۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة سبأ، آية ٢٣

التفسير يعرض الآيات ٢٠ إلى ٢٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلَقَدۡ صَدَّقَ عَلَيۡهِمۡ إِبۡلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٠ وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيۡهِم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يُؤۡمِنُ بِٱلۡأٓخِرَةِ مِمَّنۡ هُوَ مِنۡهَا فِي شَكّٖۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ ٢١ قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ ٢٢ وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنۡ أَذِنَ لَهُۥۚ حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمۡ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمۡۖ قَالُواْ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٢٣ ۞ قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُلِ ٱللَّهُۖ وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢٤ قُل لَّا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّآ أَجۡرَمۡنَا وَلَا نُسۡـَٔلُ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ لَقَدْ صدّقَ عَلَيهِمْ إِبْلِيس ظنّهُ فَاتّبَعُوهُ إِلا فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَ مَا كانَ لَهُ عَلَيهِم مِّن سلْطنٍ إِلا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالاَخِرَةِ مِمّنْ هُوَ مِنْهَا فى شكٍ وَ رَبّك عَلى كلِّ شىْءٍ حَفِيظٌ (21) قُلِ ادْعُوا الّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللّهِ لا يَمْلِكونَ مِثْقَالَ ذَرّةٍ فى السمَوَتِ وَ لا فى الأَرْضِ وَ مَا لهَُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَ مَا لَهُ مِنهُم مِّن ظهِيرٍ (22) وَ لا تَنفَعُ الشفَعَةُ عِندَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَا ذَا قَالَ رَبّكُمْ قَالُوا الْحَقّ وَ هُوَ الْعَلىّ الْكَبِيرُ (23) قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السمَوَتِ وَ الأَرْضِ قُلِ اللّهُ وَ إِنّا أَوْ إِيّاكمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فى ضلَلٍ مّبِينٍ (24) قُل لا تُسئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنَا وَ لا نُسئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ (25)

القراءة

قرأ أهل الكوفة «صدق» بتشديد الدال و الباقون بتخفيفها و قرأ يعقوب و سهل «صدق» بالتشديد إبليس بالنصب ظنه بالرفع و قرأ أبو عمرو و أهل الكوفة غير عاصم إلا الأعشى و البرجمي أذن بضم الهمزة و الباقون بفتحها و قرأ ابن عامر و يعقوب فزع بفتح الفاء و الزاي و الباقون بضم الفاء و كسر الزاي و في الشواذ قراءة الحسن بخلاف و قتادة فزع بفتح الفاء و الزاي و العين و التشديد و عن الحسن أيضا «فزع» بضم الفاء و كسر الزاي و التشديد و عنه عن قتادة فزع بضم الفاء و كسر الزاي و التخفيف.

الحجة

قال أبو علي معنى التخفيف في صدق أنه صدق ظنه بهم من متابعتهم إياه إذا أغواهم و ذلك نحو قوله فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم و لأغوينهم أجمعين فهذا ظنه لأنه لم يقل ذلك عن يقين فظنه على هذا ينتصب انتصاب المفعول به و يجوز أن ينتصب انتصاب الظرف أي في ظنه و قد يقال أصاب الظن و أخطأ الظن و قال الشاعر:

{إن يك ظني صادقا و هو صادق --- بشملة يحبسهم بها محبسا وعرا}

فعداه إلى المفعول به و من قرأ بالتشديد نصب الظن على أنه مفعول به و من قرأ صدق عليهم إبليس بالنصب ظنه بالرفع فالمعنى أن إبليس كان سولت له نفسه شيئا فصدقه ظنه و من قرأ «إلا لمن أذن له» فالمعنى لمن أذن الله له أن يشفع و من قرأ أذن له فبنى الفعل للمفعول به فهو يريد هذا المعنى أيضا كما أن قوله «حتى إذا فزع عن قلوبهم» و فزع و هل نجازي إلا الكفور و هل يجازي إلا الكفور واحد في المعنى و إن اختلفت الألفاظ.

