يَأَيهَا النّبىّ قُل لأَزْوَجِك إِن كُنتُنّ تُرِدْنَ الْحَيَوةَ الدّنْيَا وَ زِينَتَهَا فَتَعَالَينَ أُمَتِّعْكُنّ وَ أُسرِّحْكُنّ سرَاحاً جَمِيلاً (28) وَ إِن كُنتُنّ تُرِدْنَ اللّهَ وَ رَسولَهُ وَ الدّارَ الاَخِرَةَ فَإِنّ اللّهَ أَعَدّ لِلْمُحْسِنَتِ مِنكُنّ أَجْراً عَظِيماً (29) يَنِساءَ النّبىِّ مَن يَأْتِ مِنكُنّ بِفَحِشةٍ مّبَيِّنَةٍ يُضعَف لَهَا الْعَذَاب ضِعْفَينِ وَ كانَ ذَلِك عَلى اللّهِ يَسِيراً (30) وَ مَن يَقْنُت مِنكُنّ للّهِ وَ رَسولِهِ وَ تَعْمَلْ صلِحاً نّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرّتَينِ وَ أَعْتَدْنَا لهََا رِزْقاً كرِيماً (31)
القراءة
قرأ ابن كثير و ابن عامر نضعف بالنون و التشديد العذاب بالنصب و قرأ أبو
جعفر و أهل البصرة يضعف بالياء و التشديد «العذاب» بالرفع و الباقون «يضاعف» بالياء و الألف و فتح العين و قرأ أهل الكوفة غير عاصم «و من يقنت» و يعمل صالحا يؤتها الجميع بالياء و قرأ روح و زيد من تأت و من تقنت و «تعمل» كلها بالتاء «نؤتها» بالنون و الباقون «من يأت» و «من يقنت» بالياء و «تعمل» بالتاء و «نؤتها» بالنون.
الحجة
قال أبو علي ضاعف و ضعف بمعنى فمن لم يسم الفاعل أسند الفعل إلى العذاب و من قرأ بكسر العين فالفعل مسند إلى ضمير اسم الله تعالى و معنى «يضاعف لها العذاب ضعفين» أنها لما تشاهد من الزواجر الرادعة عن مواقعة الذنوب ينبغي أن يمتنع منها أكثر مما يمتنع من لا يشاهد ذلك و قال «يضاعف لها العذاب» فعاد الضمير إلى معنى من دون لفظه و لو عاد على لفظه لذكره و من قرأ «يقنت» بالياء فلان الفعل مسند إلى ضمير من و لم يتبين فاعل الفعل بعد فلما ذكر ما دل على أن الفعل لمؤنث حمل على المعنى فأنث و كذلك قوله من آمن بالله ثم قال و لا خوف عليهم و من قرأ كل ذلك بالياء فإنه حمل على اللفظ دون المعنى و من قرأ من تأت بالتاء حمل على المعنى فكأنه قال أية امرأة منكن أتت بفاحشة أو تأت بفاحشة و مثله في الكلام كثير للبيان كقوله سبحانه و منهم من يستمعون إليك و قول الفرزدق:
{تعش فإن عاهدتني لا تخونني --- نكن مثل من يا ذئب يصطحبان}
أي مثل اللذين يصطحبان قال ابن جني أن تكون من هنا على الصلة أولى من أن تكون على الصفة.
اللغة
الضعف مثل الشيء الذي يضم إليه يقال ضاعفته أي زدت عليه مثله و منه الضعف و هو نقصان القوة بأن يذهب أحد ضعفيها فهو ذهاب ضعف القوة.
النزول
قال المفسرون إن أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سألنه شيئا من عرض الدنيا و طلبن منه زيادة في النفقة و آذينه لغيرة بعضهن على بعض فآلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منهن شهرا فنزلت آية التخيير و هو قوله «قل لأزواجك» و كن يومئذ تسعا عائشة و حفصة و أم حبيبة بنت أبي سفيان و سودة بنت زمعة و أم سلمة بنت أبي أمية فهؤلاء من قريش و صفية بنت حيي الخيبرية و ميمونة بنت
الحارث الهلالية و زينب بنت جحش الأسدية و جويرية بنت الحارث المصطلقية و روى الواحدي بالإسناد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جالسا مع حفصة فتشاجرا بينهما فقال لها هل لك أن أجعل بيني و بينك رجلا قالت نعم فأرسل إلى عمر فلما أن دخل عليهما قال لها تكلمي فقالت يا رسول الله تكلم و لا تقل إلا حقا فرفع عمر يده فوجأ وجهها ثم رفع يده فوجأ وجهها فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كف فقال عمر يا عدوة الله النبي لا يقول إلا حقا و الذي بعثه بالحق لو لا مجلسه ما رفعت يدي حتى تموتي فقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فصعد إلى غرفة فمكث فيها شهرا لا يقرب شيئا من نسائه يتغدى و يتعشى فيها فأنزل الله تعالى هذه الآيات.
