۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الأحزاب، آية ١٠

التفسير يعرض الآيات ٦ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٦ وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٧ لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٨ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا ٩ إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

النّبىّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَ أَزْوَجُهُ أُمّهَتهُمْ وَ أُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فى كتَبِ اللّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهَجِرِينَ إِلا أَن تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيَائكُم مّعْرُوفاً كانَ ذَلِك فى الْكتَبِ مَسطوراً (6) وَ إِذْ أَخَذْنَا مِنَ النّبِيِّينَ مِيثَقَهُمْ وَ مِنك وَ مِن نّوحٍ وَ إِبْرَهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى ابْنِ مَرْيمَ وَ أَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَقاً غَلِيظاً (7) لِّيَسئَلَ الصدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَ أَعَدّ لِلْكَفِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً (8) يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسلْنَا عَلَيهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لّمْ تَرَوْهَا وَ كانَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً (9) إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسفَلَ مِنكُمْ وَ إِذْ زَاغَتِ الأَبْصرُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوب الْحَنَاجِرَ وَ تَظنّونَ بِاللّهِ الظنُونَا (10)

القراءة

قرأ أهل المدينة و ابن عامر و أبو بكر و قتيبة الظنونا و الرسولا و السبيلا بألف في الوصل و الوقف و قرأ أهل البصرة و حمزة بغير ألف في الوصل و الوقف و الباقون بالألف في الوقف و بغير ألف في الوصل.

الحجة

قال أبو علي وجه قول من أثبت في الوصل أنها في المصحف كذلك و هو رأس آية و رءوس الآيات تشبه بالقوافي من حيث كانت مقاطع فلما شبه أكرمن و أهانن بالقوافي في حذف الياء منهن كما حذف في نحو قوله:

{من حذر الموت أن يأتين --- و إذا ما انتسبت له أنكرن}

كذلك يشبه هذا في إثبات الألف بالقوافي فأما من طرح الألف في الوصل فإنه ذهب إلى أن ذلك في القوافي و ليس رءوس الآي بقواف فيحذف في الوصل كما يحذف غيرها مما يثبت في الوقف نحو التشديد الذي يلحق الحرف الموقوف عليه و هذا إذا أثبت في الخط فينبغي أن لا يحذف كما لا يحذف هاء الوقف من حسابيه و كتابيه و أن يجري مجرى الموقوف عليه و لا يوصل.

الإعراب

«أن تفعلوا» موصول و صلة في موضع رفع بالابتداء إلا أنه استثناء منقطع و خبره محذوف تقديره لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفا جائز «و إذا أخذنا» العامل في الظرف هنا محذوف تقديره و اذكر نعمة الله عليكم كائنة وقت مجيء جنود «إذ جاءوكم» بدل من إذ الأولى و «إذ زاغت» كذلك.

النزول

قال الكلبي آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الناس فكان يؤاخي بين الرجلين فإذا مات أحدهما ورثه الثاني منهما دون أهله فمكثوا بذلك ما شاء الله حتى نزلت «و أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين و المهاجرين» فنسخت هذه الآية الموارثة بالمؤاخاة و الهجرة و ورث الأدنى فالأدنى من القرابات و قال قتادة كان المسلمون يتوارثون بالهجرة و كان لا يرث الأعرابي المسلم من المهاجرين شيئا فنزلت هذه الآية فصار المواريث بالقرابات.

المعنى

«النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم» أي هو أولى بهم منهم بأنفسهم و قيل

