۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة لقمان، آية ٨

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

الٓمٓ ١ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ ٢ هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّلۡمُحۡسِنِينَ ٣ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٤ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡتَرِي لَهۡوَ ٱلۡحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٦ وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا وَلَّىٰ مُسۡتَكۡبِرٗا كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَا كَأَنَّ فِيٓ أُذُنَيۡهِ وَقۡرٗاۖ فَبَشِّرۡهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٧ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلنَّعِيمِ ٨ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٩ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ ١٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ الم (1) تِلْك ءَايَت الْكِتَبِ الحَْكِيمِ (2) هُدًى وَ رَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ (3) الّذِينَ يُقِيمُونَ الصلَوةَ وَ يُؤْتُونَ الزّكَوةَ وَ هُم بِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئك عَلى هُدًى مِّن رّبِّهِمْ وَ أُولَئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) وَ مِنَ النّاسِ مَن يَشترِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلّ عَن سبِيلِ اللّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَ يَتّخِذَهَا هُزُواً أُولَئك لهَُمْ عَذَابٌ مّهِينٌ (6) وَ إِذَا تُتْلى عَلَيْهِ ءَايَتُنَا وَلى مُستَكبراً كَأَن لّمْ يَسمَعْهَا كَأَنّ فى أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7) إِنّ الّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ لهَُمْ جَنّت النّعِيمِ (8) خَلِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللّهِ حَقّا وَ هُوَ الْعَزِيزُ الحَْكيمُ (9) خَلَقَ السمَوَتِ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَوْنهَا وَ أَلْقَى فى الأَرْضِ رَوَسىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَ بَث فِيهَا مِن كلِّ دَابّةٍ وَ أَنزَلْنَا مِنَ السمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10)

القراءة

قرأ حمزة و رحمة بالرفع و الباقون «و رحمة» بالنصب و قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر و يعقوب «و يتخذها» بالنصب و الباقون بالرفع و قد ذكرنا فيما تقدم أن ابن كثير و أبا عمرو و يعقوب قرءوا ليضل بفتح الياء و أن نافعا يقرأ الأذن بسكون الذال كل القرآن.

الحجة

قال أبو علي و الزجاج وجه النصب في «و رحمة» إنه انتصب عن الاسم المبهم على الحال أي تلك آيات الكتاب في حال الهداية و الرحمة و الرفع على إضمار المبتدأ أي هو هدى و رحمة و من رفع و يتخذها جعله عطفا على الفعل الأول أي من يشتري و يتخذ و من نصب عطفه على «ليضل» «و يتخذها» و أما الضمير في يتخذها فيجوز أن يكون للحديث لأنه بمعنى الأحاديث و يجوز أن يكون للسبيل لأن السبيل يؤنث قال قل هذه سبيلي و يجوز أن يكون لآيات الله و قد جرى ذكرها في قوله «تلك آيات الكتاب».

الإعراب

مفعول يضل محذوف أي ليضل الناس بغير علم في موضع النصب على الحال تقديره ليضل الناس جاهلا أو غير عالم.

«كأن لم يسمعها» الكاف في موضع الحال و كذا قوله «كان في أذنيه وقرا» في موضع الحال أي ولى مستكبرا مشبها للصم.

«لهم جنات النعيم» جنات ترتفع بالظرف على المذهبين لأنه جر خبرا على المبتدأ.

وعد الله مصدر

فعل محذوف و حقا صفة للمصدر و تقديره وعد الله وعدا حقا.

بغير عمد يجوز أن يكون غير صفة لمحذوف مجرور بالياء أي بعمد غير عمد ترونها و ترونها جملة في موضع جر بكونها صفة لعمد أي بغير عمد مرئية و يجوز أن يكون غير بمعنى لا و على الوجهين يتعلق الباء بخلق و يجوز أن يكون الباء للحال فيكون حالا من السموات و يجوز وجه آخر و هو أن يتعلق الباء بترون و الجملة في موضع نصب على الحال من خلق فالتقدير خلق السموات مرئية بغير عمد أن تميد في موضع نصب بأنه مفعول له و تقديره حذر أن تميد و كراهة أن تميد.

النزول

نزل قوله «و من الناس من يشتري لهو الحديث» في النضر بن الحرث بن علقمة بن كلدة بن عبد الدار بن قصي بن كلاب كان يتجر فيخرج إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم و يحدث بها قريشا و يقول لهم إن محمدا يحدثكم بحديث عاد و ثمود و أنا أحدثكم بحديث رستم و إسفنديار و أخبار الأكاسرة فيستمعون حديثه و يتركون استماع القرآن عن الكلبي و قيل نزل في رجل اشترى جارية تغنيه ليلا و نهارا عن ابن عباس و يؤيده ما رواه أبو أمامة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لا يحل تعليم المغنيات و لا بيعهن و أثمانهن حرام و قد نزل تصديق ذلك في كتاب الله تعالى «و من الناس من يشتري» الآية و الذي نفسي بيده ما رفع رجل عقيرته يتغنى إلا ارتدفه شيطانان يضربان أرجلهما على صدره و ظهره حتى يسكت.

