۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الأحزاب، آية ٥

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١ وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٢ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ٣ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِۦۚ وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٰجَكُمُ ٱلَّٰٓـِٔي تُظَٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ أُمَّهَٰتِكُمۡۚ وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ ٤ ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡۚ وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٥

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ يَأَيهَا النّبىّ اتّقِ اللّهَ وَ لا تُطِع الْكَفِرِينَ وَ الْمُنَفِقِينَ إِنّ اللّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (1) وَ اتّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْك مِن رّبِّك إِنّ اللّهَ كانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (2) وَ تَوَكلْ عَلى اللّهِ وَ كفَى بِاللّهِ وَكِيلاً (3) مّا جَعَلَ اللّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَينِ فى جَوْفِهِ وَ مَا جَعَلَ أَزْوَجَكُمُ الّئِى تُظهِرُونَ مِنهُنّ أُمّهَتِكمْ وَ مَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَهِكُمْ وَ اللّهُ يَقُولُ الْحَقّ وَ هُوَ يَهْدِى السبِيلَ (4) ادْعُوهُمْ لاَبَائهِمْ هُوَ أَقْسط عِندَ اللّهِ فَإِن لّمْ تَعْلَمُوا ءَابَاءَهُمْ فَإِخْوَنُكمْ فى الدِّينِ وَ مَوَلِيكُمْ وَ لَيْس عَلَيْكمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطأْتُم بِهِ وَ لَكِن مّا تَعَمّدَت قُلُوبُكُمْ وَ كانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً (5)

القراءة

قرأ أبو عمرو بما يعملون خبيرا بالياء و الباقون بالتاء و قرأ ابن عامر و أهل الكوفة «اللائي» مهموزة ممدودة مشبعة بعدها ياء و في سورة المجادلة و الطلاق مثله و قرأ نافع و يعقوب اللاء مهموزة ممدودة مختلسة لا ياء بعدها و الباقون اللاي بغير همزة و لا مد حيث كانت قرأ عاصم «تظاهرون» بضم التاء و تخفيف الظاء و قرأ بفتح التاء و تخفيف الظاء أهل الكوفة غير عاصم و قرأ ابن عامر تظاهرون بفتح التاء و تشديد الظاء و قرأ الباقون تظهرون بغير ألف و تشديد الظاء و الهاء.

الحجة

قال أبو علي من قرأ بما يعملون بالياء فعلى «لا تطع الكافرين» إنه بما يعملون و التاء على المخاطبة و يدخل فيه الغيب و اللائي أصله فاعل مثل شائي فالقياس أن يثبت الياء فيه كما يثبت في الشائي و النائي و قد حذفوا الياء في حروف من ذلك قولهم ما باليت به بالة و منه جابة و كذا إذا حذفت من اللائي يصير اللاء فإن خففت الهمزة فالقياس أن تجعل بين بين و قد حكى سيبويه حذف الياء من اللاي و من قرأ تظاهرون فإنه تتظاهرون فأدغم التاء في الظاء و من قرأ «تظاهرون» مضمومة التاء فهو من ظاهر من امرأته و يقوي ذلك قولهم في مصدره الظهار و من قرأ تظاهرون خفيفة الظاء فمعناه تتظاهرون فحذف تاء تتفاعلون التي أدغمها غيره و هو من قرأ تظاهرون بتشديد الظاء مع الألف.

النزول

نزلت في أبي سفيان بن حرب و عكرمة بن أبي جهل و أبي الأعور السلمي قدموا المدينة و نزلوا على عبد الله بن أبي بعد غزوة أحد بأمان من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليكلموه فقاموا و قام معهم عبد الله بن أبي و عبد الله بن سعد بن أبي سرح و طعمة بن أبيرق فدخلوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا يا محمد ارفض ذكر آلهتنا اللات و العزى و منات و قل إن لها شفاعة لمن عبدها و ندعك و ربك فشق ذلك على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال عمر بن الخطاب ائذن لنا يا رسول الله في قتلهم فقال إني أعطيتهم الأمان و أمر (صلى الله عليه وآله وسلم) فاخرجوا من المدينة و نزلت الآية «و لا تطع الكافرين» من أهل مكة أبا سفيان و أبا الأعور و عكرمة و المنافقين ابن أبي و ابن سعد و طعمة و قيل نزلت في ناس من ثقيف قدموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فطلبوا منه أن يمتعهم باللات و العزى