في معناه أقوال ( أحدها ) أنه أحق بتدبيرهم و حكمه أنفذ عليهم من حكمهم على أنفسهم خلاف ما يحكم به لوجوب طاعته التي هي مقرونة بطاعة الله تعالى عن ابن زيد ( و ثانيها ) أنه أولى بهم في الدعوة فإذا دعاهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى شيء و دعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعته أولى بهم من طاعة أنفسهم عن ابن عباس و عطا و هذا قريب من الأول ( و ثالثها ) أن حكمه أنفذ عليهم من حكم بعضهم على بعض كقوله فسلموا على أنفسكم فإذا كان هو أحق بهم و هو لا يرث أمته بما له من الحق فكيف يرث من توجبون حقه بالتبني و روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أراد غزوة تبوك و أمر الناس بالخروج قال قوم نستأذن آباءنا و أمهاتنا فنزلت هذه الآية و روي عن أبي و ابن مسعود و ابن عباس أنهم كانوا يقرءون النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم و أزواجه أمهاتهم و هو أب لهم و كذلك هو في مصحف أبي و روي ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) قال مجاهد و كل نبي أب لأمته و لذلك صار المؤمنون إخوة لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبوهم في الدين و واحدة الأنفس نفس و هي خاصة الحيوان الحساسة الداركة التي هي أنفس ما فيه و يحتمل أن يكون اشتقاقه من التنفس الذي هو التروح و يحتمل أن يكون من النفاسة لأنه أجل ما فيه و أكرمه «و أزواجه أمهاتهم» المعنى إنهن للمؤمنين كالأمهات في الحرمة و تحريم النكاح و لسن أمهات لهم على الحقيقة إذ لو كن كذلك لكانت بنتاه أخوات المؤمنين على الحقيقة فكان لا يحل للمؤمن التزويج بهن فثبت أن المراد به يعود إلى حرمة العقد عليهن لا غير لأنه لم يثبت شيء من أحكام الأمومة بين المؤمنين و بينهن سوى هذه الواحدة أ لا ترى أنه لا يحل للمؤمنين رؤيتهن و لا يرثن المؤمنين و لا يرثونهن و لهذا قال الشافعي و أزواجه أمهاتهم في معنى دون معنى و هو أنهن محرمات على التأبيد و ما كن محارم في الخلوة و المسافرة و هذا معنى ما رواه مسروق عن عائشة أن امرأة قالت لها يا أمه فقالت لست لك بأم إنما أنا أم رجالكم فعلى هذا لا يجوز أن يقال لإخوانهن و أخواتهن أخوال المؤمنين و خالات المؤمنين قال الشافعي تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر و لم يقل هي خالة المؤمنين «و أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين و المهاجرين» و هو مفسر في آخر الأنفال «و أولو الأرحام» هم ذوو الأنساب.

لما ذكر سبحانه أن أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمهات المؤمنين عقبه بهذا و بين أنه لا توارث إلا بالولادة و الرحم و المعنى أن ذوي القرابات بعضهم أولى بميراث بعض من المؤمنين أي من الأنصار و المهاجرين أي الذين هاجروا من مكة إلى المدينة و قيل معناه من المؤمنين و المتواخين و المهاجرين فصارت هذه الآية ناسخة للتوارث بالهجرة و المؤاخاة في الدين دالة على أن الميراث بالقرابة فمن كان أقرب في قرباه فهو أحق بالميراث من الأبعد «إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا» هذا استثناء منقطع و معناه لكن إن فعلتم إلى أوليائكم المؤمنين

