۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة سبأ، آية ١٥

التفسير يعرض الآيات ١٥ إلى ١٩

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ ١٥ فَأَعۡرَضُواْ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سَيۡلَ ٱلۡعَرِمِ وَبَدَّلۡنَٰهُم بِجَنَّتَيۡهِمۡ جَنَّتَيۡنِ ذَوَاتَيۡ أُكُلٍ خَمۡطٖ وَأَثۡلٖ وَشَيۡءٖ مِّن سِدۡرٖ قَلِيلٖ ١٦ ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلۡ نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلۡكَفُورَ ١٧ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ ٱلۡقُرَى ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا قُرٗى ظَٰهِرَةٗ وَقَدَّرۡنَا فِيهَا ٱلسَّيۡرَۖ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ ١٨ فَقَالُواْ رَبَّنَا بَٰعِدۡ بَيۡنَ أَسۡفَارِنَا وَظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَ وَمَزَّقۡنَٰهُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ١٩

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

لَقَدْ كانَ لِسبَإٍ فى مَسكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنّتَانِ عَن يَمِينٍ وَ شِمَالٍ كلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طيِّبَةٌ وَ رَبّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضوا فَأَرْسلْنَا عَلَيهِمْ سيْلَ الْعَرِمِ وَ بَدّلْنَهُم بجَنّتَيهِمْ جَنّتَينِ ذَوَاتىْ أُكلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِك جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُوا وَ هَلْ نجَزِى إِلا الْكَفُورَ (17) وَ جَعَلْنَا بَيْنهُمْ وَ بَينَ الْقُرَى الّتى بَرَكنَا فِيهَا قُرًى ظهِرَةً وَ قَدّرْنَا فِيهَا السيرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالىَ وَ أَيّاماً ءَامِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبّنَا بَعِدْ بَينَ أَسفَارِنَا وَ ظلَمُوا أَنفُسهُمْ فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيث وَ مَزّقْنَهُمْ كلّ مُمَزّقٍ إِنّ فى ذَلِك لاَيَتٍ لِّكلِّ صبّارٍ شكُورٍ (19)

القراءة

قرأ «مسكنهم» على التوحيد بفتح الكاف حمزة و حفص و بكسر الكاف الكسائي و خلف و الباقون مساكنهم على الجمع و قرأ أكل خمط مضاف غير منون أهل البصرة و قرأ الباقون غير مضاف بالتنوين و قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر و يعقوب «و هل نجازي» بالنون و كسر الزاي «إلا الكفور» بالنصب و أدغم الكسائي اللام من هل في النون و غيره لم يدغم و الباقون يجازي بالياء و فتح الزاي و الكفور بالرفع و قرأ أبو عمرو و ابن كثير و هشام باعد بين أسفارنا بالتشديد على لفظ الأمر و قرأ يعقوب و سهل ربنا بالضم باعد بالألف و فتح الباء و العين و الدال مخففة و هو قراءة محمد بن علي الباقر (عليهما السلام) و ابن عباس و قرأ الباقون «ربنا» بالنصب «باعد» بالألف على الدعاء و في الشواذ قراءة ابن يعمر و محمد بن السميقع «ربنا» بالنصب بعد بفتح الباء و الدال و ضم العين بين أسفارنا بالرفع.

الحجة

قال أبو علي من قرأ مساكنهم أتى باللفظ وفقا للمعنى لأن لكل ساكن مسكنا و من قرأ «مسكنهم» فيشبه أن يكون جعل المسكن مصدرا و حذف المضاف و التقدير في مواضع سكناهم فلما جعل المسكن كالسكنى و السكون أفرد كما يفرد المصدر و هذا أشبه من أن تحمله على نحو:

كلوا في بعض بطنكم و على هذا قوله تعالى في مقعد صدق أي في موضع قعود أ لا ترى أن لكل واحد من المتقين موضع قعود و الأشبه في الكاف الفتح لأن اسم المكان و المصدر من باب يفعل على المفعل و قد يشذ على القياس نحو هذا كما جاء المسجد و سيبويه يحمله على اسم البيت و كذلك المطلع إلا أن أبا الحسن يقول إن المسكن إذا كسرته لغة كثيرة و هي لغة الناس اليوم و الفتح لغة أهل الحجاز فأما الإضافة في «أكل خمط» فإن أبا عبيدة قال الخمط كل شجرة مرة ذات شوكة و الأكل الجنى فعلى هذا التفسير تحسن الإضافة و ذلك أن الأكل إذا كان الجنى فإن جنى كل شجرة منه و غير الإضافة ليس في حسن الإضافة لأن الخمط إنما هو اسم شجرة و ليس بوصف فإذا لم يكن وصفا لم يجر على ما قبله كما يجري الوصف على الموصوف و البدل ليس بالسهل أيضا لأنه ليس هو هو و لا بعضه لأن الجنى من الشجر و ليس الشجر من الجنى فيكون إجراؤه عليه على وجه العطف البيان كأنه بين أن الجنى لهذا الشجر و منه قال أبو الحسن الأحسن في كلام العرب أن يضيفوا ما كان من نحو هذا مثل دار آجر و ثوب خز قال فأكل خمط قراءة كثيرة و ليست بجيدة في العربية و حجة من قرأ «و هل نجازي» بالنون قوله «جزيناهم» و من قرأ يجازى على بناء الفعل للمفعول فإن المجازي أيضا هو الله تعالى و إنما خص الكفور بالجزاء لأن المؤمن قد يكفر عن سيئاته قال سبحانه و نتجاوز عن سيئاتهم و قال إن الحسنات يذهبن السيئات و ليس كذلك الكافر فإنه يجازى بكل سوء يعمله و أما إدغام الكسائي اللام في النون فجائز حكاه سيبويه و البيان أحسن و أما قوله «ربنا باعد بين أسفارنا» فذكر سيبويه أن فاعل و فعل يجيئان بمعنى كقولهم ضاعف و ضعف و قارب و قرب و اللفظان جميعا على معنى الطلب و الدعاء قال ابن جني بين منصوب نصب المفعول به أي بعد و باعد مسافة أسفارنا و ليس نصبه على الظرف يدلك على ذلك قراءة من قرأ بعد بين أسفارنا كما تقول بعد مدى أسفارنا فرفعه دليل كونه اسما و عليه قوله:

{كان رماحهم أشطان بئر --- بعيد بين جاليها جرور}

أي بعيد مدى جاليها أو مسافة جاليها.

اللغة

العرم المسناة التي تحبس الماء واحدها عرمة أخذ من عرامة الماء و هي ذهابه كل مذهب قال الأعشى:

{ففي ذاك للمؤتسي أسوة --- و مأرب قفى عليه العرم} {رخام بنته له حمير --- إذا جاء ماؤهم لم يرم}

و قيل العرم اسم واد كان يجتمع فيه سيول من أودية شتى و قيل العرم هنا اسم الجرذ الذي نقب السكر عليهم و هو الذي يقال له الخلد و قيل العرم المطر الشديد.

الإعراب

«آية» اسم كان.

«جنتان» رفع على أنه بدل من آية و يجوز أن يكون خبرا لمبتدء محذوف كأنه قيل ما الآية فقال الآية جنتان و «عن يمين و شمال» صفة لجنتان و على هذا تقف على قوله «آية» و تبتدىء بقوله «جنتان».

«كلوا من رزق ربكم» أي يقال كلوا من رزق ربكم منهما فحذف العائد من الصفة إلى الموصوف كما حذف القول.

«بلدة طيبة» تقديره هذه بلدة طيبة و الله رب غفور.