المعنى

«الم تلك آيات الكتاب الحكيم» تقدم تفسيره «هدى و رحمة للمحسنين» أي بيان و دلالة و نعمة للمطيعين و قيل للموحدين و قيل للذين يحسنون العمل ثم وصفهم فقال «الذين يقيمون الصلوة و يؤتون الزكوة» إلى قوله «هم المفلحون» قد مر تفسيره في سورة البقرة ثم وصف الذين حالهم تخالف حال هؤلاء فقال «و من الناس من يشتري لهو الحديث» أي باطل الحديث و أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث الغناء و هو قول ابن عباس و ابن مسعود و غيرهما و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله و أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قالوا منه الغناء و روي أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال هو الطعن بالحق و الاستهزاء به و ما كان أبو جهل و أصحابه يجيئون به إذ قال يا معشر قريش أ لا أطعمكم من الزقوم الذي يخوفكم به صاحبكم ثم أرسل إلي زبدا و تمرا فقال هذا هو الزقوم الذي يخوفكم به قال و منه الغناء فعلى هذا فإنه يدخل فيه كل شيء يلهي عن سبيل الله و عن

طاعته من الأباطيل و المزامير و الملاهي و المعارف و يدخل فيه السخرية بالقرآن و اللغو فيه كما قاله أبو مسلم و الترهات و البسابس على ما قاله عطا و كل لهو و لعب على ما قاله قتادة و الأحاديث الكاذبة و الأساطير الملهية عن القرآن على ما قاله الكلبي و روى الواحدي بالإسناد عن نافع عن ابن عمر أنه سمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الآية «و من الناس من يشتري لهو الحديث» قال باللعب و الباطل كثير النفقة سمح فيه و لا تطيب نفسه بدرهم يتصدق به و روي أيضا بالإسناد عن أبي هريرة قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من ملأ مسامعه من غناء لم يؤذن له أن يسمع صوت الروحانيين يوم القيامة قيل و ما الروحانيون يا رسول الله قال قراء أهل الجنة «ليضل عن سبيل الله» أي ليضل غيره و من أضل غيره فقد ضل هو و من قرأ بفتح الياء فالمعنى ليصير أمره إلى الضلال و هو أن لم يكن يشتري للضلال فإنه يصير أمره إلى ذلك قال قتادة يحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق و سبيل الله قراءة القرآن و ذكر الله عن ابن عباس «بغير علم» معناه أنه جاهل فيما يفعله لا يفعل عن علم «و يتخذها هزوا» أي و يتخذ آيات القرآن هزوا أو و يتخذ سبيل الله هزوا يستهزىء بها «أولئك لهم عذاب مهين» أي مضل يهينهم الله به «و إذا تتلى عليه آياتنا» أي و إذا قرىء عليه القرآن «ولى مستكبرا كأن لم يسمعها» أي أعرض عن سماعه إعراض من لا يسمعه رافعا نفسه فوق مقدارها «كان في أذنيه وقرا» أي كان في مسامعه ثقلا يمنعه عن سماع تلك الآيات «فبشره» يا محمد «بعذاب أليم» أي مؤلم موجع في القيامة ثم أخبر سبحانه عن صفة المؤمنين المصدقين فقال «إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات لهم جنات النعيم» يوم القيامة يتنعمون فيها «خالدين فيها» أي مؤبدين في تلك الجنات «وعد الله حقا» أي وعدا وعده الله حقا لا خلف له «و هو العزيز» في انتقاله «الحكيم» في جميع أفعاله و أحكامه لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة ثم أخبر سبحانه عن أفعاله الدالة على توحيده فقال «خلق السموات» أي أنشأها و اخترعها «بغير عمد ترونها» إذ لو كان لها عمد لرأيتموها لأنها لو كانت تكون أجساما عظاما حتى يصح منها أن تقل السموات و لو كانت كذلك لاحتاجت إلى عمد آخر فكان يتسلسل فإذا لا عمد لها و قيل إن المراد بغير عمد مرئية و المعنى أن لها عمدا لا ترونها عن مجاهد و الصحيح الأول «و ألقى في الأرض رواسي» أي جبالا ثابتة «أن تميد بكم» أي كراهة أن تميد بكم و قيل لئلا تميد بكم «و بث فيها» أي فرق فيها أي في الأرض «من كل دابة» تدب على وجهها من أنواع الحيوانات «و أنزلنا من السماء ماء» أي غيثا و مطرا «فأنبتنا فيها» أي في الأرض بذلك الماء «من كل زوج» أي صنف «كريم» أي حسن النبتة طيب الثمرة.