و خلفائكم ما يعرف حسنه و صوابه فهو حسن قال السدي عنى بذلك وصية الرجل لإخوانه في الدين و قال غيره لما نسخ التوارث بالمؤاخاة و الهجرة أباح الوصية فيوصي لمن يتولاه بما أحب من الثلث فمعنى المعروف هنا الوصية و حكي عن محمد بن الحنفية و عكرمة و قتادة أن معناه الوصية لذوي القرابات من المشركين و قيل إن هذا لا يصح لأنه تعالى نهى عن ذلك بقوله لا تتخذوا عدوي و عدوكم أولياء و قد أجاز كثير من الفقهاء الوصية للقرابة الكافرة و قال أصحابنا إنها جائزة للوالدين و الولد «كان ذلك» أي نسخ الميراث بالهجرة و رده إلى أولي الأرحام من القرابات «في الكتاب» أي في اللوح المحفوظ و قيل في القرآن و قيل في التوراة «مسطورا» أي مكتوبا و من في قوله «من المؤمنين و المهاجرين» يحتمل أمرين ( أحدهما ) ما ذكرناه ( و الآخر ) أن يكون التقدير و أولو الأرحام من المؤمنين و المهاجرين أولى بالميراث «و إذ أخذنا من النبيين ميثاقهم» أي و اذكر يا محمد حين أخذ الله الميثاق على النبيين خصوصا بأن يصدق بعضهم بعضا و يتبع بعضهم بعضا عن قتادة و قيل أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا الله و يدعو إلى عبادة الله و أن يصدق بعضهم بعضا و أن ينصحوا لقومهم عن مقاتل «و منك» يا محمد و إنما قدمه لفضله و شرفه «و من نوح و إبراهيم و موسى و عيسى بن مريم» خص هؤلاء بالذكر لأنهم أصحاب الشرائع «و أخذنا منهم ميثاقا غليظا» أي عهدا شديدا على الوفاء بما حملوا من أعباء الرسالة و تبليغ الشرائع و قيل على أن يعلنوا أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و يعلن محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه لا نبي بعده و إنما أعاد ذكر الميثاق على وجه التغليظ و ذكره في أول الآية مطلقا و في آخرها مقيدا بزيادة صفة ثم بين سبحانه الفائدة في أخذ الميثاق فقال «ليسأل الصادقين عن صدقهم» قيل معناه إنما فعل ذلك ليسأل الأنبياء المرسلين ما الذي جاءت به أممكم عن مجاهد و قيل ليسأل الصادقين في توحيد الله و عدله و الشرائع عن صدقهم أي عما كانوا يقولونه فيه تعالى فيقال لهم هل ظلم الله تعالى أحدا هل جازى كل إنسان بفعله هل عذب بغير ذنب و نحو ذلك فيقولون نعم عدل في حكمه و جازى كلا بفعله و قيل معناه ليسأل الصادقين في أقوالهم عن صدقهم في أفعالهم و قيل ليسأل الصادقين ما ذا قصدتم بصدقكم وجه الله أو غيره و يكون فيه تهديد للكاذب قال الصادق (عليه السلام) إذا سأل عن صدقه على أي وجه قاله فيجازي بحسبه فكيف يكون حال الكاذب ثم قال سبحانه «و أعد للكافرين عذابا أليما» أي مؤلما ثم خاطب سبحانه المؤمنين فقال «يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم» ذكرهم سبحانه عظيم نعمته عليهم في دفع الأحزاب عنهم «إذ جاءتكم جنود» و هم الذين تحزبوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أيام الخندق «فأرسلنا عليهم ريحا» و هي الصبا أرسلت عليهم حتى أكفأت قدورهم و نزعت فساطيطهم «و جنودا

###

لم تروها» من الملائكة و قيل إن الملائكة لم يقاتلوا يومئذ و لكن كانوا يشجعون المؤمنين و يجبنون الكافرين «و كان الله بما تعملون بصيرا» من قرأ بالتاء وجه الخطاب إلى المؤمنين و من قرأ بالياء أراد أن الله عالم بما يعمله الكفار ثم قال «إذ جاءوكم» أي و اذكروا حين جاءكم جنود المشركين «من فوقكم» أي من فوق الوادي قبل المشرق قريظة و النضير و غطفان «و من أسفل منكم» أي من قبل المغرب من ناحية مكة أبو سفيان في قريش و من تبعه «و إذ زاغت الأبصار» أي مالت عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى عدوها مقبلا من كل جانب و قيل معناه عدلت الأبصار عن مقرها من الدهش و الحيرة كما يكون الجبان فلا يعلم ما يبصر «و بلغت القلوب الحناجر» و الحنجرة جوف الحلقوم أي شخصت القلوب من مكانها فلو لا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت عن قتادة و قال أبو سعيد الخدري قلنا يوم الخندق يا رسول الله هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر فقال قولوا اللهم استر عوراتنا و آمن روعاتنا قال فقلناها فضرب وجوه أعداء الله بالريح فهزموا قال الفراء المعنى في قوله «بلغت القلوب الحناجر» أنهم جبنوا و جزع أكثرهم و سبيل الجبان إذ اشتد خوفه أن ينتفخ سحره و السحر الرئة فإذا انتفخت الرئة رفعت القلوب إلى الحنجرة «و تظنون بالله الظنونا» أي اختلفت الظنون فظن بعضكم بالله النصر و بعضكم آيس و قنط و قيل تظنون ظنونا مختلفة فظن المنافقون أنه يستأصل محمد و ظن المؤمنون أنه ينصر عن الحسن و قيل إن من كان ضعيف القلب و الإيمان ظن ما ظنه المنافقون إلا أنه ذلك و قيل اختلاف ظنونهم أن بعضهم ظن أن الكفار تغلبهم فظن بعضهم أنهم يستولون على المدينة و ظن بعضهم أن الجاهلية تعود كما كانت و ظن بعضهم أن ما وعد الله و رسوله من نصرة الدين و أهله غرور فأقسام الظنون كثيرة خصوصا ظن الجبناء.