المعنى
ثم عاد سبحانه إلى ذكر نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال مخاطبا لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) آمرا له أن يخير أزواجه فقال «يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا و زينتها» ) أي سعة العيش في الدنيا و كثرة المال «فتعالين أمتعكن» أي أعطكن متعة الطلاق و قد مر بيانها في سورة البقرة و قيل أمتعكن بتوفير المهر «و أسرحكن» أي أطلقكن «سراحا جميلا» و السراح الجميل الطلاق من غير خصومة و لا مشاجرة بين الزوجين «و إن كنتن تردن الله و رسوله و الدار الآخرة» أي و إن أردتن طاعة الله و طاعة رسوله و الصبر على ضيق العيش و الجنة «فإن الله أعد للمحسنات» أي العارفات المريدات الإحسان المطيعات له «منكن أجرا عظيما» و اختلف في هذا التخيير فقيل إنه خيرهن بين الدنيا و الآخرة فإن هن اخترن الدنيا و محبتها استأنف حينئذ طلاقهن بقوله «أمتعكن و أسرحكن سراحا جميلا» عن الحسن و قيل خيرهن بين الطلاق و المقام معه عن مجاهد و الشعبي و جماعة من المفسرين و اختلف العلماء في حكم التخيير على أقوال ( أحدها ) أن الرجل إذا خير امرأته فاختارت زوجها فلا شيء و إن اختارت نفسها تقع تطليقة واحدة و هو قول عمر بن الخطاب و ابن مسعود و إليه ذهب أبو حنيفة و أصحابه ( و ثانيها ) أنه إذا اختارت نفسها تقع ثلاث تطليقات و إن اختارت زوجها تقع واحدة و هو قول زيد بن ثابت و إليه ذهب مالك ( و ثالثها ) أنه إن نوى الطلاق كان طلاقا و إلا فلا و هو مذهب الشافعي ( و رابعها ) أنه لا يقع بالتخيير طلاق و إنما كان ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة و لو اخترن أنفسهن لما خيرهن لبن منه فأما غيره فلا يجوز له ذلك و هو المروي عن أئمتنا (عليهم السلام) ثم خاطب سبحانه نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال «يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة» أي بمعصية ظاهرة «يضاعف لها العذاب» في الآخرة «ضعفين» أي مثلي ما يكون على غيرهن و ذلك لأن نعم الله سبحانه عليهن أكثر لمكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منهن و لنزول الوحي في بيوتهن فإذا كانت النعمة عليهن أعظم و أوفر كانت المعصية منهن أفحش و العقوبة بها أعظم و أكثر و قال أبو عبيدة الضعفان أن يجعل الواحد ثلاثة فيكون عليهن ثلاثة حدود لأن ضعف
الواحد مثله و ضعفي الشيء مثلاه و قال غيره المراد بالضعف المثل فالمعنى أنها يزاد في عذابها ضعف كما زيد في ثوابها ضعف في قوله «نؤتها أجرها مرتين» «و كان ذلك على الله يسيرا» أي كان عذابها على الله هينا عن مقاتل «و من يقنت منكن لله و رسوله» أي و من يطع الله و رسوله و القنوت الطاعة و قيل معناه من يواظب منكن على الطاعة لله و لرسوله و منه القنوت في الصلاة و هو المداومة على الدعاء المعروف «و تعمل صالحا» فيما بينها و بين ربها «نؤتها أجرها مرتين» أي نؤتها ثوابها مثلي ثواب غيرها و روى أبو حمزة الثمالي عن زيد بن علي ( ع ) أنه قال إني لأرجو للمحسن منا أجرين و أخاف على المسيء منا أن يضاعف له العذاب ضعفين كما وعد أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و روى محمد بن أبي عمير عن إبراهيم ابن عبد الحميد عن علي بن عبد الله بن الحسين عن أبيه عن علي بن الحسين زين العابدين أنه قال له رجل إنكم أهل بيت مغفور لكم قال فغضب و قال نحن أحرى أن يجري فينا ما أجرى الله في أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أن نكون كما تقول إنا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر و لمسيئنا ضعفين من العذاب ثم قرأ الآيتين «و أعتدنا لها رزقا كريما» أي عظيم القدر رفيع الخيار و قيل إن الرزق الكريم ما سلم من كل آفة و قيل هو الثواب الذي لا يحسن الابتداء بمثله.