۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة فاطر، آية ٢

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١ مَّا يَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةٖ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ وَمَا يُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٣ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٤ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ الحَْمْدُ للّهِ فَاطِرِ السمَوَتِ وَ الأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَئكَةِ رُسلاً أُولى أَجْنِحَةٍ مّثْنى وَ ثُلَث وَ رُبَعَ يَزِيدُ فى الخَْلْقِ مَا يَشاءُ إِنّ اللّهَ عَلى كلِّ شىْءٍ قَدِيرٌ (1) مّا يَفْتَح اللّهُ لِلنّاسِ مِن رّحْمَةٍ فَلا مُمْسِك لَهَا وَ مَا يُمْسِك فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الحَْكِيمُ (2) يَأَيهَا النّاس اذْكُرُوا نِعْمَت اللّهِ عَلَيْكمْ هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيرُ اللّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السمَاءِ وَ الأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنى تُؤْفَكُونَ (3) وَ إِن يُكَذِّبُوك فَقَدْ كُذِّبَت رُسلٌ مِّن قَبْلِك وَ إِلى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ (4) يَأَيهَا النّاس إِنّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ فَلا تَغُرّنّكُمُ الحَْيَوةُ الدّنْيَا وَ لا يَغُرّنّكُم بِاللّهِ الْغَرُورُ (5)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم و أبو جعفر غير الله بالجر و الباقون بالرفع.

الحجة

قال أبو علي من قرأ غير الله بالجر جعله صفة على اللفظ و الخبر «يرزقكم من السماء و الأرض» و من قرأ «غير الله» بالرفع احتمل وجوها ( أحدها ) أن يكون خبر المبتدأ ( و الآخر ) أن يكون صفة على الموضع و الخبر مضمر تقديره هل خالق غير الله في الوجود أو العالم ( و الثالث ) أن يكون غير استثناء و الخبر مضمر كأنه قال هل من خالق إلا الله و يدل على جواز الاستثناء قوله ما من إله إلا الله.

اللغة

الفطر الشق عن الشيء بإظهاره للحس و فاطر السموات خالقها.

الإعراب

«مثنى و ثلاث و رباع» صفة لأجنحة معدولة عن اثنين اثنين و ثلاثة ثلاثة و أربعة أربعة.

«ما يفتح الله» ما شرطية في محل النصب لكونها مفعول يفتح.

المعنى

«الحمد لله فاطر السماوات و الأرض» أي خالقهما مبتدئا على غير مثال سبق حمد سبحانه نفسه ليعلمنا كيف نحمده و ليبين لنا أن الحمد كله له «جاعل الملائكة رسلا» إلى الأنبياء بالرسالات و الوحي «أولي أجنحة مثنى و ثلاث و رباع» تقدم تفسيرها و إنما جعلهم أولي أجنحة ليتمكنوا بها من العروج إلى السماء و من النزول إلى الأرض فمنهم من له جناحان و منهم من له ثلاثة أجنحة و منهم من له أربعة أجنحة عن قتادة قال و يزيد فيها ما يشاء و هو قوله «يزيد في الخلق ما يشاء» قال ابن عباس رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جبرائيل ليلة المعراج و له ستمائة جناح و هذا اختيار الزجاج و الفراء و قيل أراد بقوله «يزيد في الخلق ما يشاء»

حسن الصوت عن الزهري و ابن جريج و قيل هو الملاحة في العينين عن قتادة و روى أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال هو الوجه الحسن و الصوت الحسن و الشعر الحسن «إن الله على كل شيء قدير» لا شيء إلا و هو قادر عليه بعينه أو قادر على مثله ثم بين سبحانه أنعامه على خلقه فقال «ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها» أي ما يأتيهم به من مطر أو عافية أو أي نعمة شاء فإن أحدا لا يقدر على إمساكه «و ما يمسك» من ذلك «فلا مرسل له من بعده» أي فإن أحدا لا يقدر على إرساله و قيل معناه ما يرسل الله من رسول إلى عباده في وقت دون وقت فلا مانع له لأن إرسال الرسول رحمة من الله كما قال «و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» و ما يمسكه في زمان الفترة أو عمن يقترحه من الكفار فلا مرسل له عن الحسن و اللفظ محتمل للجميع «و هو العزيز» أي القادر الذي لا يعجز «الحكيم» في أفعاله أن أنعم و أن أمسك لأنه يفعل ما تقتضيه الحكمة ثم خاطب المؤمنين فقال «يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم» الظاهرة و الباطنة التي من جملتها أنه خلقكم و أوجدكم و أحياكم و أقدركم و شهاكم و خلق لكم أنواع الملاذ و المنافع «هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء و الأرض» هذا استفهام تقرير لهم و معناه النفي ليقروا بأنه لا خالق إلا الله يرزق من السماء بالمطر و من الأرض بالنبات و هل يجوز إطلاق لفظ الخالق على غير الله سبحانه فيه وجهان ( أحدهما ) أنه لا تطلق هذه اللفظة على أحد سواه و إنما يوصف به غيره على جهة التقييد و إن جاز إطلاق لفظ الصانع و الفاعل نحوهما على غيره ( و الآخر ) أن المعنى لا خالق يرزق و يخلق الرزق إلا الله تعالى «لا إله إلا هو» أي لا معبود يستحق العبادة سواه سبحانه «فأنى تؤفكون» أي كيف تصرفون عن طريق الحق إلى الضلال و قيل معناه أنى يعدل بكم عن هذه الأدلة التي أقمتها لكم على التوحيد مع وضوحها ثم سلى سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن تكذيب قومه إياه فقال «و إن يكذبوك» يا محمد «فقد كذبت رسل من قبلك و إلى الله ترجع الأمور» فيجازي من كذب رسله و ينصر من كذب من رسله ثم خاطب الخلق فقال «يا أيها الناس أن وعد الله» من البعث و النشور و الجنة و النار و الجزاء و الحساب «حق» صدق كائن لا محالة «فلا تغرنكم الحياة الدنيا» فتغترون بملاذها و نعيمها و لا يخدعنكم حب الرياسة و طول البقاء فإن ذلك عن قليل نافد بائد و يبقى الوبال و الوزر «و لا يغرنكم بالله الغرور» و هو الذي عادته أن يغر غيره و الدنيا و زينتها بهذه الصفة لأن الخلق يغترون بها و قيل أن الغرور الشيطان الذي هو إبليس عن الحسن و مجاهد.