النظم

اتصل قوله «النبي أولى بالمؤمنين» بقوله و ما جعل أدعيائكم أبناءكم فإنه سبحانه لما بين أن التبني عليه لا يجوز بين عقيبه أنه مع ذلك أولى بالمؤمنين من أنفسهم من حيث إنه ولاه الله أمرهم فيلزمهم طاعته و الانقياد له و أصل الولاية لله تعالى كما قال هنا لك الولاية لله فلا حظ فيها لأحد إلا لمن ولاه سبحانه و إلى هذا المعنى أشار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الغدير في قوله أ لست أولى بكم منكم بأنفسكم فلما قالوا بلى قال من كنت مولاه فعلي مولاه و المولى بمعنى الأولى بدلالة قوله مأواكم النار هي مولاكم أي أولى بكم و قول لبيد:

{فغدت كلا الفرجين تحسب أنه --- مولى المخافة خلفها و أمامها}

أي أولى بالمخافة ثم عاد سبحانه إلى الكلام في تأكيد نبوة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) بذكر ما أخذ على النبيين من الميثاق في هذا الباب و عقب ذلك ببيان آياته و معجزاته يوم الأحزاب و ذكر ما أنعم عليه و على المؤمنين من النصر مع ما أعده لهم من الثواب.

" قصة غزوة الخندق "

ذكر محمد بن كعب القرظي و غيره من أصحاب السير قالوا كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق و حيي بن أخطب في جماعة من بني النضير الذين أجلاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و قالوا إنا سنكون معكم عليهم حتى نستأصلهم فقالت لهم قريش يا معشر اليهود إنكم أهل الكتاب الأول فديننا خير أم دين محمد قالوا بل دينكم خير من دينه فأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله فيهم أ لم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت و الطاغوت و يقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا إلى قوله و كفى بجهنم سعيرا فسر قريشا ما قالوا و نشطوا لما دعوهم إليه فأجمعوا لذلك و اتعدوا له ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاءوا غطفان فدعوهم إلى حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) و إن قريشا قد بايعوهم على ذلك فأجابوهم فخرجت قريش و قائدهم أبو سفيان بن حرب و خرجت غطفان و قائدها عيينة بن حصين بن حذيفة بن بدر في فزارة و الحرث بن عوف في بني مرة و مسعر بن جبلة الأشجعي فيمن تابعه من أشجع و كتبوا إلى حلفائهم من بني أسد فأقبل طليحة في من اتبعه من بني أسد و هما حليفان أسد و غطفان و كتب قريش إلى رجال من بني سليم فأقبل أبو الأعور السلمي فيمن اتبعه من بني سليم مددا لقريش فلما علم بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ضرب الخندق على المدينة و كان الذي أشار عليه سلمان الفارسي ( ره ) و كان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و هو يومئذ حر قال يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا فعمل فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و المسلمون حتى أحكموه فمما ظهر من دلائل النبوة في حفر الخندق ما رواه أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني قال حدثني أبي عن أبيه قال خط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الخندق عام الأحزاب أربعين ذراعا بين عشرة فاختلف المهاجرون و الأنصار في سلمان الفارسي و كان رجلا قويا فقال الأنصار سلمان منا و قال المهاجرون سلمان منا فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سلمان منا أهل البيت قال

عمرو بن عوف فكنت أنا و سلمان و حذيفة بن اليمان و النعمان بن مقرن و ستة من الأنصار نقطع أربعين ذراعا فحفرنا حتى إذا بلغنا الثرى أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مدورة فكسرت حديدنا و شقت علينا فقلنا يا سلمان ارق إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره عن الصخرة فأما أن نعدل عنها فإن المعدل قريب و إما أن يأمرنا فيه بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه فرقي سلمان حتى أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و هو مضروب عليه قبة فقال يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء من الخندق مدورة فكسرت حديدنا و شقت علينا حتى ما يحك فيها قليل و لا كثير فمرنا فيها بأمرك فهبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع سلمان في الخندق و أخذ المعول و ضرب به ضربة فلمعت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها يعني لابتي المدينة حتى لكان مصباحا في جوف ليل مظلم فكبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تكبيرة فتح فكبر المسلمون ثم ضرب ضربة أخرى فلمعت برقة أخرى ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى فقال سلمان بأبي أنت و أمي يا رسول الله ما هذا الذي أرى فقال أما الأولى فإن الله عز و جل فتح علي بها اليمن و أما الثانية فإن الله فتح علي بها الشام و المغرب و أما الثالثة فإن الله فتح علي بها المشرق فاستبشر المسلمون بذلك و قالوا الحمد لله موعد صادق قال و طلعت الأحزاب فقال المؤمنون هذا ما وعدنا الله و رسوله و صدق الله و رسوله و قال المنافقون أ لا تعجبون يحدثكم و يعدكم الباطل و يخبركم أنه يبصر في يثرب قصور الحيرة و مدائن كسرى و أنها تفتح لكم و أنتم تحفرون الخندق و لا تستطيعون أن تبرزوا و مما ظهر فيه أيضا من آيات النبوة ما رواه أبو عبد الله الحافظ بالإسناد عن عبد الواحد بن أيمن المخزومي قال حدثني أيمن المخزومي قال سمعت جابر بن عبد الله قال كنا يوم الخندق نحفر الخندق فعرضت فيه كدية و هي الجبل فقلنا يا رسول الله إن كدية عرضت فيه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رشوا عليها ماء ثم قام فأتاها و بطنه معصوب بحجر من الجوع فأخذ المعول أو المسحاة فسمى ثلاثا ثم ضرب فعادت كثيبا أهيل فقلت له ائذن لي يا رسول الله إلى المنزل ففعل فقلت للمرأة هل عندك من شيء فقالت عندي صاع من شعير و عناق فطحنت الشعير و عجنته و ذبحت العناق و سلختها