سنة قالوا لتعلم قريش منزلتنا منك و قوله «ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه» نزلت في أبي معمر جميل بن معمر بن حبيب الفهري و كان لبيبا حافظا لما يسمع و كان يقول إن في جوفي لقلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد فكانت قريش تسميه ذا القلبين فلما كان يوم بدر و هزم المشركون و فيهم أبو معمر و تلقاه أبو سفيان بن حرب و هو آخذ بيده إحدى نعليه و الأخرى في رجله فقال له يا أبا معمر ما حال الناس قال انهزموا قال فما بالك إحدى نعليك في يدك و الأخرى في رجلك فقال أبو معمر ما شعرت إلا أنهما في رجلي فعرفوا يومئذ أنه لم يكن له إلا قلب واحد لما نسي نعله في يده.

المعنى

خاطب سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «يا أيها النبي اتق الله» أي اثبت على تقوى الله و دم عليه و قيل معناه اتق الله في إجابة المشركين إلى ما التمسوه و قيل إن بعض المسلمين هموا بقتل أولئك الذين قدموا المدينة بأمان فقال اتق الله في نقض العهد «و لا تطع الكافرين و المنافقين» مر بيانه و قيل إنه عام و هو الوجه و الكافر هو الذي يظهر الكفر و يبطنه و المنافق هو الذي يظهر الإيمان و يبطن الكفر «إن الله كان عليما» بما يكون قبل كونه «حكيما» فيما يخلقه و لما نهاه عن متابعة الكفار و أهل النفاق أمره باتباع أوامره و نواهيه على الإطلاق فقال «و اتبع ما يوحى إليك من ربك» من القرآن و الشرائع فبلغه و اعمل به «إن الله كان بما تعملون خبيرا» أي لا يخفي عليه شيء من أعمالكم فيجازيكم بحسبها إن خيرا فخير و إن شرا فشر «و توكل على الله» أي فوض أمورك إلى الله حتى لا تخاف غيره و لا ترجو إلا خيره «و كفى بالله وكيلا» أي قائما بتدبيرك حافظا لك و دافعا عنك «ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه» فإن أمر الرجل الواحد لا ينتظم و معه قلبان فكيف تنتظم أمور العالم و له إلهان معبودان و قيل إنه نزل في أبي معمر على ما مر بيانه عن مجاهد و قتادة و إحدى الروايتين عن ابن عباس و قيل إن المنافقين كانوا يقولون إن لمحمد قلبين ينسبونه إلى الدهاء فأكذبهم الله تعالى بذلك عن ابن عباس و قيل إن رجلا كان يقول إن لي نفسين نفسا تأمرني و نفسا تنهاني فنزل ذلك فيه عن الحسن و قيل هو رد على المنافقين و المعنى ليس لأحد قلبان يؤمن بأحدهما و يكفر بالآخر و إنما هو قلب واحد فأما أن يؤمن و إما أن يكفر عن أبي مسلم و قيل إنه يتصل بقوله «و ما جعل أدعيائكم أبناءكم» و التقدير أنه كما لم يجعل لرجل قلبين في جوفه لم يجعل ابن الإنسان ابنا لغيره و قيل بل يتصل بما قبله و المعنى أنه لا يمكن الجمع بين اتباعين متضادين اتباع الوحي و القرآن و اتباع أهل الكفر و الطغيان فكني عن ذلك بذكر القلبين لأن الاتباع يصدر عن الاعتقاد و الاعتقاد من أفعال القلوب فكما لا يجتمع قلبان في جوف واحد لا

