۞ مجمع البيان في تفسير القرآن

سورة الروم، آية ٤٩

التفسير يعرض الآيات ٤٦ إلى ٥٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٤٦ وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧ ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَيَبۡسُطُهُۥ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ يَشَآءُ وَيَجۡعَلُهُۥ كِسَفٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦۖ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٨ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡهِم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمُبۡلِسِينَ ٤٩ فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٥٠

۞ التفسير

مجمع البيان في تفسير القرآن

وَ مِنْ ءَايَتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشرَتٍ وَ لِيُذِيقَكم مِّن رّحْمَتِهِ وَ لِتَجْرِى الْفُلْك بِأَمْرِهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضلِهِ وَ لَعَلّكمْ تَشكُرُونَ (46) وَ لَقَدْ أَرْسلْنَا مِن قَبْلِك رُسلاً إِلى قَوْمِهِمْ فجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الّذِينَ أَجْرَمُوا وَ كانَ حَقاّ عَلَيْنَا نَصرُ الْمُؤْمِنِينَ (47) اللّهُ الّذِى يُرْسِلُ الرِّيَحَ فَتُثِيرُ سحَاباً فَيَبْسطهُ فى السمَاءِ كَيْف يَشاءُ وَ يجْعَلُهُ كِسفاً فَترَى الْوَدْقَ يخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ فَإِذَا أَصاب بِهِ مَن يَشاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَستَبْشِرُونَ (48) وَ إِن كانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنزّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانظرْ إِلى ءَاثَرِ رَحْمَتِ اللّهِ كيْف يحْىِ الأَرْض بَعْدَ مَوْتهَا إِنّ ذَلِك لَمُحْىِ الْمَوْتى وَ هُوَ عَلى كلِّ شىْءٍ قَدِيرٌ (50)

القراءة

قرأ أبو جعفر و ابن ذكوان كسفا بسكون السين و الباقون بتحريكها و قد مضى القول فيه و قرأ ابن عامر و أهل الكوفة غير أبي بكر «إلى آثار» على الجمع و الباقون أثر بغير الألف على الواحد و روي عن علي (عليه السلام) و ابن عباس و الضحاك من خلله و عن الجحدري و ابن السميقع و ابن حيوة كيف تحيي بالتاء.

الحجة

قال أبو علي الإفراد في أثر لأنه مضاف إلى مفرد و جاز الجمع لأن رحمة الله يجوز أن يراد به الكثرة كما قال سبحانه و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها و قوله «كيف يحيي الأرض» يجوز أن يكون فاعل يحيي الضمير العائد إلى أثر و يجوز أن يكون الضمير العائد إلى اسم الله و هو الأولى و من رد الضمير إلى أثر لزمه أن يقول تحيي بالتاء إذا قرأ «آثار رحمة الله» فأما من قرأ من خلله فيجوز أن يكون خلل واحد خلال كجبل و جبال و يجوز أن يكون خلال واحدا عاقب خللا كالصلأ و الصلاء و من قرأ إلى أثر رحمت الله كيف تحيي بالتاء فإنما جاز ذلك و إن كان لا يجوز أ ما ترى إلى غلام هند كيف تضرب زيدا بالتاء لأن الرحمة قد يقوم مقامها أثرها و لا يقوم مقام هند غلامها تقول رأيت عليك النعمة و رأيت عليك أثر النعمة و لا يعبر عن هند بغلامها.

الإعراب

«و ليذيقكم» عطف على المعنى و تقديره يرسل الرياح ليبشركم بها و ليذيقكم و قوله «كيف يشاء» تقديره أي مشيئة يشاء فيكون مفعولا مطلقا ليشاء و قوله «كيف يحيي الأرض»

يجوز أن يكون كيف في موضع نصب على الحال من يحيي و ذو الحال الضمير المستكن في يحيي أو الأرض و التقدير أ مبدعا يحيي الأرض أم لا أو مبدعه يحيي الأرض أم لا و يجوز أن يكون على تقدير المصدر أي أي إحياء يحيي الأرض قال ابن جني و الجملة منصوبة الموضع على الحال حملا على المعنى لا على اللفظ و ذلك أن اللفظ استفهام و الحال ضرب من الخبر و الاستفهام و الخبر معنيان متدافعان و تلخيص كونها حالا أنه كأنه قال فانظر إلى آثار رحمة الله محيية للأرض كما أن قوله:

{ما زلت أسعى بينهم و أختبط --- حتى إذا جاء الظلام المختلط}

جاءوا بضيح هل رأيت الذئب قط فقوله:

هل رأيت الذئب قط جملة استفهامية في موضع وصف لضيح حملا على المعنى دون اللفظ فكأنه قال جاءوا بضيح يشبه لونه لون الذئب و الضيح اللبن المخلوط بالماء و هو يضرب إلى الخضرة و الطلسة.