و خليت بين المرأة و بين ذلك ثم أتيت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجلست عنده ساعة ثم قلت ائذن لي يا رسول الله ففعل فأتيت المرأة فإذا العجين و اللحم قد أمكنا فرجعت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت إن عندنا طعيما لنا فقم يا رسول الله أنت و رجلان من أصحابك فقال و كم هو قلت صاع من شعير و عناق فقال للمسلمين جميعا قوموا إلى جابر فقاموا فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله فقلت جاء بالخلق على صاع شعير و عناق فدخلت على المرأة و قلت قد افتضحت جاءك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخلق أجمعين فقالت هل كان سألك كم طعامك قلت نعم فقالت الله و رسوله أعلم قد أخبرناه ما عندنا فكشفت عني غما شديدا فدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال خذي و دعيني من اللحم فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يثرد و يفرق اللحم ثم يجم هذا و يجم هذا فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين و يعود التنور و القدر أملأ ما كانا ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كلي و أهدي فلم نزل نأكل و نهدي قومنا أجمع أورده البخاري في الصحيح و عن البراء بن عازب قال كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ينقل معنا التراب يوم الأحزاب و قد وارى التراب بياض بطنه و هو يقول اللهم لو لا أنت ما اهتديناه و لا تصدقنا و لا صلينا فأنزلن سكينة علينا و ثبت الأقدام إن لاقيناه إن الأولى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا يرفع بها صوته رواه البخاري أيضا في الصحيح عن أبي الوليد عن شعبة عن أبي إسحاق عن البراء قالوا و لما فرغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بين الجرف و الغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم و من تابعهم من بني كنانة و أهل تهامة و أقبلت غطفان و من تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا إلى جانب أحد و خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و المسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب هناك عسكره و الخندق بينه و بين القوم و أمر بالذراري و النساء فرفعوا في الآطام و خرج عدو الله حيي بن أخطب النضيري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب بني قريظة و كان قد وادع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على قومه و عاهده على ذلك فلما سمع كعب صوت ابن أخطب أغلق دونه حصنه فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له

