۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة فاطر، آية ٧

التفسير يعرض الآيات ٦ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ٦ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٌ ٧ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنٗاۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۖ فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَيۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٨ وَٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَسُقۡنَٰهُ إِلَىٰ بَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَحۡيَيۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ ٩ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرۡفَعُهُۥۚ وَٱلَّذِينَ يَمۡكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَمَكۡرُ أُوْلَٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

إِنّ الشيْطنَ لَكمْ عَدُوّ فَاتخِذُوهُ عَدُواّ إِنّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصحَبِ السعِيرِ (6) الّذِينَ كَفَرُوا لهَُمْ عَذَابٌ شدِيدٌ وَ الّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ لهَُم مّغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) أَ فَمَن زُيِّنَ لَهُ سوءُ عَمَلِهِ فَرَءَاهُ حَسناً فَإِنّ اللّهَ يُضِلّ مَن يَشاءُ وَ يهْدِى مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَب نَفْسك عَلَيهِمْ حَسرَتٍ إِنّ اللّهَ عَلِيمُ بِمَا يَصنَعُونَ (8) وَ اللّهُ الّذِى أَرْسلَ الرِّيَحَ فَتُثِيرُ سحَاباً فَسقْنَهُ إِلى بَلَدٍ مّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْض بَعْدَ مَوْتهَا كَذَلِك النّشورُ (9) مَن كانَ يُرِيدُ الْعِزّةَ فَللّهِ الْعِزّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصعَدُ الْكلِمُ الطيِّب وَ الْعَمَلُ الصلِحُ يَرْفَعُهُ وَ الّذِينَ يَمْكُرُونَ السيِّئَاتِ لهَُمْ عَذَابٌ شدِيدٌ وَ مَكْرُ أُولَئك هُوَ يَبُورُ (10)

القراءة

قرأ أبو جعفر فلا تذهب بضم التاء نفسك بالنصب و الباقون «فلا تذهب نفسك» و الوجه فيهما ظاهر.

الإعراب

حسرات مصدر فعل محذوف تقديره فلا تذهب نفسك تتحسر عليهم حسرات و جميعا نصب على الحال و العامل فيه ما يتعلق به اللام من لله «و مكر أولئك هو يبور» هو فصل بين المبتدأ و خبره.

المعنى

ثم أنه سبحانه حذرهم الشيطان فقال «إن الشيطان لكم عدو» يدعوكم إلى ما فيه الهلاك و الخسر و يصرفكم عن أفعال الخير و البر و يدعوكم إلى الشر «فاتخذوه عدوا» أي فعادوه و لا تتبعوه بأن تعملوا على وفق مراده و تذعنوا لانقياده «إنما يدعو

حزبه» أي أتباعه و أولياءه و أصحابه «ليكونوا من أصحاب السعير» أي النار المسعرة و المعنى أنه لا سلطان له على المؤمنين و لكنه يدعو أتباعه إلى ما يستحقون به النار ثم بين سبحانه حال من أجابه و حال من خالفه فقال «الذين كفروا لهم عذاب شديد» جزاء على كفرهم «و الذين آمنوا و عملوا الصالحات لهم مغفرة» من الله لذنوبهم «و أجر كبير» أي ثواب عظيم ثم قال سبحانه مقررا لهم «أ فمن زين له سوء عمله فرآه حسنا» يعني الكفار زينت لهم نفوسهم أعمالهم السيئة فتصوروها حسنة أو زينها الشيطان لهم بأن أمالهم إلى الشبه المضلة و ترك النظر في الأدلة و أغواهم حتى تشاغلوا بما فيه عاجل اللذة و طرح الكلفة و خبر قوله «أ فمن زين له سوء عمله» محذوف أي أ هو كمن علم الحسن و القبيح و عمل بما علم و لم يزين له سوء عمله و قيل تقديره كمن هداه الله و قيل كمن زين له صالح عمله «فإن الله يضل من يشاء و يهدي من يشاء» مر بيانه «فلا تذهب نفسك عليهم حسرات» أي لا تهلك نفسك يا محمد عليهم حسرة و لا يغمك حالهم إذ كفروا و استحقوا العقاب و هو مثل قوله «لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين» و الحسرة شدة الحزن على ما فأت من الأمر «إن الله عليم بما يصنعون» فيجازيهم عليه ثم عاد سبحانه إلى ذكر أدلة التوحيد فقال «و الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا» أي تهيجه و تزعجه من حيث هو «فسقناه» أي فسقنا السحاب «إلى بلد ميت» أي قحط و جدب لم يمطر فيمطر على ذلك البلد «فأحيينا به» أي بذلك المطر و الماء «الأرض بعد موتها» بأن أنبتنا فيها الزرع و الكلأ بعد أن لم يكن «كذلك النشور» أي كما فعل هذا بهذه الأرض الجدبة من إحيائها بالزرع و النبات ينشر الخلائق بعد موتهم و يحشرهم للجزاء من الثواب و العقاب «من كان يريد العزة فلله العزة جميعا» اختلف في معناه فقيل المعنى من كان يريد علم العزة و هي القدرة على القهر و الغلبة لمن هي فإنها لله جميعا عن الفراء و قيل معناه من أراد العزة فليتعزز بطاعة الله فإن الله تعالى يعزه عن قتادة يعني أن قوله «فلله العزة جميعا» معناه الدعاء إلى طاعة من له العزة كما يقال من أراد المال فالمال لفلان أي فليطلبه من عنده يدل على صحة هذا ما رواه أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال أن ربكم يقول كل يوم أنا العزيز فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز «إليه يصعد الكلم الطيب» و الكلم جمع الكلمة يقال هذا كلم و هذه كلم فيذكر و يؤنث و كل جمع ليس بينه و بين واحده إلا الهاء يجوز فيه التذكير و التأنيث و معنى الصعود هاهنا القبول من صاحبه و الإثابة عليه و كلما يتقبله الله سبحانه من الطاعات يوصف بالرفع و الصعود لأن الملائكة يكتبون أعمال بني آدم و يرفعونها إلى حيث شاء الله تعالى و هذا كقوله إن كتاب الأبرار لفي عليين و قيل معنى إليه يصعد إلى سمائه و إلى حيث لا يملك الحكم

سواه فجعل صعوده إلى سمائه صعودا إليه تعالى كما يقال ارتفع أمرهم إلى السلطان و الكلم الطيب الكلمات الحسنة من التعظيم و التقديس و أحسن الكلم لا إله إلا الله «و العمل الصالح يرفعه» قيل فيه وجوه ( أحدها ) العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله فالهاء من يرفعه يعود إلى الكلم و هو معنى قول الحسن ( و الثاني ) على القلب من الأول أي و العمل الصالح يرفعه الكلم الطيب و المعنى أن العمل الصالح لا ينفع إلا إذا صدر عن التوحيد عن ابن عباس ( و الثالث ) أن المعنى العمل الصالح يرفعه الله لصاحبه أي يقبله عن قتادة و على هذا فيكون ابتداء إخبار لا يتعلق بما قبله ثم ذكر سبحانه من لا يوحد الله سبحانه فقال «و الذين يمكرون السيئات» أي يعملون السيئات عن الكلبي و قيل يمكرون أن يشركون بالله و قيل يعني الذين مكروا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في دار الندوة عن أبي العالية و هو قوله و إذ يمكر بك الذين كفروا الآية «لهم عذاب شديد» في الآخرة ثم أخبر سبحانه أن مكرهم يبطل فقال «و مكر أولئك هو يبور» أي يفسد و يهلك و لا يكون شيئا و لا ينفذ فيما أرادوه.