بإقامتكم على الكفر بالله تعالى فأما الدعاء إلى التوحيد و عبادة الله تعالى ففيه غاية البركة و الخير و اليمن و لا شيء فيه

و قيل معنى طائركم حظكم و نصيبكم من الخير و الشر عن أبي عبيدة و المبرد «أ ئن ذكرتم» أي إن ذكرتم قلتم هذا القول و قيل معناه إن ذكرناكم هددتمونا و هو مثل الأول و قيل معناه إن تدبرتم عرفتم صحة ما قلناه لكم «بل أنتم قوم مسرفون» معناه ليس فينا ما يوجب التشاؤم بنا و لكنكم متجاوزون عن الحد في التكذيب للرسل و المعصية و الإسراف الإفساد و مجاوزة الحد و السرف الفساد قال طرفة:

{إن امرءا سرف الفؤاد يرى --- عسلا بماء سحابة شتمي}

أي فاسد القلب «و جاء من أقصى المدينة رجل يسعى» و كان اسمه حبيب النجار عن ابن عباس و جماعة من المفسرين و كان قد آمن بالرسل عند ورودهم القرية و كان منزله عند أقصى باب من أبواب المدينة فلما بلغه أن قومه قد كذبوا الرسل و هموا بقتلهم جاء يعدو و يشتد «قال يا قوم اتبعوا المرسلين» الذين أرسلهم الله إليكم و أقروا برسالتهم قالوا و إنما علم هو بنبوتهم لأنهم لما دعوه قال أ تأخذون على ذلك أجرا قالوا لا و قيل إنه كان به زمانة أو جذام فأبرأوه فآمن بهم عن ابن عباس.

" القصة "

قالوا بعث عيسى رسولين من الحواريين إلى مدينة أنطاكية فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له و هو حبيب صاحب يس فسلما عليه فقال الشيخ لهما من أنتما قالا رسولا عيسى ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن فقال أ معكما آية قالا نعم نحن نشفي المريض و نبرىء الأكمه و الأبرص بإذن الله فقال الشيخ إن لي ابنا مريضا صاحب فراش منذ سنين قالا فانطلق بنا إلى منزلك نتطلع حاله فذهب بهما فمسحا ابنه فقام في الوقت بإذن الله صحيحا ففشا الخبر في المدينة و شفى الله على أيديهما كثيرا من المرضى و كان لهم ملك يعبد الأصنام فأنهي الخبر إليه فدعاهما فقال لهما من أنتما قالا رسولا عيسى جئنا ندعوك من عبادة ما لا يسمع و لا يبصر إلى عبادة من يسمع و يبصر فقال الملك و لنا إله سوى آلهتنا قالا نعم من أوجدك و آلهتك قال قوما حتى أنظر في أمركما فأخذهما الناس في السوق و ضربوهما قال وهب بن منبه بعث عيسى هذين الرسولين إلى أنطاكية فأتياها و لم يصلا إلى ملكها و طالت مدة مقامهما فخرج الملك ذات يوم فكبرا و ذكر الله فغضب الملك و أمر بحبسهما و جلد كل واحد منهما مائة جلدة فلما كذب الرسولان و ضربا بعث عيسى شمعون الصفا رأس الحواريين على إثرهما لينصرهما فدخل شمعون البلدة متنكرا فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به فرفعوا خبره إلى الملك فدعاه و رضي عشرته و أنس به

و أكرمه ثم قال له ذات يوم أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن و ضربتهما حين دعواك إلى غير دينك فهل سمعت قولهما قال الملك حال الغضب بيني و بين ذلك قال فإن رأى الملك دعاهما حتى نتطلع ما عندهما فدعاهما الملك فقال لهما شمعون من أرسلكما إلى هاهنا قالا الله الذي خلق كل شيء لا شريك له قال و ما آيتكما قالا ما تتمناه فأمر الملك حتى جاءوا بغلام مطموس العينين و موضع عينيه كالجبهة فما زالا يدعوان الله حتى انشق موضع البصر فأخذا بندقتين من الطين فوضعا في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما فتعجب الملك فقال شمعون للملك أ رأيت لو سألت إلهك حتى يصنع صنيعا مثل هذا فيكون لك و لإلهك شرفا فقال الملك ليس لي عنك سرا إن إلهنا الذي نعبده لا يضر و لا ينفع ثم قال الملك للرسولين إن قدر إلهكما على إحياء ميت آمنا به و بكما قالا إلهنا قادر على كل شيء فقال الملك إن هاهنا ميتا منذ سبعة أيام لم ندفنه حتى يرجع أبوه و كان غائبا فجاؤوا بالميت و قد تغير و أروح فجعلا يدعوان ربهما علانية و جعل شمعون يدعو ربه سرا فقام الميت و قال لهم إني قد مت منذ سبعة أيام و أدخلت في سبعة أودية من النار و أنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله فتعجب الملك فلما علم شمعون أن قوله أثر في الملك دعاه إلى الله فآمن و آمن من أهل مملكته قوم و كفر آخرون و قد روى مثل ذلك العياشي بإسناده عن الثمالي و غيره عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) إلا أن في بعض الروايات بعث الله الرسولين إلى أهل أنطاكية ثم بعث الثالث و في بعضها أن عيسى أوحى الله إليه أن يبعثهما ثم بعث وصيه شمعون ليخلصهما و إن الميت الذي أحياه الله تعالى بدعائهما كان ابن الملك و أنه قد خرج من قبره ينفض التراب عن رأسه فقال له يا بني ما حالك قال كنت ميتا فرأيت رجلين ساجدين يسألان الله تعالى أن يحييني قال يا بني فتعرفهما إذا رأيتهما قال نعم فأخرج الناس إلى الصحراء فكان يمر عليه رجل بعد رجل فمر أحدهما بعد جمع كثير فقال هذا أحدهما ثم مر الآخر فعرفهما و أشار بيده إليهما فآمن الملك و أهل مملكته و قال ابن إسحاق بل كفر الملك و أجمع هو و قومه على قتل الرسل فبلغ ذلك حبيبا و هو على باب المدينة الأقصى فجاء يسعى إليهم يذكرهم و يدعوهم إلى طاعة الرسل.