المعنى

ثم أخبر سبحانه عن قصة سبإ بما دل على حسن عاقبة الشكور و سوء عاقبة الكفور فقال «لقد كان لسبإ» و هو أبو عرب اليمن كلها و قد تسمى به القبيلة و في الحديث عن فروة بن مسيك أنه قال سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن سبإ أ رجل هو أم امرأة فقال هو رجل من العرب ولد له عشرة تيامن منهم ستة و تشاءم منهم أربعة فأما الذين تيامنوا فالأزد و كندة و مذحج و الأشعرون و أنمار و حمير فقال رجل من القوم ما أنمار قال الذين منهم خثعم و بجيلة و أما الذين تشاءموا فعاملة و جذام و لخم و غسان فالمراد بسبأ هاهنا القبيلة الذين هم أولاد سبإ ابن يشجب بن يعرب بن قحطان «في مسكنهم» أي في بلدهم «آية» أي حجة على وحدانية الله عز اسمه و كمال قدرته و علامة على سبوغ نعمه ثم فسر سبحانه الآية فقال «جنتان عن يمين و شمال» أي بستانين عن يمين من أتاهما و شماله و قيل عن يمين البلد و شماله و قيل أنه لم يرد جنتين اثنتين و المراد كانت ديارهم على وتيرة واحدة إذا كانت البساتين عن يمينهم و شمالهم متصلة بعضها ببعض و كان من كثرة النعم أن المرأة كانت تمشي و المكتل على رأسها فيمتلىء بالفواكه من غير أن تمس بيدها شيئا و قيل الآية المذكورة هي أنه لم يكن في قريتهم بعوضة و لا ذباب و لا برغوث و لا عقرب و لا حية و كان الغريب إذا دخل بلدهم و في ثيابه قمل و دواب ماتت عن ابن زيد و قيل إن المراد بالآية خروج الأزهار و الثمار من الأشجار على اختلاف ألوانها و طعومها و قيل إنما كانت ثلاث عشرة قرية في كل قرية نبي يدعوهم إلى الله سبحانه يقولون لهم «كلوا من رزق ربكم و اشكروا له» أي كلوا مما رزقكم الله في هذه الجنان و اشكروا له يزيدكم من نعمه و استغفروه يغفر لكم «بلدة

طيبة» أي هذه بلدة مخصبة نزهة أرضها عذبة تخرج النبات و ليست بسبخة و ليس فيها شيء من الهوام المؤذية قيل أراد به صحة هواها و عذوبة مائها و سلامة تربتها و أنه ليس فيها حر يؤذي في القيظ و لا برد يؤذي في الشتاء «و رب غفور» أي كثير المغفرة للذنوب «فأعرضوا» عن الحق و لم يشكروا الله سبحانه و لم يقبلوا من دعاهم إلى الله من أنبيائه «فأرسلنا عليهم سيل العرم» و ذلك أن الماء كان يأتي أرض سبإ من أودية اليمن و كان هناك جبلان يجتمع ماء المطر و السيول بينهما فسدوا ما بين الجبلين فإذا احتاجوا إلى الماء نقبوا السد بقدر الحاجة فكانوا يسقون زروعهم و بساتينهم فلما كذبوا رسلهم و تركوا أمر الله بعث الله جرذا نقبت ذلك الردم و فاض الماء عليهم فأغرقهم عن وهب و قد مر تفسير العرم و قال ابن الأعرابي العرم السيل الذي لا يطاق «و بدلناهم بجنتيهم» اللتين فيهما أنواع الفواكه و الخيرات «جنتين» أخراوين سماها جنتين لازدواج الكلام كما قال و مكروا و مكر الله فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه «ذواتي أكل خمط و أثل» أي صاحبتي أكل و هو اسم لثمر كل شجرة و ثمر الخمط البرير قال ابن عباس و الخمط هو الأراك و قيل هو شجر الغضا و قيل هو كل شجر له شوك و الأثل الطرفاء عن ابن عباس و قيل ضرب من الخشب عن قتادة و قيل هو السمر «و شيء من سدر قليل» يعني.