###

فناداه يا كعب افتح لي فقال ويحك يا حيي إنك رجل مشئوم إني قد عاهدت محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) و لست بناقض ما بيني و بينه و لم أر منه إلا وفاء و صدقا قال ويحك افتح لي أكلمك قال ما أنا بفاعل قال إن أغلقت دوني إلا على حشيشة تكره أن آكل منها معك فأحفظ الرجل ففتح له فقال ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر و ببحر طام جئتك بقريش على قادتها و سادتها و بغطفان على سادتها و قادتها قد عاهدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا و من معه فقال كعب جئتني و الله بذل الدهر بجهام قد هراق ماؤه يرعد و يبرق و ليس فيه شيء فدعني و محمدا و ما أنا عليه فلم أر من محمد إلا صدقا و وفاء فلم يزل حيي بكعب يفتل منه في الذروة و الغارب حتى سمح له على أن أعطاه عهدا و ميثاقا لئن رجعت قريش و غطفان و لم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك فنقض كعب عهده و برىء مما كان عليه فيما بينه و بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما انتهى الخبر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث سعد بن معاذ بن النعمان بن امرء القيس أحد بني عبد الأشهل و هو يومئذ سيد الأوس و سعد ابن عبادة أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج و هو يومئذ سيد الخزرج و معهما عبد الله بن رواحة و خوات بن جبير فقال انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا فإن كان حقا فالحنوا لنا لحنا نعرفه و لا تفتوا أعضاد الناس و إن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس و خرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث مما بلغهم عنهم قالوا لا عقد بيننا و بين محمد و لا عهد فشاتمهم سعد بن عبادة و شاتموه و قال سعد بن معاذ دع عنك مشاتمتهم فإن ما بيننا و بينهم أعظم من المشاتمة ثم أقبلوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و قالوا عضل و القارة لغدر عضل و القارة بأصحاب رسول الله خبيب بن عدي و أصحاب الرجيع فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين و عظم عند ذلك البلاء و اشتد الخوف و أتاهم عدوهم من فوقهم و من أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن و ظهر النفاق من بعض المنافقين فأقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أقام المشركون عليه بضعا و عشرين ليلة لم يكن بينهم قتال إلا الرمي بالنبل إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود أخو بني عامر بن لؤي و عكرمة بن أبي جهل و ضرار بن

الخطاب و هبيرة بن أبي وهب و نوفل بن عبد الله قد تلبسوا للقتال و خرجوا على خيولهم حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا تهيأوا للحرب يا بني كنانة فستعلمون اليوم من الفرسان ثم أقبلوا تعنق بهم خيولهم حتى وقفوا على الخندق فقالوا و الله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق فضربوا خيولهم فاقتحموا فجالت بهم في السبخة بين الخندق و سلع و خرج علي بن أبي طالب (عليه السلام) في نفر من المسلمين حتى أخذ عليهم الثغرة التي منها اقتحموا و أقبلت الفرسان نحوهم و كان عمرو بن عبد ود فارس قريش و كان قد قاتل يوم بدر حتى ارتث و أثبته الجراح و لم يشهد أحدا فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مشهده و كان يعد بألف فارس و كان يسمى فارس يليل لأنه أقبل في ركب من قريش حتى إذا كانوا بيليل و هو واد قريب من بدر عرضت لهم بنو بكر في عدد فقال لأصحابه امضوا فمضوا فقام في وجوه بني بكر حتى منعهم من أن يصلوا إليه فعرف بذلك و كان اسم الموضع الذي حفر فيه الخندق المذاد و كان أول من طفره عمرو و أصحابه فقيل في ذلك:

{عمرو بن عبد كان أول فارس --- جزع المذاد و كان فارس يليل}

و ذكر ابن إسحاق أن عمرو بن عبد ود كان ينادي من يبارز فقام علي (عليه السلام) و هو مقنع في الحديد فقال أنا له يا نبي الله فقال إنه عمرو اجلس و نادى عمرو أ لا رجل و هو يؤنبهم و يقول أين جنتكم التي تزعمون أن من قتل منكم دخلها فقام علي (عليه السلام) فقال أنا له يا رسول الله ثم نادى الثالثة فقال:

{و لقد بححت من النداء --- بجمعكم هل من مبارز} {و وقفت إذ جبن المشجع --- موقف البطل المناجز} {إن السماحة و الشجاعة --- في الفتى خير الغرائز}

فقام علي فقال يا رسول الله أنا فقال إنه عمرو فقال و إن كان عمرا فاستأذن رسول الله فأذن له رسول الله و فيما رواه لنا السيد أبو محمد الحسيني القايني عن الحاكم أبي القاسم الحسكاني بالإسناد عن عمرو بن ثابت عن أبيه عن جده عن حذيفة قال فألبسه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) درعه ذات الفضول و أعطاه سيفه ذا الفقار و عممه عمامة السحاب على رأسه تسعة أكوار ثم

قال له تقدم فقال لما ولى: اللهم احفظه من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله و من فوق رأسه و من تحت قدميه قال ابن إسحاق فمشى إليه و هو يقول:

{لا تعجلن فقد أتاك --- مجيب صوتك غير عاجز} {ذو نية و بصيرة --- و الصدق منجى كل فائز} {إني لأرجو أن أقيم --- عليك نائحة الجنائز} {من ضربة نجلاء يبقى --- ذكرها عند الهزاهز}

قال له عمرو من أنت قال أنا علي قال ابن عبد مناف فقال أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف فقال غيرك يا ابن أخي من أعمامك من هو أسن منك فإني أكره أن أهرق دمك فقال علي (عليه السلام) لكني و الله ما أكره أن أهرق دمك فغضب و نزل و سل سيفه كأنه شعلة نار ثم أقبل نحو علي مغضبا فاستقبله علي بدرقته فضربه عمرو بالدرقة فقدها و أثبت فيها السيف و أصاب رأسه فشجه و ضربه علي على حبل العاتق فسقط و في رواية حذيفة و تسيف على رجليه بالسيف من أسفل فوقع على قفاه و ثارت بينهما عجاجة فسمع علي يكبر فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قتله و الذي نفسي بيده فكان أول من ابتدر العجاج عمر بن الخطاب فإذا علي يمسح سيفه بدرع عمرو فكبر عمر بن الخطاب و قال يا رسول الله قتله فحز علي رأسه و أقبل نحو رسول الله و وجهه يتهلل فقال عمر بن الخطاب هلا استلبته درعه فإنه ليس للعرب درع خير منها فقال ضربته فاتقاني بسوأته فاستحييت ابن عمي أن أستلبه قال حذيفة فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبشر يا علي فلو وزن اليوم عملك بعمل أمة محمد لرجح عملك بعملهم و ذلك أنه لم يبق بيت من بيوت المشركين إلا و قد دخله وهن بقتل عمرو و لم يبق بيت من بيوت المسلمين إلا و قد دخله عز بقتل عمرو و عن الحاكم أبي القاسم أيضا بالإسناد عن سفيان الثوري عن زبيد الثاني عن مرة عن عبد الله بن مسعود قال كان يقرأ و كفى الله المؤمنين القتال بعلي و خرج أصحابه منهزمين حتى طفرت خيولهم الخندق و تبادر المسلمون فوجدوا نوفل بن عبد العزى جوف الخندق فجعلوا يرمونه بالحجارة فقال لهم قتلة أجمل من هذه ينزل بعضكم أقاتله فقتله الزبير بن العوام و ذكر ابن إسحاق أن عليا (عليه السلام) طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه فمات في الخندق و بعث المشركون إلى رسول

الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يشترون جيفته بعشرة آلاف فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو لكم لا نأكل ثمن الموتى و ذكر علي (عليه السلام) أبياتا منها:

{نصر الحجارة من سفاهة رأيه --- و نصرت رب محمد بصواب} {فضربته و تركته متجدلا --- كالجذع بين دكادك و رواب} {و عففت عن أثوابه و لو أنني --- كنت المقطر بزني أثوابي}

و روى عمرو بن عبيد عن الحسن البصري قال إن عليا (عليه السلام) لما قتل عمرو بن عبد ود حمل رأسه فألقاه بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقام أبو بكر و عمر فقبلا رأس علي (عليه السلام) و روي عن أبي بكر بن عياش أنه قال ضرب علي ضربة ما كان في الإسلام أعز منها يعني ضربة عمرو بن عبد ود و ضرب علي ضربة ما كان في الإسلام ضربة أشأم منها يعني ضربة ابن ملجم عليه لعائن الله.

قال ابن إسحاق و رمى حيان بن قيس بن العرفة سعد بن معاذ بسهم و قال خذها و أنا ابن العرفة فقطع أكحله فقال سعد عرف الله وجهك في النار اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهد من قوم آذوا رسولك و كذبوه و أخرجوه و أن كنت وضعت الحرب بيننا و بينهم فاجعله لي شهادة و لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة قال و جاء نعيم بن مسعود الأشجعي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا رسول الله إني قد أسلمت و لم يعلم بي أحد من قومي فمرني بأمرك فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا ما استطعت فإنما الحرب خدعة فانطلق نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة فقال لهم إني لكم صديق و الله ما أنتم و قريش و غطفان من محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بمنزلة واحدة إن البلد بلدكم و به أموالكم و أبناؤكم و نساؤكم و إنما قريش و غطفان بلادهم غيرها و إنما جاءوا حتى نزلوا معكم فإن رأوا فرصة انتهزوها و إن رأوا غير ذلك رجعوا إلى بلادهم و خلوا بينكم و بين الرجل و لا طاقة لكم به فلا تقاتلوا حتى تأخذوا رهنا من أشرافهم تستوثقون به أن لا يبرحوا حتى يناجزوا محمدا فقالوا له قد أشرت برأي ثم ذهب فأتى أبا سفيان و أشراف قريش فقال يا معشر قريش إنكم قد عرفتم ودي إياكم و فراقي محمدا و دينه و إني قد جئتكم بنصيحة