اللغة

يقال صدقت زيدا و صدقته و كذبته و كذبته و ينشد الأعشى:

{و صدقته و كذبته و المرء ينفعه كذا}

أبو عبيدة فزع عن قلوبهم نفس عنه يقال فزع و فزع إذا أزيل الفزع عنها.

الإعراب

«لنعلم» قال الزجاج معناه ما امتحناهم في إبليس إلا لنعلم ذلك علم وقوعه منهم و هو الذي يجازون عليه.

«لا يملكون» الأجود أن يكون جملة مستأنفة و يجوز أن يكون حالا و قوله «و إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين» تقديره و إنا لعلى هدى أو في ضلال مبين و إنكم لعلى هدى أو في ضلال مبين.

المعنى

ثم قال سبحانه «و لقد صدق عليهم إبليس ظنه» الضمير في عليهم يعود إلى أهل سبإ و قيل إلى الناس كلهم إلا من أطاع الله عن مجاهد و المعنى أن إبليس كان قال لأغوينهم و لأضلنهم و ما كان ذلك عن علم و تحقيق و إنما قاله ظنا فلما تابعه أهل الزيغ و الشرك صدق ظنه و حققه «فاتبعوه» فيما دعاهم إليه «إلا فريقا من المؤمنين» من هنا للتبيين يعني المؤمنين كلهم عن ابن عباس أي علموا قبح متابعته فلم يتبعوه و اتبعوا أمر الله تعالى «و ما كان له عليهم من سلطان» أي و لم يكن لإبليس عليهم من سلطنة و لا ولاية يتمكن بها من إجبارهم على الغي و الضلال و إنما كان يمكنه الوسوسة فقط كما قال و ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي» «إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك» المعنى أنا لم نمكنه من إغوائهم و وسوستهم إلا لنميز بين من يقبل منه و من يمتنع و يأبى متابعته فنعذب من تابعه و نثيب من خالفه فعبر عن التمييز بين الفريقين بالعلم و هذا التمييز متجدد لأنه لا يكون إلا بعد وقوع ما يستحقون به ذلك و أما العلم فبخلاف ذلك فإنه سبحانه كان عالما بأحوالهم و بما يكون منهم فيما لم يزل و قيل معناه لتعلم طاعاتهم موجودة أو معاصيهم إن عصوا فنجازيهم بحسبها لأنه سبحانه لا يجازي أحدا على ما يعلم من حاله إلا بعد أن يقع ذلك منه و قيل معناه لنعامله معاملة من كأنه لا يعلم و إنما يعمل ليعلم من يصدق بالآخرة و يعترف بها ممن يرتاب فيها أو يشك «و ربك» يا محمد «على كل