يجتمع اعتقادان متضادان في قلب واحد و قال أبو عبد الله (عليه السلام) ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه يحب بهذا قوما و يحب بهذا أعداءهم و اختلف العلماء في أنه هل يجوز أن يكون لإنسان واحد قلبان فمنع بعضهم من ذلك و قال إن ذلك يؤدي إلى أن لا ينفصل إنسان من إنسانين لأنه يصح أن يريد بأحد قلبيه ما يكرهه بالقلب الآخر فيصير كشخصين و جوز بعضهم ذلك و قال كما أن الإنسان الواحد يجوز أن يكون له قلب كثير الأجزاء و يمتنع أن يريد ببعض الأجزاء ما يكرهه البعض الآخر لأن الإرادة و الكراهة و إن وجدتا في جزئين من القلب فالحالتان الصادرتان عنهما يرجعان إلى الجملة و هي جملة واحدة فاستحال اجتماع معنيين ضدين في حي واحد و يجوز أن يكون معنيان مختلفان أو مثلان في جزئين من القلب و يوجبان الصفتين للحي الواحد فكذلك القياس إذا كان المعنيان في قلبين إذا كان ما يوجد فيهما يرجع إلى حي واحد إلا أن السمع ورد بالمنع من ذلك «و ما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم» يقال ظاهر من امرأته و تظاهر و تظهر و هو أن يقول لها أنت علي كظهر أمي و كانت العرب تطلق نساءها في الجاهلية بهذا اللفظ فلما جاء الإسلام نهوا عنه و أوجبت الكفارة على من ظاهر من امرأته و سنذكره في سورة المجادلة و المعنى أن الله تعالى أعلمنا أن الزوجة لا تصير أما فقال و ما جعل نساءكم اللائي تقولون هن علينا كظهر أمهاتنا أمهاتكم لأن أمهاتكم على الحقيقة هن اللائي ولدنكم و أرضعنكم «و ما جعل أدعيائكم أبناءكم» الأدعياء جمع الدعي و هو الذي يتبناه الإنسان بين سبحانه أنه ليس بابن على الحقيقة و نزلت في زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي من بني عبد ود تبناه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل الوحي و كان قد وقع عليه السبي فاشتراه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بسوق عكاظ فلما نبىء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دعاه إلى الإسلام فأسلم فقدم أبو حارثة مكة و أتى أبا طالب و قال سل ابن أخيك فأما أن يبيعه و إما أن يعتقه فلما قال ذلك أبو طالب لرسول الله قال هو حر فليذهب حيث شاء فأبى زيد أن يفارق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال حارثة يا معشر قريش اشهدوا أنه ليس ابني فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اشهدوا أنه ابني يعني زيدا فكان يدعي زيد بن محمد فلما تزوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) زينب بنت جحش فكانت تحت زيد بن حارثة قالت اليهود و المنافقون تزوج محمد امرأة ابنه و هو ينهى الناس عنها فقال الله سبحانه ما جعل الله من تدعونه ولدا و هو ثابت النسب من غيركم ولدا لكم «ذلكم قولكم بأفواهكم» أي أن قولكم الدعي ابن الرجل شيء تقولونه بألسنتكم لا حقيقة له عند الله تعالى «و الله يقول الحق» الذي يلزم اعتقاده و له حقيقة و هو أن الزوجة لا تصير بالظهار أما و الدعي لا يصير بالتبني ابنا «و هو يهدي السبيل» أي يرشد إلى طريق الحق و يدل عليه «ادعوهم لآبائهم» الذين ولدوهم و انسبوهم إليهم أو إلى من ولدوا على فراشهم

«هو أقسط عند الله» أي أعدل عند الله قولا و حكما و روى سالم عن ابن عمر قال ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزل في القرآن «ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله» أورده البخاري في الصحيح «فإن لم تعلموا آبائهم» أي لم تعرفوا بأعيانهم «فإخوانكم في الدين» أي فهم إخوانكم في الملة فقولوا يا أخي «و مواليكم» أي بنو أعمامكم قال الزجاج و يجوز أن يكون المراد أولياءكم في الدين في وجوب النصرة و قيل معناه معتقوكم و محرروكم إذا أعتقتموهم من رق فلكم ولاؤهم «و ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به» أي ليس عليكم حرج في نسبته إلى المتبني إذا ظننتم أنه أبوه و لم تعلموا أنه ليس بابن له فلا يؤاخذكم الله به «و لكن ما تعمدت قلوبكم» أي و لكن الإثم و الجناح فيما تعمدت قلوبكم يعني في الذي تعمدته قلوبكم و قصدتموه من دعائهم إلى غير آبائهم فإنكم تؤاخذون به و قيل ما أخطأتم قبل النهي و ما تعمدتموه بعد النهي عن مجاهد «و كان الله غفورا» لما سلف من قولكم «رحيما» بكم و في هذه الآية دلالة على أنه لا يجوز الانتساب إلى غير الأب و قد وردت السنة بتغليظ الأمر فيه قال (عليه السلام) من انتسب إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله.