۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة السجدة، آية ٢٩

التفسير يعرض الآيات ٢٦ إلى ٣٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ ٢٦ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ ٢٧ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٨ قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٢٩ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ ٣٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

أَ وَ لَمْ يَهْدِ لهَُمْ كَمْ أَهْلَكنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشونَ فى مَسكِنِهِمْ إِنّ فى ذَلِك لاَيَتٍ أَ فَلا يَسمَعُونَ (26) أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنّا نَسوقُ الْمَاءَ إِلى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكلُ مِنْهُ أَنْعَمُهُمْ وَ أَنفُسهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ (27) وَ يَقُولُونَ مَتى هَذَا الْفَتْحُ إِن كنتُمْ صدِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْح لا يَنفَعُ الّذِينَ كَفَرُوا إِيمَنُهُمْ وَ لا هُمْ يُنظرُونَ (29) فَأَعْرِض عَنْهُمْ وَ انتَظِرْ إِنّهُم مّنتَظِرُونَ (30)

القراءة

قرأ زيد أ و لم نهد بالنون و القراءة كلهم على الياء و قد ذكرناه في سورة الأعراف و في الشواذ قراءة ابن السميقع يمشون بضم الياء و تشديد الشين و إنهم منتظرون بفتح الظاء.

الحجة

قال ابن جني دفع أبو حاتم فتح الظاء و استدل على ذلك بقوله فارتقب إنهم مرتقبون و قوله يمشون للكثرة و قال:

{يمشي بيننا حانوت كرم --- من الخرس الصراصرة القطاط}

اللغة

يقال هداه في الدين يهديه هدى و إلى طريق هداية و اهتدى إذا قبل الهداية و الواجب من الهدى هو ما يؤدي إلى ما ليس للعبد عنه غنى في دينه فاللطف على هذا هدى و النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى هدى.

و السوق الحث على السير ساقه يسوقه.

و الجرز الأرض اليابسة التي ليس فيها نبات لانقطاع الأمطار عنها و اشتقاقه من قولهم سيف جراز أي قطاع لا يبقى شيئا إلا قطعه و ناقة جراز إذا كانت تأكل كل شيء فلا تبقي شيئا إلا قطعته بفيها و رجل جروز أي أكول قال الراجز:

خب جرز و إذا جاع بكى ) و في الجرز أربع لغات بضم الجيم و الراء و بفتحهما و بضم الجيم و إسكان الراء و فتح الجيم و إسكان الراء.

الإعراب

فاعل يهد مضمر يدل عليه قوله «كم أهلكنا» و تقديره أ و لم يهد لهم إهلاكنا من أهلكناه من القرون الخالية و لا يجوز أن يكون فاعله «كم أهلكنا» لأن ما قبل كم لا يجوز أن يعمل فيه إلا حروف الإضافة لأن كم على تقدير الاستفهام الذي له صدر الكلام فهو في محل النصب لأنه مفعول أهلك و «يمشون» في محل النصب على الحال.

المعنى

ثم نبه الله سبحانه خلقه على الاعتبار بمن تقدمهم من القرون فقال «أ و لم يهد لهم» أي أ و لم يبصرهم و يبين لهم «كم أهلكنا من قبلهم من القرون» الماضية جزاء على كفرهم بالله و ارتكابهم لمعاصيه «يمشون في مساكنهم» و يرون آثارهم و قيل معناه أنا أهلكناهم بغتة و هم مشاغيل بنفوسهم يمشون في منازلهم «إن في ذلك لآيات» أي في إهلاكنا لهم دلالات واضحات على الحق «أ فلا يسمعون» أي أ فلا يسمع هؤلاء الكفار ما يوعظون به من المواعظ ثم نبههم سبحانه على وجه آخر فقال «أ و لم يروا» أي أ و لم يعلموا «أنا نسوق الماء» بالمطر و الثلج و قيل بالأنهار و العيون «إلى الأرض الجرز» أي اليابسة

التي لا نبات فيها و قيل نسوق الماء بالسيول إليها لأنها مواضع عالية و هي قرى بين الشام و اليمن عن ابن عباس «فنخرج به زرعا تأكل منه» أي من ذلك الزرع «أنعامهم و أنفسهم» و المعنى أن هذه الأرض تنبت ما يأكله الناس و الأنعام «أ فلا يبصرون» نعم الله تعالى عليهم «و يقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين» قال الفراء المراد به فتح مكة و قال السدي الفتح هو القضاء بعذابهم في الدنيا و هو يوم بدر و قال مجاهد و هو الحكم بالثواب و العقاب يوم القيامة و كانوا يسمعون المسلمين يستفتحون بالله عليهم فقالوا لهم متى هذا الفتح أي متى هذا الحكم فينا «قل» يا محمد «يوم الفتح» يوم «لا ينفع الذين كفروا إيمانهم» بين سبحانه أن يوم الفتح يكون يوم القيامة و ذلك اليوم لا ينفع الكافرين إيمانهم «و لا هم ينظرون» أي لا يؤخر عنهم العذاب يعني الذين قتلوا يوم بدر لم ينفعهم إيمانهم بعد القتل «فأعرض عنهم» يا محمد فإنه لا ينجع فيهم الدعاء و الوعظ و قيل أعرض عن أذاهم و انتظر حكم الله فيهم قال ابن عباس نسخت آية السيف «و انتظر» موعدي لك بالنصر على أعدائك «إنهم منتظرون» بك حوادث الزمان من موت أو قتل فيستريحون منك و قيل معناه إنهم سيأتيهم ما وعد الله فيهم فكأنهم ينتظرونه.