شيء حفيظ» أي عالم لا يفوته علم شيء من أحوالهم ثم قال سبحانه «قل» يا محمد لهؤلاء المشركين «ادعوا الذين زعمتم من دون الله» أنهم آلهة و أنهم شركاء لله تعالى و أنهم شفعاؤكم و أنها تستحق الإلهية هل يستجيبون لكم إلى ما تسألونهم و هذا نوع توبيخ لا أمر ليعلموا أن أوثانهم لا تنفعهم و لا تضرهم «لا يملكون مثقال ذرة في السماوات و لا في الأرض» أي لا يملكون زنة ذرة من خير و شر و نفع و ضر فيهما «و ما لهم فيهما» أي و ليس لهم في خلق السماوات و الأرض «من شرك» و نصيب «و ما له منهم من ظهير» أي ليس لله سبحانه منهم معاون على خلق السماوات و الأرض و لا على شيء من الأشياء «و لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له» المعنى أنه لا تنفع الشفاعة عند الله تعالى إلا لمن رضيه الله و ارتضاه و أذن له في الشفاعة مثل الملائكة و الأنبياء و الأولياء و يجوز أن يكن المعنى إلا لمن أذن الله في أن يشفع له فيكون مثل قوله و لا يشفعون إلا لمن ارتضى و إنما قال سبحانه ذلك لأن الكفار كانوا يقولون نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى و هؤلاء شفعاؤنا عند الله فحكم الله تعالى ببطلان اعتقاداتهم «حتى إذا فزع عن قلوبهم» أي كشف الفزع عن قلوبهم و فزع كشف الله الفزع عن قلوبهم و اختلف في الضمير في قوله «قلوبهم» فقيل يعود إلى المشركين الذين تقدم ذكرهم فيكون المعنى حتى إذا أخرج عن قلوبهم الفزع وقت الفزع ليسمعوا كلام الملائكة «قالوا» أي قالت الملائكة لهم «ما ذا قال ربكم قالوا» أي قال هؤلاء المشركون مجيبين لهم «الحق» أي قال الحق فيعترفون أن ما جاء به الرسل كان حقا عن ابن عباس و قتادة و ابن زيد و قيل إن الضمير يعود إلى الملائكة ثم اختلف في معناه على وجوه ( أحدها ) أن الملائكة إذا صعدوا بأعمال العباد و لهم زجل و صوت عظيم فتحسب الملائكة أنها الساعة فيخرون سجدا و يفزعون فإذا علموا أنه ليس ذلك قالوا ما ذا قال ربكم قالوا الحق ( و ثانيها ) أن الفترة لما كانت بين عيسى (عليه السلام) و محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) أنزل الله سبحانه جبرائيل بالوحي فلما نزل ظنت الملائكة أنه نزل بشيء من أمر الساعة فصعقوا لذلك فجعل جبرائيل يمر بكل سماء و يكشف عنهم الفزع فرفعوا رءوسهم و قال بعضهم لبعض ما ذا قال ربكم قالوا الحق يعني الوحي عن مقاتل و الكلبي ( و ثالثها ) أن الله تعالى إذا أوحى إلى بعض ملائكته لحق الملائكة غشي عند سماع الوحي و يصعقون و يخرون سجدا للآية العظيمة فإذا فزع عن قلوبهم سألت الملائكة ذلك الملك الذي أوحي إليه ما ذا قال ربك أو يسأل بعضهم بعضا فيعلمون أن الأمر في غيرهم عن ابن مسعود و اختاره الجبائي «و هو العلي» أي السيد القادر المطاع و قيل العلي في صفاته «الكبير» في قدرته «قل من يرزقكم من السماوات و الأرض» فإنهم لا يمكنهم أن يقولوا ترزقنا آلهتنا التي نعبدها ثم عند

ذلك «قل الله» الذي يرزقكم «و إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين» إنما قال ذلك على وجه الإنصاف في الحجاج دون الشك كما يقول القائل لغيره أحدنا كاذب و إن كان هو عالما بالكاذب و على هذا يقول أبو الأسود الدئلي يمدح أهل البيت (عليهم السلام):

{يقول الأرذلون بنو قشير --- طوال الدهر لا تنسى عليا} {بنو عم النبي و أقربوه --- أحب الناس كلهم إليا} {فإن يك حبهم رشدا أصبه --- و لست بمخطىء إن كان غيا}

لم يقل هذا لكونه شاكا في محبتهم و قد أيقن أن محبتهم رشد و هدى و قيل إنه جمع بين الخبرين و فوض التمييز إلى العقول فكأنه قال أنا على هدى و أنتم على ضلال كقول امرىء القيس:

{كان قلوب الطير رطبا و يابسا --- لدى وكرها العناب و الحشف البالي}

فجمع بين القلوب الرطبة و اليابسة و جمع بين العناب و الحشف البالي و قيل إنما قاله على وجه الاستعطاف و المداراة ليسمع الكلام و هذا من أحسن ما ينسب به المحق نفسه إلى الهدى و خصمه إلى الضلال لأنه كلام من لا يكاشف خصمه بالتضليل بل ينسبه إليه على أحسن وجه و يحثه على النظر و لا يجب النظر إلا بعد التردد «قل» يا محمد إذا لم ينقادوا للحجة «لا تسئلون» أيها الكفار «عما أجرمنا» أي اقترفنا من المعاصي «و لا نسأل» نحن «عما تعملون» أي تعملونه أنتم بل كل إنسان يسأل عما يعمله و يجازى على فعله دون فعل غيره و في هذا دلالة على أن أحدا لا يجوز أن يؤخذ بذنب غيره.