فاكتموا علي فقالوا نفعل ما أنت عندنا بمتهم فقال تعلمون أن بني قريظة قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم و بين محمد فبعثوا إليه أنه لا يرضيك عنا إلا أن نأخذ من القوم رهنا من أشرافهم و ندفعهم إليك فتضرب أعناقهم ثم نكون معك عليهم حتى نخرجهم من بلادك فقال بلى فإن بعثوا إليكم يسألونكم نفرا من رجالكم فلا تعطوهم رجلا واحدا و احذروا ثم جاء غطفان و قال يا معشر غطفان إني رجل منكم ثم قال لهم ما قال لقريش فلما أصبح أبو سفيان و ذلك يوم السبت في شوال سنة خمس من الهجرة بعث إليهم أبو سفيان عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش أن أبا سفيان يقول لكم يا معشر اليهود إن الكراع و الخف قد هلكا و إنا لسنا بدار مقام فاخرجوا إلى محمد حتى نناجزه فبعثوا إليه أن اليوم السبت و هو يوم لا نعمل فيه شيئا و لسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم نستوثق بهم لا تذهبوا و تدعونا حتى نناجز محمدا فقال أبو سفيان و الله قد حذرنا هذا نعيم فبعث إليهم أبو سفيان أنا لا نعطيكم رجلا واحدا فإن شئتم أن تخرجوا و تقاتلوا و إن شئتم فاقعدوا فقالت اليهود هذا و الله الذي قال لنا نعيم فبعثوا إليهم أنا و الله لا نقاتل حتى تعطونا رهنا و خذل الله بينهم و بعث سبحانه عليهم الريح في ليال شاتية باردة شديدة البرد حتى انصرفوا راجعين قال محمد بن كعب قال حذيفة بن اليمان و الله لقد رأيتنا يوم الخندق و بنا من الجهد و الجوع و الخوف ما لا يعلمه إلا الله و قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فصلى ما شاء الله من الليل ثم قال أ لا رجل يأتينا بخبر القوم يجعله الله رفيقي في الجنة قال حذيفة فو الله ما قام منا أحد مما بنا من الخوف و الجهد و الجوع فلما لم يقم أحد دعاني فلم أجد بدا من إجابته قلت لبيك قال اذهب فجئني بخبر القوم و لا تحدثني شيئا حتى ترجع قال و أتيت القوم فإذا ريح الله و جنوده يفعل بهم ما يفعل ما يستمسك لهم بناء و لا تثبت لهم نار و لا تطمئن لهم قدر فإني لكذلك إذا خرج أبو سفيان من رحله ثم قال يا معشر قريش لينظر أحدكم من جليسه قال حذيفة فبدأت بالذي عن يميني فقلت من أنت قال أنا فلان ثم عاد أبو سفيان براحلته فقال يا معشر قريش و الله ما أنتم بدار مقام هلك الخف و الحافر و أخلفتنا بنو قريظة و هذه الريح لا يستمسك لنا معها شيء ثم عجل فركب راحلته و إنها لمعقولة ما حل عقالها إلا بعد ما ركبها قال قلت في نفسي لو رميت عدو الله فقتلته كنت قد صنعت شيئا فوترت قوسي ثم وضعت السهم في كبد القوس و أنا أريد أن أرميه فأقتله فذكرت قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تحدثن شيئا حتى ترجع قال فحططت

القوس ثم رجعت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و هو يصلي فلما سمع حسي فرج بين رجليه فدخلت تحته و أرسل علي طائفة من مرطة فركع و سجد ثم قال ما الخبر فأخبرته و روى الحافظ بالإسناد عن عبد الله بن أبي أوفى قال دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الأحزاب فقال اللهم أنت منزل الكتاب سريع الحساب أهزم الأحزاب اللهم اهزمهم و زلزلهم و عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول لا إله إلا الله وحده وحده أعز جنده و نصر عبده و غلب الأحزاب وحده فلا شيء بعده و عن سليمان بن صرد قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين أجلى عنه الأحزاب الآن نغزوهم و لا يغزوننا فكان كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم تغزهم قريش بعد ذلك و كان هو يغزوهم حتى فتح الله عليهم مكة.