###

أن الأثل و الخمط كانا أكثر فيهما من السدر و هو النبق قال قتادة كان شجرهم خير شجر فصيره الله شر شجر بسوء أعمالهم «ذلك» أي ما فعلنا بهم «جزيناهم بما كفروا» أي بكفرهم «و هل نجازي» بهذا الجزاء «إلا الكفور» الذي يكفر نعم الله و قد استدل الخوارج بهذا على أن مرتكب الكبيرة كافر و هذا الاستدلال غير سديد من حيث إنه سبحانه إنما بين بذلك أنه لا يجازي بهذا النوع من العذاب الذي هو الاستئصال إلا الكافر و يجوز أن يعذب الفاسق بغير ذلك العذاب و قيل إن معناه هل نجازي بجميع سيئاته إلا الكافر لأن المؤمن قد يكفر عنه بعض سيئاته و قيل إن المجازاة من التجازي و هو التقاضي أي لا يقتضي و لا يرتجع ما أعطي إلا الكافر و إنهم لما كفروا النعمة اقتضوا ما أعطوا أي ارتجع منهم عن أبي مسلم «و جعلنا بينهم و بين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة» أي و قد كان من قصتهم أنا جعلنا بينهم و بين قرى الشام التي باركنا فيها بالماء و الشجر قرى متواصلة و كان متجرهم من أرض اليمن إلى الشام و كانوا يبيتون بقرية و يقيلون بأخرى حتى يرجعوا و كانوا لا يحتاجون إلى زاد من وادي سبإ إلى الشام و معنى الظاهرة أن الثانية كانت ترى من الأولى لقربها منها «و قدرنا فيها السير» أي جعلنا السير من القرية إلى القرية مقدارا واحدا نصف يوم و قلنا لهم «سيروا فيها» أي في تلك القرى «ليالي و أياما» أي ليلا شئتم المسير أو نهارا «آمنين» من الجوع و العطش و التعب و من السباع و كل المخاوف و في هذا إشارة إلى تكامل

نعمه عليهم في السفر كما أنه كذلك في الحضر ثم أخبر سبحانه أنهم بطروا و بغوا «فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا» أي اجعل بيننا و بين الشام فلوات و مفاوز لنركب إليها الرواحل و نقطع المنازل و هذا كما قالت بنو إسرائيل لما ملوا النعمة أخرج إلينا مما تنبت الأرض من بقلها بدلا من المن و السلوى «و ظلموا أنفسهم» بارتكاب المعاصي و الكفر «فجعلناهم أحاديث» لمن بعدهم يتحدثون بأمرهم و شأنهم و يضربون بهم المثل فيقولون تفرقوا أيادي سبإ إذا تشتتوا أعظم التشتت «و مزقناهم كل ممزق» أي فرقناهم في كل وجه من البلاد كل تفريق «إن في ذلك لآيات» أي دلالات «لكل صبار» على الشدائد «شكور» على النعماء و قيل لكل صبار عن المعاصي شكور للنعم بالطاعات.

" القصة "

عن الكلبي عن أبي صالح قال ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر الذي يقال له مزيقياء بن ماء السماء و كانت قد رأت في كهانتها أن سد مأرب سيخرب و أنه سيأتي سيل العرم فيخرب الجنتين فباع عمرو بن عامر أمواله و سار هو و قومه حتى انتهوا إلى مكة فأقاموا بها و ما حولها فأصابتهم الحمى و كانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى فدعوا طريفة فشكوا إليها الذي أصابهم فقالت لهم قد أصابني الذي تشكون و هو مفرق بيننا قالوا فما ذا تأمرين قالت من كان منكم ذا هم بعيد و جمل شديد و مزاد جديد فليلحق بقصر عمان المشيد و كانت أزد عمان ثم قالت من كان منكم ذا جلد و قسر و صبر على أزمات الدهر فعليه بالأراك من بطن مر و كانت خزاعة ثم قالت من كان منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل و كانت الأوس و الخزرج ثم قالت من كان منكم يريد الخمر و الخمير و الملك و التأمير و ملابس التاج و الحرير فليلحق ببصرى و غوير و هما من أرض الشام و كان الذين سكنوها آل جفنة بن غسان ثم قالت من كان منكم يريد الثياب الرقاق و الخيل العتاق و كنوز الأرزاق و الدم المهراق فليلحق بأرض العراق و كان الذين سكنوها آل جذيمة الأبرش و من كان بالحيرة و آل محرق.