المعنى

و لما وعد الله سبحانه و أوعد فكان قائلا قال ما أصل ما يجزي الله عليه بالخير فقيل العبادة و أصل عبادة الله معرفته و معرفته إنما تكون بأفعاله فقال «و من آياته» أي و من أفعاله الدالة على معرفته «أن يرسل الرياح مبشرات» بالمطر فكأنها ناطقات بالبشارة لما فيها من الدلالة عليه و إرسال الرياح تحريكها و إجراؤها في الجهات المختلفة تارة شمالا و تارة جنوبا صبا و أخرى دبورا على حسب ما يعلم الله في ذلك من المصلحة «و ليذيقكم من رحمته» أي و ليصيبكم من نعمته و هي الغيث و تقديره أنه يرسل الرياح للبشارة و الإذاقة من الرحمة «و لتجري الفلك» بها «بأمره و لتبتغوا من فضله» أي و لتطلبوا بركوب السفن الأرياح و قيل لتطلبوا بالأمطار فيما تزرعونه من فضل الله «و لعلكم تشكرون» نعمة الله تلطف سبحانه بلفظ لعلكم في الدعاء إلى الشكر كما تلطف في الدعاء إلى البر بقوله من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ثم خاطب سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) تسلية له في تكذيب قومه إياه فقال «و لقد أرسلنا من قبلك» يا محمد «رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات» أي بالمعجزات و الآيات الباهرات و هاهنا حذف تقديره فكذبوهم و جحدوا بآياتنا فاستحقوا العذاب «فانتقمنا من

الذين أجرموا» أي عاقبناهم بتكذيبهم «و كان حقا علينا نصر المؤمنين» معناه و دفعنا السوء و العذاب عن المؤمنين و كان واجبا علينا نصرهم بإعلاء الحجة و دفع الأعداء عنهم إلا أنه دل على المحذوف قوله «و كان حقا علينا نصر المؤمنين» و جاءت الرواية عن أم الدرداء أنها قالت سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول ما من امرىء مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة ثم قرأ «و كان حقا علينا نصر المؤمنين» ثم قال سبحانه مفسرا لما أجمله في الآية المتقدمة «الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا» أي فتهيج سحابا فتزعجه «فيبسطه» الله «في السماء كيف يشاء» إن شاء بسطه مسيرة يوم و إن شاء بسطه مسيرة يومين و يجريها إلى أي جهة شاء و إلى أي بلد شاء «و يجعله كسفا» أي قطعا متفرقة عن قتادة و قيل متراكبا بعضه على بعض حتى يغلظ عن الجبائي و قيل قطعا تغطي ضوء الشمس عن أبي مسلم «فترى الودق» أي القطر «يخرج من خلاله» أي من خلال السحاب «فإذا أصاب به» أي بذلك الودق «من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون» أي يفرحون و يبشر بعضهم بعضا به «و إن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين» معناه و إنهم كانوا من قبل إنزال المطر عليهم قانطين آيسين من نزول المطر عن قتادة و كرر كلمة «من قبل» للتوكيد عن الأخفش و قيل إن الأول من قبل الإنزال للمطر و الثاني من قبل الإرسال للرياح «فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيي الأرض» حتى أنبت شجرا و مرعى «بعد موتها» أي بعد أن كانت مواتا يابسة جعل الله سبحانه اليبس و الجدوبة بمنزلة الموت و ظهور النبات فيها بمنزلة الحياة توسعا «أن ذلك لمحي الموتى» أي إن الله تعالى يفعل ما ترون و هو الله تعالى ليحيي الموتى في الآخرة بعد كونهم رفاتا «و هو على كل شيء قدير» مر معناه.